قراءة تربويّة في فيلم نجومٌ على الأرض ( Tare Zameen Par)

كتب مختارة/ تربوي

الشيخ يوسف شمس الدين ـ ماجستير علم اجتماع سياسي وماجستير فقه وأصول
فيلم دراما عائلي موسيقي مدته 164 دقيقة. إخراج عامر خان. بطولة دارشيل سفاري وعامر خان. تم إنتاجه في الهند وعُرِض عام 2007.

تقول الأسطورة إِنّ أهالي جزر سليمان كانوا اذا أرادوا اقتلاعَ شجرة، التفّوا حولها وصبّوا شتائمهم عليها حتى تُلعن، فتمرّ الأيام وتموت الشجرة اختناقًا..
لم تكن شجرةً هذه المرّة؛ إنّما كانت "نجوم على الأرض"، هكذا عنوَنَ فيلمهُ المخرج والمنتج والممثّل المشهور في السّينما البوليوودية "عامر خان"، والذي استطاع في فيلمه هذا أن يفتح أعين المشاهدين على زاوية من زوايا "التّربية"، كأضخم التحديّات التي يمكن أن يعيشها إنسان اليوم.
"ايشان"، بطل القصّة، صبيّ في الثّامنة من عمره، يعيش طفولته وكأنّه يعي منذ صغره أنها فرصةٌ لن تتكرر؛ فرصة الاندهاش التّام بما يحيطُ به، بكلّ ما تخبره حواسّه، فتراه أشدّ استمتاعًا من غيره بزرقة السّماء وبحفيف الأشجار، و....كلّ شيء من حوله له دخالة في صنع بهجته..
بينما المحيطون من حوله يسيرون بانتظام نحو أهدافهم المختلقة، تجده يستيقظ كل يوم على موسيقى حلمه الخاص الملوّن بأزهى ألوان الحياة.. ترى الجميع يعبدون الوقت ويتنافسون مع الزّمن.. أما اللّحظة عنده فَحرّة تستوعب الحياة بأجمعها..
لم يكتشف أهله، مبكراً، أنّه مصابٌ بعسرِ القراءة (ديسلكسيا) الّذي يحرمه القدرة على القراءة والكتابة وتقدير المسافات.. الأمر الذي جعله يفشل فشلًا محبطًا في مقاعده الدّراسيّة.
في ظلّ نجاح أخيه المبهر وصرامة الحياة التي يعيشها الأب المنغمس في الملفّات، كأنّه يدير العالَم من منصّة شركته، تعزّز اسشعار ايشان للعجز وضرورة إخفاء عجزه عن طريق التّمرّد على القوانين والهرب من المدرسة والمشي في الطّرقات بكلّ جرأة ومن دون أدنى خوف.
بقي على حالته هذه إلى أن تقرَّر نقله إلى مدرسة داخليّة، اعتقادًا من والده أنّ ذلك يساعده أكثر في تجذير وتلطيف علاقته بالمحيط التّعليمي وما شابه..
إلّا إِنَّ القاعدة الأولى الّتي استقبله المدير بها هي "الانضباط"، مخبرًا أباه "أنّهم يمتلكون في هذه المدرسة القدرة على ترويض أكثر الأحصنة هيجانًا".
ربّما هذا ما كان يريده الأب، فهو يعيش حياة تجعله يظنّ أنّ الفيلسوف هو من يعي أسعار الأشياء، لا من يعرف تقدير الأشياء! وبالتّالي منَ الطّبيعي أن يلجأ إلى مدرسة تضع ابنَه على مضمار المنافسة مع أبناء الآخرين، ظنًّا منه أنّه يربّي حصانًا!
لم يقْدرْ ايشان على محاكاة المسار الانضباطي الذي فرض عليه، خاصّة مع ابتعاده عن أمّه؛ مأمنه الوحيد.
فبعد أن تلقّى العديد من الإهانات والعقوبات، ماتت الحياة من حوله، ودُفنت المتعة في توابيت الرّياضيات والجغرافيا واللّغة..
لم يعد للألوان مسرحٌ من حوله، والسّماء والأرض صارتا رتْقًا فلا نجوم ولا كواكب ولا رياح ولا اصوات تسبيح بينهما..
ولكن، لأنّها النّجوم على الأرض، ولأنّنا لسنا في جزر سليمان المزعومة.. فلا بدّ من صحو ولا بدّ من رسول.
"الأطفال، نجومٌ على الأرض، ولكلِّ نجمة وميضها الخاص!"
هذه رسالة الرّسول كانت. أستاذ الرّسم "رام شانكار نيكامب"، الّذي جاء ضيفًا إلى المدرسة الدّاخليّة.. جاءَ ليثير للأطفال دفائن عقولهم، وليقول لهم إنّ النّجوم لم تُخلق لتكون متماثلة. نعم هي تبدو كذلك لنا؛ نحن الّذين ضيّقت المدارسُ والحداثةُ السّماءَ في أعيننا. إلّا إنّ لكلّ نجمة مع أصحاب البهجة شأنًا خاصًّا.
أستاذ الرسم هذا، جاء ليذكّرهم أنّ في جنب كلّ واحد منهم اسمًا وسرًّا خاصًّا يفصله عن وحدة الشّكل والنّمط التي رسّختها المدارس والأنظمة الأحاديّة.
فالمبدعون دائمًا ما ينظرون إلى العالم من زوايا مختلفة.
لقد أعاد هذا الأستاذ صياغة مفهوم المدرسة من جديد في أذهان المشاهدين.. ليدوس على مفهوم ال "أكاديميّة" أو المدرسة في فلسفة أفلاطون، الّتي أسّست لفكرة أنّ مصنع القادة لا يَستوعب، في خطّ إنتاجه، المعوقين وذوي الحاجات الخاصة!
كنّا بأمسّ الحاجة إلى هذه التّذكرة.. خاصة بعد أن استسلمت الأسرة أمام هيمنة الدّولة كحلّ تربويّ اضطراري أكرهنا عليه، لتكون المدرسة حصيلتها المؤسّساتية و"الضّابطة" للوظائف بأقصى كفاءة وبأقلّ خسائر ممكنة، لإنتاج مواطن يعيش التّنافس بأعلى مستوياته..
الأسرة، ميدان يُتاح للمرء فيه أن يكون كما هو كائن دون أي تلوّن، إنّما محض انفعال وتفاعل مع مربّين يودّون لو يحيا الأبناء لا لشيء، إنّما لأن "الحياة" عنوان مرغوب في ذاته وليس طريقًا لما هو أقلّ منه!




يوتيوب فيديو
نجوم على الارض
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

    مقالات ذات صلة

الكاتب

الشيخ يوسف شمس الدين ـ ماجستير علم اجتماع سياسي وماجستير فقه وأصول