كيف أربّي طفلي على امتلاك عقلية نامية؟

البوصلة/ إرشادات تربوية

زينة سلمان ناصر - مدرّبة مجازة في مجالات الذكاء العاطفي

قد يلجأ الإنسان، صغيرًا أو كبيرًا، في العديد من الأحيان إلى الاستسلام للعقبات والمصاعب التي تواجهه، وفي أحيان أخرى نلاحظ أنه يسعى إلى محاربة هذه العقبات والعمل بنشاط لبلوغ الأهداف وتطوير الذات. فما هو السرّ في ذلك؟ وما الذي يجعل بعض الأطفال أو حتى بعض البالغين يعملون بجدّ لبلوغ النجاح بينما يستسلم البعض الآخر من دون بذل أي جهد يذكر؟
إن رؤية الإنسان لنفسه ناجمةٌ عن معتقداته وما يصدّقه في عقله ووجدانه عن قدراته وقابلياته، فتتشكّل لديه مجموعة أفكار عن نفسه تعبّر عن شخصيته. هذه الأفكار والمعتقدات تحكي عن "عقلية" الإنسان أو طريقة تفكيره (mindset). وهي تتجلّى في سلوكياته وكيفية تعامله مع الحوادث المختلفة في الحياة. ولا شك أن أسلوب تربية الوالدين له أثر كبير في صقل شخصية الطفل و"تكوين" عقليته وأسلوب تفكيره تجاه نفسه وما يجري من حوله.
يمكن أن نقسّم "العقلية" أو أسلوب التفكير إلى نوعين، بحسب الباحثة في علم النفس كارول دويك مؤلفة كتاب "العقلية: سيكولوجيا النجاح الجديدة" (Mindset: The New Psychology of Success, 2006) وهما:
· العقلية الثابتة (fixed mindset)
يعتقد أصحاب العقلية الثابتة أن الذكاء أمر ثابت وموروث، وأن قدرات الفرد لا يمكن تطويرها لأن الإنسان يولد بذكاء معين وقدرات محددة. وبالتالي، فإنهم يتجنّبون التّحدّي ولا يرون أن بذل جهد إضافي في عمل ما قد يؤدّي إلى نتيجة مجدية. كذلك يسارع أصحاب العقليّة الثابتة إلى التركيز على النتائج بدلًا من التعلّم من الأخطاء، وعلى الدفاع عن أنفسهم وتجاهل النّقد، وتزيين واقعهم للآخرين بأفضل صورة لإثبات أنهم ناجحون.

· العقلية النّامية أو القابلة للنّمو (growth mindset)
يعتقد أصحاب العقيلة النّامية أن نجاح الفرد قائم على الجهد والمثابرة وليس على صفات فردية ثابتة، وأن قدرات الإنسان قابلة للتطوير بفعل اندفاعه للتّعلّم. أصحاب هذه العقلية لا يخافون من التّحدّيات؛ بل يستفيدون منها لتنمية مهاراتهم ولا يخشون الوقوع في الأخطاء، كما إنهم يقبلون النّقد ويستفيدون من نجاحات الآخرين.
إن أهمّية امتلاك الطفل لعقليّة نامية أو قابلة للنّمو تكمن في أنها تجعل الذّكاء شيئًا قابلًا للتغيّر، وبذلك يسعى الطفل إلى تطوير قدراته ومهاراته. وطريق ذلك يكون بواسطة الجهد والتعلم والمثابرة. إن الطفل الذي يمتلك هذه العقلية يتعلم من أخطائه. وصحيح أنه يحزن عندما يواجه انتكاسة معيّنة لكنّه يعيد تقييم أدائه ويحاول مرةً أخرى. لا يعتقد الطفل ها هنا بالضرورة أن بإمكانه أو بإمكان أي شخص أن يكون "أينشتاين"؛ ولكنه يعلم أن أي شخص يستطيع أن يطوّر مهاراته عبر العمل الجاد. إن امتلاك هذا النوع من التفكير ينعكس حتمًا بشكل إيجابي على صحّة الطّفل وسعادته ودراسته وعلى سائر جوانب حياته الاجتماعية والنفسية.

أما الطّفل الذي يمتلك عقليّة ثابتة فيعتقد أن مواهبه وقدراته وذكاءه لا تتغيّر، وبذلك فهو لا يبذل جهدًا لتحسين نفسه وتطوير قدراته. إنه مسلِّمٌ بامتلاكه هذا الكمّ من الذكاء في هذا المجال أو ذاك، وبذلك يصبح هدفه أن لا يُظهر مكامن ضعفه، بل أن يَظهر بصورة الطّفل الذّكي الذي لا يخطئ.
ولتوضيح المسألة نضرب هذا المثال: عندما يقول الطفل "أنا لا أحب العلوم ولا أحب أن أكون عالمًا" سوف ينتج عن هذا القول احتمالان بحسب عقلية الطفل: إذا كان الطفل يمتلك عقلية ثابتة سيخاف من الفشل على المدى القصير، وسيمنعه ذلك من بذل الجهد لتعلّم هذه المادّة مما سيؤثّر على قدرته على تطوير مهاراته ومواهبه فيها على المدى الطّويل. بينما إذا كان الطّفل يمتلك عقليّة نامية فسوف يكون مستعدًّا لبذل الجهد في تعلّم هذه المادّة حتى لو فشل في ذلك في البداية. إن الانتكاسة أو الفشل لا يعني له النهاية؛ بل يستوجب مزيدًا من الجهد لتطوير المهارات في هذه المادة.

إن من أهم ما يمكننا أن نعين أبناءنا عليه هو امتلاكهم لعقلية نامية، وفيما يلي بعض الخطوات التي تساعد الأهل على تعزيز هذه العقليّة في أطفالهم وتفعيلها:
1. الوعي الذاتي
إن أفضل ما يتربّى عليه الطفل في بيته ومحيطه هو أن يكون واعيًا تجاه مشاعره وأفكاره وقدراته، ومؤمنًا بأنه قادر على التّعلّم وعلى تحسين قدراته ومهاراته. من المفيد أن يعرف الطّفل، بحسب عمره، أن دماغه يكوّن روابط جديدة أثناء قيامه بالتّمرين لتعلّم شيء ما. وكلّما زاد التّمرين أصبحت الرّوابط أقوى، مما يدفع الدّماغ إلى النّمو ليصبح أكثر مهارةً في هذا المجال، كما ويصبح تعلّم مهارات جديدة أسهل وأيسر للطفل. إن تهيئة هذه الروحية في المنزل تجعل الطفل واثقًا بقدراته ولا يستسلم للظروف الصعبة. وذلك لأنه يعلم أنّه قادر على مواجهتها بالعمل والجهد والمثابرة.

2. الثناء على مجهود الطّفل، وليس على نتيجة عمله
يميل الأهل بشكل عام إلى المبالغة في الثّناء على الطفل لزيادة ثقته بنفسه، وغالبًا ما يكون هذا الثناء متوجهًا نحو النتيجة وعلى الشخصيّة بنحو عام. نلاحظ أن الأطفال، كما الأهل، يركزون على نيل درجات مرتفعة ويفرحون لذلك بشكل كبير، ولا شك أن الإنسان يفرح عندما يحقق نتيجة عالية؛ ولكن ما الهدف من كل ذلك؟ إن الهدف- بالتأكيد- ليس في النتيجة بحدّ ذاتها؛ بل الأساس أن يمتلك الطفل الاستعدادات اللازمة لمواجهة المشاكل في الوقت الحالي أو في المستقبل القريب أو البعيد. إن المفتاح لتحقيق ذلك يكون بغرس العقليّة النّامية التي تعلّم الأطفال أن قدراتهم ومهاراتهم قابلة للتطوّر باستمرار من خلال جهدهم وعملهم الدؤوب. ولتعزيز هذا المفهوم لا بد للأهل الكرام من الثّناء على الجهد وليس على النتيجة؛ قول "لقد عملت بجدّ لحلّ هذه المشكلة، أنا فخور بطريقة معالجتك لها" بدلًا من القول "أنت مميّز". الثّناء على النتيجة بذاتها سوف يخيف الطفل من الفشل في المرات اللاحقة، ويردعه بالتالي عن مواجهة التحديات الجديدة التي لا يعرف نتائجها لأنه يريد الحفاظ على الثناء الذي حصل عليه سابقًا؛ أما عندما يكون الثناء على الجهد المبذول فإنّ الطّفل لن يمانع الوقوع في الأخطاء ومواجهة التّحديات طالما أنه يبذل الجهد اللازم.

3. تقديم النّموذج الحسن
أفضل طريقة لتحفيز العقليّة النّامية عند أطفالنا هي أن نمتلكها نحن، فالأطفال يلجؤون إلى تقليد أهلهم في كلّ شيء. ويمكن للأهل أن يقدموا مثالًا حسنًا في هذا المجال عبر التّفكير بصوتٍ عالٍ أمام الأطفال عند مواجهتهم للتحدّيات؛ "هذه المهمّة صعبة عليّ؛ ولكنني لن أستسلم"، "يجب عليّ أن أتمرّن أكثر". كذلك لا ينبغي للأهل أن يخفوا أخطاءهم دومًا أمام الأطفال، إظهار بعض الأخطاء وكيفية معالجتها يمثّل فرصة تعليميّة للأطفال بحيث لا يخافون من الوقوع هم أنفسهم في الخطأ، ويتعلّمون أن الأهم هو الاستفادة منه لتطوير المهارات.

4. تشجيع الطّفل
تقدّم الباحثة كارول دويك مثالًا جميلًا جدًّا في هذا المجال، وهو أننا غالبًا ما نسمع الأطفال يقولون عبارات من قبيل: "أنا لا أستطيع أن أحلّ هذه المسألة". "لا أعرف أن أكتب". "لا يمكنني القراءة". ولكننا كأهل أو كمعلّمين مسؤولون عن إضافة كلمة واحدة لهذه الجمل تغيرها بشكل كامل: "لا أستطيع أن أحلّ هذه المسألة بعد". "لا أعرف أن أكتب بعد". "لا يمكنني القراءة بعد". وبذلك يدرك الطفل أنّ هناك العديد من المهارات التي لا يعرفها في الوقت الحالي؛ ولكنه يستطيع أن يتعلّمها.

التعلّم رحلة لا تنتهي؛ لا تقف عند حدّ معين ولا عمر محدد. وكم هو جميل أن نقابل التعليم بذهنية منفتحة لا تتغذى من اطراءات الآخرين ولا تخشى من التحديات. قد نغفل أحيانًا كمربين أن ننتبه لطريقة ثنائنا على أطفالنا، وقد نفشل في تقديم القدوة الأمثل، ولكن يجب علينا بغضّ النظر عن الظروف المحيطة أن نلتزم دومًا ببعض المبادئ وبالتالي الإجراءات التربوية، وهي أن نثق بقدرات أطفالنا، ونؤمن بها، ونركّز على الجهد الذي بذلوه، ولا نقارن نتائجهم بنتائج الآخرين، وأن نشجّعهم على التعلّم في مختلف المجالات. الهدف الأساس هو أن يكون الطفل مدركًا للقابليات التي أودعها الله فيه، والتي إن عمل عليها يصبح قادرًا على فهم كلّ شيء وأي شيء من حوله، وقادرًا بالتالي على إحداث التغييرات المطلوبة في نفسه وفي مجتمعه.


التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

زينة سلمان ناصر - مدرّبة مجازة في مجالات الذكاء العاطفي