ركِّز؛ التفكير ممنوع!

تجارب

احمد نور الدين
خلاصة تجربتي المدرسيّة

لا أستطيع أن أذكر أول أيامي في المدرسة بالتفصيل؛ لكنّني أذكر بعض الصّور السّيئة التي لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، فقد طبعتها التجارب المُرّة في ذاكرتي. أذكر أنني دخلت المدرسة من غير أن أعيَ لماذا يجب عليّ أن أدخلها. مبنى ضخم يلفّه الغموض، أبواب كثيرة وملاعب وأطفال يعلو صراخهم في كلّ مكان وصور شتّى لا يمكنني أن أجمعها في قالب واحد؛ لكن كل ما يمكن أن أذكره هو أنّني بدأت المدرسة من غير أن أعلم لماذا يجب عليّ أن أذهب إليها.
ولعلّ هذا هو السّبب الرّئيس الذي دفعني إلى كره المدرسة؛ فالإنسان بطبعه يحبّ الأشياء التي تبدو له مفيدة، ويبتعد عن الأشياء التي يجهلها أو يعلم ضررها. لازلت اسأل نفسي حتّى الآن: هل يجب على كل الأطفال أن يبدؤوا حياتهم الدّراسية، رحلتهم لاكتشاف المجهول، بطريقة مجهولة ودون أن يعلموا (لماذا نحن هنا)؟
انتهت المرحلة الأولى في المدرسة- وهي الروضة- وأنا ممنوع، من قبل المعلمات وإدارة الصف، من الكثير من الأشياء التي كنت أحبّها. علمت بعد سنوات تلت أنني كنت مصنَّفًا على أنّني مفرط في الحركة ولا أطيع الأوامر.
بعد الرّوضة بدأت مرحلة ثانية، وهي التعليم الأساسي، حيث يبدأ الطالب بتعلّم مواد العلوم والرّياضيات زيادة على اللّغة. لكن المشكلة ذاتها عادت إليّ مجدَّدًا؛ فالطّالب يجهل سبب تعلُّمه، إنه يتلقى أجوبة دون أن يطرح أسئلة، وهذا لا يعطيه فهمًا لما يتعلّمه؛ بل قد يزيد الأمور غموضًا في بعض الأحيان، لهذا فانك تجد نسبة كبيرة من التلامذة لا يعرفون مفهوم الضّرب في الرّياضيات إلا في الصّفوف الُثُانويّة! كنت محتاجًا أن أعرف علاقة ما ندرسه بحياتنا وفائدته، لماذا أُتعب نفسي في دراسة مواد ومطالب لا أرى لها من فائدة في حياتي؟ كان الكبار من حولي في المدرسة يمنعونني من طرح أسئلتي، ومن الاعتراض على ما لا أفهم، حتى شغفي باللّعب والاستكشاف والتّجربة كان عندهم شغبًا ومصدر إزعاج وتعب. وهذا ما زاد من كراهيتي للمدرسة.
واحدة من معاناتي كانت مسألة الامتحانات والشّهادات، حيث يتمّ تقسيم الطّلاب حسب علاماتهم: هذا المميَّز و هذا الكسول، وهو أمرٌ يدفع الكثير من التّلامذة إلى فقد الثّقة بالنّفس والشّعور بالدّونيّة في الصّف. وهؤلاء تتحوّل حياتهم المدرسيّة إلى جحيم حقيقيّ ويميلون إلى ترك المدرسة كليًّا، لأنّها تُشعرهم بالفشل. لم تكن علاماتي المدرسيّة جيّدة، ولم أكن أحبّ الامتحانات وضغط الإجابة عن أسئلة معقّدة في وقت قصير، مع أنّني كنت في كثير من الأحيان قادرًا على الإجابة عن نفس الأسئلة لو سألتني إياها معلمتي مباشرة وبلطف، أو طُرحت عليّ بطريقة أخرى. كانت لديّ رغبة دائمة بترك المدرسة جرّاء تلك التّصنيفات التي كنت أراها ظالمة وتشعرني بالعجز. وهذا ما دعا أهلي لتغيير مدرستي كلّ عدّة سنوات.
بدأتُ المرحلة المتوسّطة في مدرسة جديدة أخرى، وهنا تغيّرت أمورٌ كثيرة. الكلّ يتحدّثون عن أنّ النّجاح في المدرسة ضروريّ للنّجاح في الحياة. في هذه المرحلة نخضع للشهادة الرّسمية التي من دونها يخسر الإنسان الكثير من فرص العمل في المستقبل. الآن أصبح السّبب الوحيد لذهابنا إلى المدرسة هو نيل الشهادات وليس التّعلم. كان يضيق صدري من هذا الإكراه على الدّرس وكسب النّقاط دون الاهتمام بما نتعلّمه حقًا أو نبنيه في شخصيّاتنا. تمنّيت لو أنّني أتعلّم في مختبر، أو في الطّبيعة، لأشاهد عِيانًا ما يكتب نظريًّا على الأوراق، أو أتعلّم مع فيلسوف أو حكيم يعرّفني دروس الحياة والماضين، ويبيّن لي علاقة العلوم ببعضها وعلاقتها بحياتي أنا. كنت بحاجة إلى معلِّم يهتمّ بي أكثر، ويهتمّ بنحوٍ أقلّ بعلاماتي وأسلوب إجابتي وأخطائي الإملائية والحسابيّة؛ لكنّ ذلك لم يحصل.
