قراءة تربوية في فيلم أنا سام (I Am Sam)

كتب مختارة/ تربوي

د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي
فيلم دراما عائلي مدّته 134 دقيقة. إخراج جيسي نيلسون. بطولة: شون بين وميشيل بفايفر والطفلة داكوتا فانينغ. عُرِض عام 2001 في أمريكا.

"أنا سام" فيلم يشكّل بقصّته وممثّليه وموسيقاه قصيدة إنسانيّة جميلة. فيلم يتعرّض للتأخّر الذّهني بزخمٍ عاطفي يرتكز على علاقة قويّة بين أبٍ وابنته. "سام داوسون" (شون بين) هو الأب المتأخّر ذهنيًّا والّذي تركته زوجته مع طفلة وليدة ورحلَتْ دون رجعة. استطاع سام بمساعدة أصدقائه أن يربِّي ابنتَه "لوسي" (داكوتا فاننغ) إلى أن صارت في السّابعة من عمرها. لكن بسبب تشخيص المحكمة بعدم كفاءته للاهتمام بابنته لتأخّره الذّهني، تُقرّر أخذها منه.
فيلم مليء بالإحساس والعاطفة والكوميديا أحيانًا. أجمل ما فيه أنه يُرِي الأهل، الذين يعيشون مع طفل أو شخص من ذوي الحاجات الخاصّة، علاقة عاطفيّة جميلة ومؤمّلة تلقي الضّوء على التّأثير الإنساني لهؤلاء في حياتنا.
لكن كي نتعرّف على مستوى أعمق للفيلم، سنتخطّى المستويات العاطفيّة الظّاهريّة ونغوص في أعماقه، حيث الصّراع بين سام والمجتمع الذي يريد أخذ ابنته منه. هذا المجتمع، المبني على معايير علميّة خاصة به، يجده أبًا عاجزًا وغير مناسب لتربية ابنته لوسي. يستمرّ هذا الصّراع من بداية الفيلم إلى آخره. تظهر قمّة الصراع في التّناقض بين الشّخصيّات الأساسيّة للفيلم؛ شخصيّة "سام"- المتأخّر ذهنيًّا والذي يوازي معدّل ذكائه معدّل ذكاء طفل في السّابعة من عمره، حيث يظهر هذا الأمر في كلامه وحركته وتعامله مع الآخرين- من جهة، وشخصيّة "ريتا"- المحامية الجميلة والذكيّة والغنيّة والنّاجحة في عملها- من جهة أخرى. ويظهر هذا الأمر مباشرة بعد اللّقاء الأوّل لسام مع ريتا في مكتبها. يرافقنا هذا التناقض طيلة الفيلم (التناقض بين الإِعاقة الذّهنية أو النّقص والكمال الظاهري)، إذ يبدو سام المتأخّر ذهنيًّاً عارفًاً بالأصول الأخلاقيّة والمبادئ الإنسانيّة: الحنان، التّعاطف، مساعدة الآخرين التي يحتقرها المجتمع أو يحاول التّظاهر بها؛ أما ريتا، النّموذج الواضح للإنسان النّاجح في ذلك المجتمع، فلا تلتزم بأيٍّ من هذه الأصول. فهي منذ اللحظة الأولى للقائها بـ"سام" كانت تكذب، وتحاول بأيّة طريقة أن تبعده عنها وعن مكتبها. وبسبب كذبها، أيضًاً، قبلَتْ بتبنّي قضيّتِه لاسترجاع ابنته، إذ قالت لأصدقائها إنها تشارك في أعمال خيريّة مجانيّة، ومنها قضيّة سام وابنته.
لا يظهر لدى ريتا أيّة إشارات تدلّ على المحبّة والحنان أو التعاطف أو الصدق؛ بل على العكس، حاولت إقناع سام باللّجوء إلى الكذب لكسب القضيّة. لكنه - وعلى الرغم من شوقه الكبير لاستعادة لوسي - لم يقبل بالكذب؛ بل اختار الخسارة على الكذب. كانت خسارة سام لقضيّته النقطة المنعطف في الفيلم، حيث ظهرت بعدها نقاط الضّعف الكبيرة في حياة المحامية ريتا (نموذج الإنسان الناجح في المجتمع)؛ فهي تعيش حياة عائليّة فاشلة، زوجها على علاقة مع امرأة أخرى أجمل منها كما اعترفت هي لسام، وابنها الصغير لا يحبّها بسبب إهمالها له واهتمامها بعملها. إضافة إلى ريتا، تظهر في الفيلم عائلة أخرى نموذجيّة في ذلك المجتمع، وهي العائلة الغنيّة التي تبنّت لوسي والّتي لم تستطع، رغم كل ما قدَّمتْه لها، إخراج حبّ والدها من قلبها.
تظهر في الفيلم المشاكل الاجتماعية والعائلية للإنسان الحديث بسبب عدم التزامه بالأخلاق والقيم، باستثناء أصدقاء سام المتأخّرين ذهنيًّا مثله. انظروا إلى سام وأصدقائه، يشكّلون مجتمعًا صغيرًا، مستعدّين للمساعدة في أيّ وقت ( مشهد شراء الحذاء للصّغيرة لوسي، الحضور في المحكمة )، ويظهرون كأشخاص أكثر إنسانيّة من كل أفراد المجتمع. من هنا نرى ريتا في المشهد الأخير تجلس معهم دون أيّ خجل أو إحراج، وتقرّ بأن علاقتها بـ" سام" قد أفادتها هي وابنها أكثر من الفائدة التي قدّمتها هي لـ"سام" ولابنته.
.يظهر في الفيلم أيضًا أن سام وأصدقاءه يحبّون الفنون ويهتمّون بها؛ كمشاهدة الأفلام والموسيقى، ويحفظون تفاصيل دقيقة عنها وتواريخها، ومشاهد من الأفلام، والحوارات التي دارت فيها؛ بينما يظهر الناس الـ"طبيعيّون" وكأنّهم نسوا كلّ شيءٍ جميل.
يوصلنا سير الفيلم وعناصره المتعدّدة إلى أنّ سعادة الإنسان لا ترتبط إلا بالحسن والمحبة وبالعواطف الإنسانية القيّمة وليس بالظّاهر والمال والغِنى.
يوتيوب فيديو
i am sam
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

صورة
د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي