طفلي لا يُقدّر تضحياتي!

مشاركاتكم/ القسم التربوي

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ككل أم أحاول أن أبذل جهدي لأقدم لأولادي كل ما يمكن أن يسعدهم ويطورهم من ألعاب تربوية وقصص وأمور أخرى. لكن أجد عندهم في كثير من الأحيان عدم الرضا أو الاكتراث.
ولدي الأكبر عمره ٩ والثاني ٦.
وعندما اغضب منهم ابدأ من ألمي بتعداد ما أفعله من أجلهم، من ثم أندم وأقول قد يكون ما أفعله خطأ كبير وقد يدمرهم ولا يشعرهم حقا بما نفعله ونبذله من أجلهم.
أريد استشارتكم بهذا الموضوع سواء بشأن ردة فعلي أو لماذا يبادلني الاولاد هكذا؟ ماذا علي أن أفعل لأشعرهم اكثر بالحب؟

تجيب عن السؤال:
سارة فرحات
اختصاصية في الإرشاد المدرسي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عزيزتي الأم،
إنّ ما يمرّ به أولادك من نظرةٍ ماديةٍ إلى الأمور هو أمر طبيعي نوعًا ما، فهم لا يزالون يكتشفون معاني الأشياء المجردة وقيمتها، كالحب مثلاً.
إنّ عدم الرّضا هي صفة قد نجدها في كثيرٍ من الأطفال وفي مختلف مراحل الطفولة. يُعدّ عدم الرضا مشكلةً تحتاج إلى حلٍّ عندما يتحوّل إلى صفةٍ دائمة، وعندما يبدأ الطفل برفض كل ما يحصل عليه على اعتبار أنه ليس بالمستوى المطلوب الذي يطمح له.
يعود سبب المشكلة في معظم الأحيان إلى مراحل العمر الأولى، عندما يقوم الأهل بتلبية كل احتياجات ولدهم، وهذه التلبية تمثّل أساس المشكلة، إذ تترسخ لدى الطّفل قناعة بأنّه يجب أن يوفّر له والداه كلّ مطالبه دومًا. وعندما يكبر الطفل، تكبر معه احتياجاته، ولا يصبح بمقدور الأهل تلبيتها جميعها، فيجد الطّفل أن ما كان يحصل عليه سابقًا لم يعد بإمكانه نيله، ومن هنا تتشكل حالة عدم الرضا. تلبية الرغبات قد تتمثل في أشياء بسيطة جدا قد لا يلتفت الأهل لخطورتها، مثل رفض الطفل تناول المياه في كوب معين، وطلبه لكوبٍ آخر لا يختلف عن الأول، فإن نفّذت الأم هذا المطلب تكون قد استجابت لرغبة الطفل، في حين أن الأصل أن تقنعه بعدم التغيير.
إن لعدم الرضا أشكالاً متعددة، منها ما يتعلق بالجانب المادي، ومنها ما يتعلّق أيضًا بالجانب المعنوي المتمثل في الحصول على الحب والاهتمام من الأسرة، ومن خارجها أيضا، وكذلك في مختلف جوانب الحياة. تكمن خطورة عدم الرضا في أنه يجعل الطفل عصبيًا، وعدوانيًا، فيبدأ باستخدام أسلوب الصراخ، مع الألفاظ السيئة، وذلك للتعبير عمّا في داخله كونه متذمرًا من عدم حصوله على ما يريد، فهو يضع نصب عينيه النتيجة وحسب، دون اهتمامٍ بطريقة المطالبة.
إن الأصل أن يهتم الأبوان بغرس القناعة في أبنائهم في مراحل الطفولة الأولى، ولكن إن لم يفعلا ذلك، ثم انتبها لمشكلة عدم الرضا بعد فترة، فينبغي الشروع في حل المشكلة على الفور، دون تأجيل الأمر حتى يكبر الطفل، لأنها ستكبر معه، وقد تترك آثارًا سلبيةً على نفسه وعلى الأشخاص المحيطين به.
