التدريس الخصوصي

تجارب

حسين أسعد

في السنوات العشر الاخيرة في لبنان ، حصلت تغيرات كثيرة في عالم التدريس الخصوصي (التدريس المنزلي).
أن يقوم بعض الاهل بتعيين استاذ لولدهم يقوم بمساعدته في الفترة التي تسبق الامتحانات - وخصوصا الامتحانات الرسمية- ليستوعب ما قصر عنه من افكار و مفاهيم في مادة او اكثر من خلال حل المزيد من المسائل العلمية وخاصة تلك التي ترتبط بالرياضيات والمواد العلمية ويعطيه دفعة الى الامام في سيره العلمي؛ فهذا ما كان متعارفا بشأن التدريس الخصوصي. لكن في الآونة الأخيرة أثبت التدريس الخصوصي ومعه أستاذ المنزل جدارتهما حتى برز نجمهما. فازدادت رغبة الاهل شيئا فشيئا في الاستفادة اكثر من تلك الخدمة المدفوعة حتى أصبح المدرّس الخصوصي صديق الطالب ومساعده ويده اليمنى في كل "فرض" و"تسميع". وتوسع نطاق التدريس الخصوصي ليشمل المواد الادبية ولم يعد مقتصرا على احتياجات طالب "البروفيه" او "الشهادة الثانوية" فحسب، بل صرنا نجد اطفالا في السادسة و السابعة من العمر لديهم معلمة تتابع الواحد منهم في كل كلمة يكتبها فترسم معه الاحرف الناقصة وتضع له النقاط الضائعة.
فلماذا حصل هذا التغيّر في واقع التعليم؟
لنعد الى جذور الموضوع و ولنبحث عن السبب الحقيقي لتلك التحولات فنرى القضية بعين البصيرة!
القصة بدأت حين قصّرت الدولة اللبنانية الكريمة في جعل المدارس الرسمية حضنا دافئا لاطفالنا. فقام بعض اصحاب المال بفتح مدارس خاصة جعلها مأوى لتلك الاجيال الصاعدة، فكان لهم السبق وكان لهم الفضل وساهم ذلك في تحسين المستوى العلمي للأجيال وبرزت مدارس ومؤسسات علمية رائدة في بلدنا. و لكن التقصير لم ينحسر فالدولة لم تضع قوانين تحمي تلك المؤسسات و تضمن استمرار عملها بشكل علمي صحيح. و اذا كانت قد وضعت قوانين فهي لم تطبقها. فتحولت المدارس الى متاجر يقوم فيها الاستاذ الناجح بفتح مدرسته الخاصة في مكان اخر ليس بعيدا ولا ادري ما هي تلك الرخصة التي تعطى له و لكنه يستمر في عمله. وعندما تتحول المدرسة الى دكان ويغيب عنها القانون يصبح المدير (او صاحب الدكان) صاحب هم كبير ولكن ليس في تحسين نوعية الانتاج بل في زيادة الانتاج كي يذيع سيطه وتأتيه الزبائن من كل حدب وصوب. ومن اجل مراقبة ذلك الانتاج الزائد وادارته بشكل جيد تقوم المدرسة بانشاء لجنة مراقبة تكون من "المقربين" وصاحبة صلاحيات واسعة. أما الانتاج فيتجلى في الكمية الهائلة للواجبات البيتية. وأما اللجنة المراقبة فهي ما يعرف بـ "التنسيق والاشراف" المبتدع حيث يجلد المشرف المعلمين كما تجلد الواجبات البيتية ظهور الاطفال ويحسب الناس ان الكتاب الثقيل يدل على العلم الوفير فيسارع الاب الى وضع استاذ خصوصي لابنه يساعده على حمل تلك الاثقال فيكون للطفل مدرسة اخرى في انتظاره عشاء و هكذا يتم تدمير الاهل اقتصاديا والاولاد نفسيا.
هل تشعرون بأني قد بالغت؟ أدرّس طلاباَ منذ أكثر من ست سنين ولم أر في أحدهم إلا الاضطراب والنفور من طلب العلم.
لست وجلا من كلامي هذا بالرغم من انني من أكثر المستفيدين ماديا من التدريس الخصوصي، ولكني أعلم بأنه سوف يصبح لدي ابناء في يوم من الأيام وسأقع في نفس المشاكل التي وقع فيها آباء و أمهات طلابي السابقين. ولهذا فأنا أرفع الراية عالية حتى نغير واقعا بات يؤذي صاحب المدرسة و المشرف والوزير معا، فالجميع لديهم أبناء.
إن أولاد عصرنا هم أحوج ما يكون الى فسحة زمانية (ومكانية) تجعل علمهم غير محصور بالدفاتر والاقلام، وتعطيهم الفرصة للانعتاق والانطلاق والتجربة، فالحياة مليئة بالتجارب التي جعلت أمي و أبي من أحكم الحكماء!
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

حسين أسعد