لماذا لم يخلقني الله نبيا؟

مشاركاتكم/ القسم التربوي

PerfectKid
لماذا لم يخلقني الله نبيا؟
ابني عمره ست سنوات ويطرح عليّ هذا السؤال فكيف أجيبه؟


تُجيب عن السؤال:
عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل




تحكي لنا أسئلة الأطفال عن أفكارهم واهتماماتهم، وتلفتنا كم أنهم يعيشون فطرتهم ويؤمنون بقدرتهم على أداء أعظم الأعمال والوصول إلى أعلى المراتب.
وعندما تتعلّق أسئلة الصغير بفهم الوجود، ويعمد إلى استخدام "لماذا" في تساؤلاته يستبشر الكبار خيرًا، فهذا إنسان يفكّر؛ والتفكّر دعوة الله إلينا {أفلا تتفكرون}، وغايةٌ لأجلها كان تنزيل الذكر وتبيين الآيات {لعلهم يتفكّرون}.
هذا السؤال لا يطرحه الأطفال فقط، بل لعله تساؤل عند كل إنسان، لكن تختلف الدوافع من وراء طرحه وتتعدد المنطلقات.
بعض أقوام الأنبياء كانوا يطرحونه اعتراضًا على اصطفاء الله لنبيهم من دونهم، وقد حكى الله عن ذلك في كتابه العزيز حيث تقول الآية القرآنية الكريمة: {وقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
وقد طرحت الملائكة أيضًا ما يشبه هذا السؤال حين احتارت في سبب عدم جعلها هي خليفة الله في أرضه، رغم أنها كانت تسبّح بحمد ربها وتقدّس له، وكان جواب الله سبحانه لها {إني أعلم ما لا تعلمون}، ثم تَبَيَّنَ للملائكة فيما بعد كيف أن آدم أعلم منها وأكمل.
إذًا أصل السؤال حسنٌ، لكن قد يختلف الناس في أسباب طرحه ودوافعهم نحوه، فيبرز عند البعض حسدًا واعتراضًا، أو لأجل تكذيب النبيّ وإنكار دعوته؛ وهؤلاء لا يهدفون الى معرفة جواب سؤالهم بل يكون قصدهم الإنكار والاعتراض. ويطرحه آخرون بدافع معرفة خصائص النبي أو الرسول والتي جعلت منه إنسانًا أفضل.
فإذا سأَلَنا ابنُ السادسة لماذا لم يخلقني الله نبيًّا، ونحن نعلم أن الطفل مولود على الفطرة ومنجذب نحو الاكتشاف والمعرفة، نستثمرها فرصةً لتعريفه بالله وحكمته ومحبته بمخلوقاته. ويمكننا أن نبدأ إجابتنا بالقول له {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}؛ الله أعلم بالأفضل؛ مع التفصيل الآتي:
الله عليم لا تخفى عليه خافية، وحكيم لا يفعل شيئًا عبثًا، وعادل لا يميّز بين عباده دون سبب وحكمة حتى لو لم ندركها نحن مباشرة.
إنّ ربّنا لطيف بعباده خبير بما ينفعهم، وقد خلق العالم على أحسن صورة ووفق المصلحة العليا لكل مخلوق، ولذلك فهو أعلم بمن يختار ليكون نبيًا ورسولًا، وبمن يختار ليكون إمامًا ووصيًّا، وبمن يجعله مأمومًا ومتّبعًا. ولقد أوكل الله إلى كل مخلوق من مخلوقاته دورًا بحسب طاقته، به يصل إلى أعلى مراتب القرب منه سبحانه وتعالى. المهم أن يقوم الإنسان بما كلّفه الله به، فهذا وحده كفيل بأن يوصله إلى أعلى مقام عنده، والنبوة تكليف الله لبعض الناس فقط وليس لجميعهم.
إن خَلْقَ الله لنا هو من أكبر الأدلة على محبتة الله لنا وكرمه بنا حيث لم نكن فأوجدنا بأمره ومشيئته، وأعطانا من النِعَم ما لا يعدّ ولا يحصى. (لا بأس بتعداد أهم النعم التي يتمتع بها ولدكم مثلًا: أعطانا الحواس التي نرى بها ونسمع ونشم ونتذوق ونلمس فنعرف جماله في هذا العالم ونتواصل مع باقي مخلوقاته، ولا بأس بذكر ما يمتاز به ولدكم تحديدًا...) وأعطى كل واحد منا قلبًا ليحبّ وعقلًا ليفكّر. ولأن الله عليم بكل شيء ولا تخفى عليه خافية، وحكيم لا يخطئ في حكمه، ورؤوف بعباده لا يكلّفهم أكثر من طاقتهم، فقد نظر في أعماق مخلوقاته : أيهم أكثر استعدادًا للصبر والتضحية والتحمّل؟ وأيهم أكثر حبًّا للمخلوقات وحرصًا عليهم؟ وأيهم لا يريد لنفسه شيئًا بل يرغب بما يريده الله فقط؟ من منهم سيكون أقوى إيمانًا وأشدّ تقوى وأعلى إخلاصًا وأكثر بصيرة وأحسن عملًا؟ فالنبوة تحتاج إلى هذه الصفات لأنها مسؤولية ثقيلة جدًا في هداية الناس وتعليمهم أحكام الله، والله يعلم أعماق نفوس خلقه حتى أكثر من أنفسهم، فهو خالقهم ويعرف خباياهم، وهكذا اختار سبحانه بعلمه الكامل الأفضل في تأدية وظيفة النبوة ليكونوا أنبياءه الذين يهدون البشر ويدلّونهم على طريق السعادة والجنة.
الذين اختاروا أن يضحّوا براحتهم وأنفسهم وأهليهم وكل ما يملكون لنصرة دين الله وهداية عباده، ولم ينظروا إلى أنفسهم قط،ّ ولم يطلبوا لها مقامًا أو شأنًا من الشؤون أبدًا، ولم يعترضوا على شيء من أمر الله وإرادته يل أسلموا لكل ما اختاره الله ويرضاه لهم هم فئة قليلة جدًا من الناس، ومن هؤلاء اصطفى الله الأنبياء.
لقد أرسل الله نحو 124 ألف نبي عبر التاريخ، منذ آدم حتى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله، ومع النبي محمد ص اكتمل الدين ولم يعد هناك حاجة لأنبياء جدد. لقد قام الأنبياء السابقون بكل ما يلزم، وخُتمت النبوة بنبي الإسلام لأن دينه صالح لكل زمان ومكان حتى يوم القيامة.
وبالرغم من انه لن يكون هناك أنبياء بعد الرسول محمد ص، فإن الله الرحيم لم يغلق على أحدٍ طريق الوصول إلى منزلة النبي ورفقته، وهذا هو الأهم. وقد دلّنا على هذا الطريق بالتفصيل حين قال سبحانه: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فأولئك مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولئك رَفِيقًا}.
إذًا، فقد رَحِمَك الله وتلطّف بك بعنايته الخاصة عندما لم يحمّلك مشاقّ النبوة ومسؤولياتها، في الوقت الذي أعطاك فرصةَ أن تكون مع الأنبياء وتُحشر في زمرتهم لمجرّد اتّباعك لهم في الدنيا! (مع التأكيد على عدم الحاجة إلى أي نبيّ جديد بعد النبي محمد ص.)
يكفي أن تطيع النبي الخاتم وتتّبع شريعته كما ينبغي حتى تكون معه في درجته إن شاء الله تعالى.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

PerfectKid