في المرحلة الثّانوية عادت التجربة ذاتها وتكرّرت مع المزيد من التحدّي العلميّ الذي لا يسعى فيه الطالب إلّا لكسب العلامات لكي يتسنّى له إكمال الدّراسة. كنت متأكّدا أنّ معظم الطلّاب في الثّانوية لا يفهمون حقًّا ماذا يتعلّمون، وخصوصًا في المواد العلميّة، وأكثر هؤلاء لم يعودوا مهتمّين أساسًا لأن يفهموا؛ فالعلامات والدّرجات هي الأهمّ. أمّا أنا فكنت في عالمٍ آخر.
كانت المدرسة بالنسبة إليّ رحلة غموض وصراع لإثبات الذّات، عبر أمورٍ لا تصنع إنسانًا واعيًا بحقّ. فقط التلميذ إذا أراد أن يفهم الأمور بنفسه، يُمكنه أن يكوِّنَ فيها وَعيًا حقيقيًّا. وكل هذا يعود إلى مناهج ضبابيّة لا تريد من الطّالب سوى أن يخضع لبضع امتحانات يجمع بها محصولًا من العلامات لكي يكمل بها حياته الدّراسية. لم تُبق لي المدرسة من صديق يشاطرني حبّ التّعلّم لأجل العلم. ولم يرافقني في هذه السنوات إلا أهلي ربما، الذين صبروا على عنادي وإصراري على أن أتعلم ولا أدرس، وأفهم ولا أحفظ. وقد دفعتُ ودفع أهلي معي ثمن ذلك بعض السّنوات الدّراسيّة الإضافيّة، والكثير من القيل والقال من حولنا.
وأنا هنا وبعد سنوات من المعاناة التعلّمية، أُحبّ أن أشاطر المعنيين بالشأن التربوي خلاصة تجربتي المتواضعة لحلول ممكنة:
إنّ أيّة خطة تسير نحو الإصلاح يجب أن تقوم على عقائد أصيلة وثابتة وصحيحة. هذه العقائد ستوضح الرؤية التي على أساسها سيتمّ بناء نظام تعليميّ جديد. ولا يوجد كالعقائد الإسلامية عقائد تبني منهجًا ورؤية واضحة في هذا المسار الإصلاحي.
لقد أشارت هذه العقائد الحقّة إلى رؤية جوهرية لحقيقة الإنسان؛ وهي أنّ الإنسان بفطرته يسير نحو الكمال منذ بدء حياته حتّى مماته، لذلك فإنّ الطفل يبدأ حياته بمحاولة معرفة الكمال، فتجدون الأطفال يطرحون أسئلة كثيرة على أي شيء. ولذلك نحن بحاجة إلى نظام تعليميّ يتناسب مع توجهات الأطفال.
مميزات هذا النّظام المفترض:
أولا- يستغلّ ذلك الفضول الكبير عند الطفل، ويضعه في بيئة تحفّز فضوله وتجعله يطرح الأسئلة المناسبة، ثم تكون الإجابة هي الغاية التي يريد الأستاذ للتلميذ أن يتعلّمها.
ثانيا- يراعي العمر الذي يعبّر عن مراحل تطوّر الوعي لدى الإنسان، فلا يجب أن يشعر الطّفل في الخامسة من عمره أنّ من واجبه الذّهاب إلى المدرسة، في حين أنّه بحاجة شديدة إلى حنان الأم- وأقول الأم وحدها ولا أحد غيرها- فإنّ انسلاخ الولد عن أمّه في هذه المرحلة، ووضعه في بيئة غامضة بالنسبة إليه، سيبعده عن حبّ المدرسة التي أبعدته عن أهمّ حاجاته. وهذه تجربة قد عشتها أنا بنفسي.
لماذا لا تستقبل المدارس الحديثة الطلّاب في عمر يكون فيه الطّالب أو التلميذ مدركًا لما يحصل معه؟ ولماذا لا تقوم بتحفيزهم على الاطّلاع و المعرفة بالحبّ والتّرغيب، وليس بالوجوب والإكراه؟
عندما تبنى المرحلة الأولى للتّعلم على أساس المحبّة والرّغبة في العلم، فسترون جيلًا مندفعًا نحو التعلّم بذاته، ولا يتهرّب من الدّراسة وواجباتها.
أمّا في حال تميّز بعض التلامذة عن غيرهم، فلا يجب إظهار هذا التميّز بصورة الأفضليّة أمام الآخرين. أنا لست ضدّ تكريم المميَّزين؛ لكن لا يجب أن يؤدّي ذلك إلى غيرة رفاقهم منهم، وخاصة أننا لا يمكننا أن نعرف بحقّ إذا كان الآخرون يفتقدون لما يجعلهم مميّزين أيضًا، أو أنّ هناك شخصيّات مختلفة كلُّ منها يتفاعل مع ما يحبّ؛ فالبعض قد اندمج مع البيئة الحاضرة، والآخر قد يندمج مع بيئة مختلفة.
وعلى النّظام التّعليمي أن يبحث عن هذه الاختلافات، ويضع كلّ واحد منها في البيئة التي يندمج معها، وعندها سنجد جيلًا ذا طاقات متنوّعة مستعدًّا لبناء المجتمع على كافّة الأصعدة.
هذه النّتائج توَصّلْتُ إليها من خلال تجربتي المدرسيّة الطّويلة، وإن كان فيها بعض النّقص؛ لكنّني أؤمن أنّ هذه التّغييرات ستُحدِث تجديدًا لازمًا وإيجابيًّا إذا عُمِل بها بالشَّكل الصّحيح.




التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

احمد نور الدين
24 سنة؛ طالب هندسة ميكانيك