غشّ.. مع سبق الاصرار والترصّد!

كتب مختارة/ تربوي

عزة فرحات
غششتُ في امتحان الرياضيات هذا الصباح.
أصابتني بعد ذلك حالة من المرض والاعياء الشديدين. عدت الى البيت مباشرة بعد المدرسة. لم أستطع تناول طعام الغداء. دخلت غرفتي وتمدّدت على الأرض. وكلّما عاودت التفكير فيما فعلت تمنّيت لو أموت!
لم يكن الأمر صدفة.. لقد غششتُ عن سابق تصميم!
كان الأستاذ ممدوح قد أعلن عن الامتحان بطريقته المخيفة كالعادة. وحذّر كلّ مَن لن ينجح بأنه سيضطر للمجيئ إلى المدرسة يوم الجمعة، وشدّد عليّ أنا تحديدًا أمام الجميع لأنني لم أنجح في الامتحان الذي سبقه. قال ذلك أمام الصف بأكمله! هل تتخيّلون كم أحبّ الأستاذ ممدوح؟
كنت أنوي أن أدرس للامتحان وأثبت للأستاذ أنني ذكيّ، فأنا ذكيٌ فعلًا- إلا في الرياضيات، ريثما احفظ جدول الضرب.
كنت قد جهزتُ طاولة الدرس بإزالة مئات الأشياء عنها. وما إن أصبحت جاهزًا للبدء بالمذاكرة دخلت أختي جنى غرفتي حاملة الارنب الذي اشتريناه حديثًا. لعبنا معه قليلا.
أخرجتُ الأرنب إلى باحة الدار وإذ بابنَي جارنا أحمد وحسام يطلّان. ذهبنا معًا الى محل الألعاب الكمبيوترية وتغلّبت عليهما في لعبة "كاونتر".
بعد عودتي إلى البيت قرأتُ درس التاريخ. ولم يمض وقت طويل حتى حان موعد طعام العشاء.
بعد تناول الطعام سألني والدي إن كنت قد أنهيت واجباتي المدرسية لأشاهد فيلم مغامرات يُعرض على التلفزيون، وبالطبع قلت إنني أنهيت. وهذه كانت البداية!
ليس هناك الكثير من القوانين المزعجة في عائلتي. ولكن هناك مبدأ واحد يسود: ينبغي أن نقول الحقيقة دائمًا.. حتى لو كانت الأمور سيئة- كعادتها معي.
شعرت بالسوء الشديد لأنني كذبتُ على أبي. ولذا لم أتمكن من الاستمتاع بالفيلم. أظنّه علم أنني كنت أكذب، لكنه لم يتحدّث معي بشأن ذلك. وهذا ما زاد من ألمي.
كانت الساعة تجاوزت التاسعة عندما عدت إلى غرفتي. تأخر الوقت ولم يعد مناسبًا لدراسة مادة الامتحان. استلقيت على السرير وقرّرت ما سأفعل في حصة الأستاذ ممدوح نهار الغد.
هل ترون؟ كان الغشّ مخططًا له!
صباح اليوم التالي جلست على مقعدي إلى جانب ماجد عمار -عبقري الرياضيات في الصف- وصرت أنظر بين الحين والآخر إلى ورقته لأنسخ الإجابات. كانت المسألة أسهل من شربة ماء! في الواقع كنت في الامتحانات السابقة أسعى جهدي أن لا أرى إجاباته، فنحن إلى جانب بعضنا في المقاعد. سلّمت ورقة الامتحان وعدت الى مقعدي. كل شيء سار على ما يرام، باستثناء معدتي التي بدأت تؤلمني كثيرا. أحسست بالغثيان..
لم أصدّق أنني فعلت ما فعلت بدم بارد. بدأت أتساءل: لعلّي سأسرق من المتاجر عمدًا فيما بعد؟ أو أخون أحدًا عن سابق تصميم؟ أو أبدأ حياة من الأعمال الرهيبة التي لم أكن لأتصورها من قبل؟ وفكرت: هل أنا سيئ فعلًا حتى العظم حتى فعلت ما فعلت؟
لم أكن ذلك الولد الذي يعشقه الاخرون. كان لديّ بعض الطباع السيئة ولكنني كنت أرى نفسي ولدًا مهذّبًا. أقول الحقيقة دوما...
لقد تحوّلت هكذا فجأة إلى مجرم. لا أكاد أصدّق! وكل ذلك بسبب امتحان عاديّ في الرياضيات.
خطر ببالي وأنا مستلقٍ في غرفتي أنني قد أستمر بهذا السوء في المستقبل.. بل ربما كنتُ سيئًا منذ البداية وكان يلزمني امتحان رياضيات يكشف حقيقتي أمام نفسي.
ربما لن أتمكن من قول الحقيقة مرة أخرى. ما الأمر الرهيب الآخر الذي سأقوم به عندما يأتي أبي ويجلس الى سريري؟
جاء والدي.. وسألني عن حالي.. "معدتي تؤلمني" أجبت.. لحسن الحظ لم أستطع أن أتملّى من وجهه في الظلام.
سألني "أهذا كل ما في الامر؟"؛ قلت "نعم".
- الماما تقول إنك في غرفتك منذ عدت من المدرسة.
- كنت مريضًا جدًا في المدرسة أيضًا
- هي تقول إن شيئًا ما حدث وأزعجك.
هذا أكثر ما يغيظني في أمي. فهي تعرف ما في داخلي وكأنني مكشوفٌ تمامًا أمامها.
لم أجب.. "حسنا.." ربّت أبي على رجلي وقام.
قبل أن يغلق الباب خلفه ناديتُه بصوت لم أتوقّع أن يصدر مني أبدا.
- ماذا اذاً؟ عاد أدراجه غير متفاجئ.
أخبرته بكل ما حدث بالتفصيل! قلت له الحقيقة وأنا مدهوش من نفسي. فلم أكن قد خططت لقولها كما فعلت.
لم يقل شيئًا في البداية، وكاد الأمر يقتلني. تمنّيت لو أنه صرخ في وجهي أو أنّبني. مرّت لحظات حتى قال "عليك أن تتّصل بالأستاذ ممدوح."
لم يكن الأمر واردًا بالنسبة لي.. "الان؟" قلتُ متفاجئًا. "الآن!" قالها وهو يضيء المصباح ويزيح الغطاء عني.
لن أفعل، قلت في نفسي..
ولكنني قمت واتصلت بالأستاذ وأخبرته بكل ما حدث، وأن جريمتي كانت عن تخطيط مسبق.
لم يقل الأستاذ كلامًا كثيرًا. قال "عليك أن تعيد الامتحان يوم الجمعة". وهو أهون ما كان يمكن أن يحلّ بي. شكرته وأقفلت الخط.
الأستاذ ممدوح ليس ودودًا، ولكنه ليس شريرًا في النهاية.
يقبّلني أبي أحيانًا قبل النوم.. وأحيانًا لا يفعل.. ولكنه الليلة قبّلني!
عندما أحكم إغلاق الباب خلفه أحسستُ بأنّ ثقلًا كبيرًا انزاح عن صدري.
"لن أعود لمثلها ابدا".
ولكنّي تذكرتُ الثقل الآخر على ظهري فقلت "سأدرس للامتحان ولتأتِ العلامة التي استحق!"
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل