كائنات خلّاقة

تجارب

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي
"لا تحاولوا إصلاح الطلاب، أصلحوا أنفسكم أولاً. المعلم الجيد يجعل الطالب الضعيف جيدًا، والطالب الجيد متفوقًا. عندما يفشل طلابنا، نفشل نحن كمعلمين أيضًا." هذا اقتباس من كلام مارفا كولينز الذي تصدّر مادّتنا التعليمية لهذا الفصل. قرأناه في بداية الفصل الدراسي في محاولة للتفكير في معانيه، ولكنّنا لم نفهمه كاملاً إلا بعد أن خضنا تجربة عملية لم نتعرّف فيها على التعليم والأطفال فحسب، بل على أنفسنا كذلك.
كطالبة جامعية في اختصاص التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، وكما هو مطلوب في برنامج دراستي، أتيحت لي الفرصة للقيام بالتطبيق العملي في مدرسة معروفة في بيروت، وبالتحديد في صف الروضة الثانية.
وفيما يلي، سأذكر لكم بعضًا من المواقف التي تعلّمت منها في هذه التجربة الغنيّة:
- عندما بدأ الأطفال العمل على كيفية كتابة الكتب العلمية في ورشة الكتابة، تساءلت في نفسي، هل تقلل المدارس التي لا تتضمن مثل هذه المفاهيم في رياض الأطفال من قدرة الأطفال على فهم هذه المفاهيم في سن مبكرة؟ أم أن المدارس التي تنفذها تضغط على الأطفال بأشياء تفوق طاقتهم؟ ولكن وفقًا لما رأيت، فإن الأطفال يبلون بلاءً حسناً من حيث فهم وتطبيق الأنواع المختلفة من الكتابة. أدركت أن توقعاتنا بشأن الأطفال تختلف بشكل كبير عما يمكنهم فعله من خلال التوجيه والدعم المناسبين.
- ذهبنا يومًا في رحلة ميدانية إلى دير القمر. في الجلسة الصباحية قبل الذهاب، سأل المعلمون الأطفال عما يريدون فعله عندما يصلون إلى هناك. من بين عدة اقتراحات أتذكر أن أحد الأطفال اقترح جمع القمامة وتنظيف المنطقة، واقترح آخر المشي في الطبيعة، ثمّ اقترح آخر رؤية الحيوانات. أخذ المعلمون جميع اقتراحات الطلاب بعين الاعتبار. أخذوا أكياسًا لجمع القمامة وكاميرات لالتقاط صور للحيوانات والطبيعة، وذهبنا. إن إشراك الأطفال في صنع القرار، ومعالجة كل فكرة واقتراح على أنها مهمة وجديرة بالاهتمام هو أمر يجب أخذه بعين الاعتبار عند التعامل مع الأطفال. في مثل هذه الحالات يشعر الأطفال بالاحترام والتقدير.
الرحلات ليست فقط للمتعة والترفيه. يمكن أن يكون هناك لحظات تعليمية لا تحصى في رحلات مثل هذه.
- كجزء من مشروع إعادة التدوير الذي كان الأطفال يعملون عليه منذ مدة تقارب أربعة أشهر، استضفنا مهندسًا كان قد أسس شركة لإعادة التدوير تساعد في تحويل القمامة إلى مواد مفيدة. كان لدى الأطفال الكثير من الأسئلة وكانوا متحمسين ومهتمين: من كان أول من بدأ إعادة التدوير؟ كم من الوقت يستغرق تحويل القمامة إلى أشياء مفيدة؟ لماذا نعيد التدوير؟ ماذا سيحدث إذا بقيت القمامة في الشوارع؟
هذا جعلني أدرك كم أن الأطفال قادرون على التفكير المنطقي، ومهتمون بكل ما يجري في العالم من حولهم. وكشفت أسئلتهم عن ذكائهم وقلقهم. هم حقًّا أناس مذهلون.