ألفت نظركم إلى أن تعداد ما تقومون به من أجل أطفالكم كرد فعلٍ على عدم رضاهم قد يظهر وكأنكم تقدّمون كل هذه التضحيات والعطاءات بانتظار مقابل؛ وإشعارهم بالذنب بشكلٍ مستمر وتصويرهم بصورة الناكرين للجميل قد يولّد لديهم نفورًا منكم. من الطبيعي أن يحبّ الطفل من يغرقه بالهدايا، إلا أن الحب يظهر أيضًا بالاهتمام والعناق والقبلة دون حاجةٍ للهدايا. حتى وإن بدا لكم بأن طفلكم يحبّ الآخرين أكثر منكم، أكملوا إظهار الحب كما يجب، وهم سيكتشفون تجليات الحب وطرق إظهاره المختلفة مع الوقت. عندما يعودون إلى المنزل كما حصل دون أن يبدو شوقهم لكِ، بادري أنت بإبداء الشوق، كأن تقولي مثلاً "البيت خالٍ بدونكم، اشتقت لكم كثيرًا" وأن تظهري سعادتك لسعادتهم بالوقت الذي أمضوه في بيت جدهم.
نصل هنا إلى الإجابة عن سؤال: كيف ننمي حسّ القناعة عند أطفالنا؟
• الأب والأم القدوة - عادةً ما يقلّد الأطفال آباءهم ومعلّميهم بشكل تلقائي، فيقومون بتقمّص شخصياتهم دون انتباه. فإذا ما أردنا تنشئة طفل قنوع، يجب أن يكون الأبوان نموذجًا وقدوة في القناعة، فلا نقارن أنفسنا بالآخرين، ولا نكون دائمي الشكوى على ما ينقصنا. ومن المهم أيضًا إشراك المعلم في المدرسة في هذه العملية لأن الولد يتأثر بمعلّميه كما يتأثر بوالديه.
• تعزيز الثقة بالنفس - الطفل الذي يفتقر إلى الثقة في النفس يسعى إلى البحث عن تعويض عن الإحساس بالنقص، ولا يصل إلى مبتغاه، مما يؤدي إلى إحساسه بعدم الرضا بشكل دائم. لذلك يجب أن يعمل الأهل على تنمية الثقة بالنفس لدى طفلهم من خلال إشعارهم بالأمان، الإضاءة على نقاط قوتهم، تقديم التشجيع والمدح المحدد والبنّاء، مساعدتهم على تحسين نقاط ضعفهم، عدم المبالغة بالدلال أو الاهتمام، تحميله المسؤولية من خلال أعمال يساعد فيها أهله داخل المنزل، وغيرها. كلما كان تقدير الطفل لنفسه إيجابيًا كلما كان أكثر قناعة.
• التشجيع على الانخراط في الأنشطة الاجتماعية - يوجد الكثير من الجمعيات الخيرية والتي تقوم بعمليات جمع التبرعات سواء المادية أو العينية وتوزّعها على المحتاجين. يمكننا أن نشجع الطفل على المشاركة في مثل هذه الأنشطة لكي يرى غيره ممن لا يملك ما يمتلكه حتى يشعر بأهمية ما لديه، ويعزّز بالإضافة إلى ذلك حسّ العطاء دون مقابل.
• إحصاء النّعم - (كنشاطٍ جانبيٍّ في وقت فراغٍ معيّن وليس كردّة فعلٍ على تصرفاتهم) يمكن للأهل الجلوس مع أطفالهم والعمل على إحصاء النعم التي أنعم الله بها عليهم، من صحة تامة، إلى بيت يأويهم، وطعام يغذيهم، ولباس، وعائلة، وأصدقاء، وغيرها من النعم، مع التأكيد على وجوب شكر الله على كل ما أعطانا.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي