النظّارة العجيبة

تجارب

أمل عبدالله- كاتبة
" أقطع يدي إن كنت كاتبة!" لعلّ هذا هو أغرب تعليق يمكن لكاتب أن يسمعه من أحد، خاصة إذا كان هذا الكاتب متسلّحًا بكتاب يحمل اسمه. لكن الأمر كان طبيعيًّا جدًّا بالنسبة لابن قريبتي؛ صدر عنه بصورة تلقائية، وبنظرة ساخرة تهزأ من محاولتي الاستخفاف بعقله! وحين أشرت إلى اسمي المطبوع على الغلاف، قرأه بلامبالاة وأضاف :" هنالك ألف واحدة تدعى أمل عبدالله!" ثم كرّر تهديده :" أقطع يدي إن كنت من كتب هذا الكتاب!".
أمام إصرار حسونة البالغ من العمر عشر سنوات، لم أملك إلّا أن أتساءل ما الذي يجعل كوني كاتبة مستحيلًا لدرجة قطع الأيدي؟! وهل الكاتب بالنسبة لهذا الطفل كائن خيالي أو أسطوري، يُعتبر الاعتقاد بوجوده كالاعتقاد بوجود بابا نويل؟!
يحكي هذا التّحدي الذي أطلقه صبيّ في العاشرة من عمره الكثير عن واقع الكتابة، تحديدًا في حياة أطفالنا. لقد قمت بتدريس اللغة الإنكليزية في المرحلة الابتدائية لعدّة سنوات، وما زلت أذكر كم كان التلاميذ يستصعبون كتابة نصٍّ جيد أيّا كان نوعه ( لم تكن اللغة هي السبب، فمعلمات اللغة لعربية كن يشكين من الأمر نفسه). لم يكن هناك فرق في ذلك بين التلاميذ المتمكنين أو الضعفاء. كان الأمر أشبه بمهمة مستحيلة! فكيف بمن يستطيع أن يكتب كتابًا كاملًا، لا شكّ أنّه إن وُجد فلن يكون شخصًا عاديًّا يعرفونه، أو يلتقون به في الشارع، أو يزورونه في بيته. لعلّهم يتخيلون أنّه يعيش في مكان بعيد في قارة أخرى، لكن الأرجح هو أنّهم لا يشغلون بالهم بالتفكير بشخصية الكاتب. فالكتابة هي مجرّد مهمّة تُطلب منهم في حصّة التعبير. وحين يُقرع الجرس ينسون كل ما يتعلق بها.
لكن ما الذي جعل الكتابة تصبح غريبة عنّا على هذا النحو، وكيف اعتدنا على هذا الامر حتى بتنا مقتنعين -مثل حسونة- أنّها هي شيء خاص جدًّا وحصريٌّ جدًّا قد نتطلّع إليه بإعجاب وتقدير، لكننا لا نشعر بنقص من أي نوع لافتقارنا أو لافتقار أولادنا القدرة عليه؟ أعتقد أن السبب الرئيسي لهذه الغربة التي تعيشها الكتابة في مجتمعنا هو الجهل بحقيقتها وماهيّتها.

فما هي حقيقة الكتابة؟

يصنّف فقدان القدرة على الكلام كإعاقةٍ لأنّه يعيق التواصل الفعّال بين الفرد ومحيطه. لكن ما من أحد يصنّف فقدان القدرة على الكتابة( ليس المقصود الأميّة) كإعاقة لأن السائد هو أن الكتابةَ وسيلةُ تعبيرٍ خطية، بالتالي لن يحول غياب القدرة على الكتابة دون التواصل المطلوب طالما أن التواصل الشفهي ممكن. لكن الحقيقة هي أنّ الكتابة ليست مجرّد طريقة تعبير، إنما هي -في الأصل- طريقة تفكير؛ وهي طريقة التفكير التي أرادها الله لنا لأجل أن نعيش إنسانيتنا بأعلى درجاتها.
أن يكون الإنسان كاتبًا يعني أن يرى العالم كما ينبغي له أن يراه. وقد خصّ الله الإنسان لأجل ذلك بنعمة غفلنا عنها كما غفلنا عن الكثير من نعمه. هذه النعمة هي التي تعيد وصلنا دومًا بنقطة البداية، وسأسميها نظارة الكتابة العجيبة! إنّها النظارة التي بمجرّد أن نضعها يكتسب العالم بعده الخامس الذي يربطه بجميع تفاصيله بالمبدع تبارك وتعالى. الأمر يشبه بنحو ما النظارة الخاصة التي نضعها لمشاهدة الأفلام ثلاثية الأبعاد، تلك التي بمجرد ان نخلعها يصبح كل شيء مسطّحًا، فاقدًا للمعنى والأثر الى حدّ بعيد.
عندما يرى أطفالنا العالم من خلال نظارة الكتابة التي زوّدهم الله تعالى بها لن يستطيعوا تجاهل قطرات الندى التي تتجمّع على العشب الطري، ولن تبقى الدعسوقة مجرّد حشرة حمراء، ولن يصبح الهدهد هدفًا ثمينًا ينتظر من يصطاده. فكل ما يرونه سيكون آية دالّة على جمال الله. سيصبح للطبيعة موسيقى مؤنسة يلتذّون بسماعها، فتنفر آذانهم من أصوات الأبواق والضجيج والزعيق والموسيقى الهابطة التي تحاصرنا. سيصبحون أكثر رأفة وتعاطفًا مع البشر، لأنها ستكشف لهم أعماق النفس الإنسانية بعيدًا عن الأحكام المسبقة والعصبيات. والأهم أنّها ستملؤهم أملًا يجعلهم يرفضون الواقع المجتزأ الذي يحاول كثيرون اقناعنا بأنه كلّ الحكاية. لذا سيسعون بكل جوارحهم للكشف عن الواقع الكامل الجميل كخالقه الذي أوجده، عبر التتبّع الواعي لسلسلة العلل والنتائج التي تربط الماضي بالحاضر وترسم ملامح المستقبل. وهم كلّما أدركوا جانبًا من هذا الجمال سيسعون لإظهاره للعاجزين عن رؤيته. لأجل ذلك سيختار بعضهم أن يكون رسّاما، وبعضهم موسيقيًّا، وبعضهم معلمًا، وبعضهم مزارعًا، وبعضهم طبيبًا، وبعضهم منظًّرًا في السياسة أو الدين أو التربية، وسيختار البعض أن يكون قاصًّا أو روائيًا، لكنهم جميعهم سيحملون قلب الكاتب وهمّه.
أمّا للحفاظ على هذه النعمة الالهية عند أطفالنا، ما علينا سوى تتبّع المسار الذي ترسمه فطرتهم السليمة. فأطفالنا توّاقون للجمال، لنبحث وإياهم عن مواطن الجمال في هذا العالم، ونعيد اكتشافها بصحبتهم. وقلوبهم توّاقة للحب، فلنملأ حياتهم به. وأرواحهم تأبى الظلم فلنمحُ من قاموسنا عبارة "لا شأن لي" عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الحق ونصرة المظلوم. وعقولهم متعطشة للعلم، فلنحرص على أن لا يكون طلبه عبئًا يثقل ظهورهم الطريّة.
وفي الختام، سأبوح لكم بسرّ. ربما كان حسونة محقًّا في استبعاده ان أكون كاتبة، فأنا ما زلت أتعلم كيف استعمل نظارة الكتابة، والطريق أمامي ما يزال طويلًا. أمّا هو فأتمنى من كل قلبي أن لا يفقد نظّارته العجيبة مهما حصل.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أمل عبد الله ـ كاتبة
كاتبة للأطفال