ألفت النظر إلى أن هذا الرجل ردّ على رسالة إلكترونية أرسلتها المعلمة له شكرته فيها على زيارته وسألته أسئلة الأطفال التي لم يتسنّ للأطفال ذكرها خلال الاستضافة بسبب ضيق الوقت. عرضت المعلمة البريد الإلكتروني على الشاشة الكبيرة. قرأت البريد الإلكتروني الذي أرسلته، ثم قرأت ردّ السيد والإجابات على كل سؤال. ناقشت مع الأطفال الإجابات ثم انتقلت إلى نشاط آخر. كانت هذه واحدة من الطرق التي نربط بها الكتابة والقراءة بالتواصل في الحياة الواقعية ونوسع فهم الأطفال لرسائل البريد الإلكتروني والجوانب المفيدة للتكنولوجيا في حياتنا اليومية.
- كان لدينا احتفال لعيد المعلم خلال وقت الطعام. نتيجة لهذا الحفل تجمّع الكثير من الأوساخ البلاستيكية المستخدمة. لذا ربطًا مع مشروع إعادة التدوير قمنا بجمع الأوساخ البلاستيكية في صندوق، وبعد العودة من الفسحة أجرينا نقاشًا صغيرًا مرّ خلاله مفهوم التخفيض، وأوضح أحد الأطفال أنه يعني تقليل الإنتاج، واستنتجوا أننا يجب أن نعمل على تقليل استخدامنا للبلاستيك.
تولّت إحدى الأطفال جمع الأكياس البلاستيكية من أصدقائها بعد كلّ فرصة طعام لمدّة أسبوع. قمنا بكتابة أسماء الأيام التي قمنا فيها باحصاء الأكياس البلاستيكية على أوراق لاصقة، ووضعنا الملصقات على الرف، ومن ثم بجانب كل يوم وضعنا عمودًا من المكعبات بحيث يمثّل كلّ مكعب كيسًا بلاستيكيا واحدًا. كانت هذه طريقة سهلة لتقديم مفهوم الرسوم البيانية للأطفال. قام الأطفال بحساب المكعبات في كل عمود وكتبوا الرقم على الورقة اللاصقة بجانب اسم اليوم المخصص لكل عمود. لاحظت الطفلة التي جمعت الأكياس ذلك اليوم أنه كانت هناك ثلاث أكياس بلاستيكية ولكن في اليوم السابق كان هناك واحدًا فقط. فقالت: "هذا سيّئ.. يجب أن يكون العدد أقل وليس أكثر..". والحقيقة هي أنها أدركت من خلال مراقبتها لأعمدة المكعبات أنه ينبغي علينا أن نحقق إنتاجًا أقل، وهذه لغة بيانية ورياضية يطوّرها الأطفال وتصبّ في مفهوم الإحصاء.
سيستمر الأطفال في إدهاشنا مهما كانت توقعاتنا عالية. هم كائنات خلاّقة لا تنفد من الأسئلة حول كل شيء، بل وحتى من إجاباتٍ مذهلة لكلّ شيء. لقد تعلمت أن أستمع إليهم باهتمام، وأن أسجّل وأعتزّ بكلّ فكرة يشاركونني بها وكلّ تعليق يقومون به، لأنهم في نهاية المطاف أعظم مواردي للتخطيط والتدريس.
تعلمت أن التدريس ليس إطعامًا بالملعقة، بل هو وسيلة لمساعدة الأطفال على اكتساب مهارات وأفكار تساعد على جعل العالم مكانًا أفضل. علاوة على ذلك، تعلمت أن التعليم لا يتعلق بي أبداً، بل يتعلق بالأطفال. ما يهم في سياق الدرس هو مدى نشاط الطلاب ومشاركتهم. المعلم هو مجرد ميسّر ودليل.
لقد تمكنت من تطوير مهارات القراءة المشتركة أكثر من غيرها خلال هذه التجربة في المدرسة. إن تعلم أهمية الكتب شيء، واختبار ما يمكن أن تكون الكتب قادرة عليه في الواقع، وكيف يتفاعل الأطفال مع الكتب، واكتشاف المهارات والمعارف والمواقف التي لا تحصى والتي يمكن أن تؤمنها الكتب شيء آخر. نصيحتي لكل معلم وكل والد ستكون دائمًا: اقرأ لأطفالك.
كانت تجربةً غنيّةً مميّزةً بكلّ ما للكلمة للمعنى. وأنا بانتظار تجارب أخرى أستفيد منها في مسيرتي العلمية والعملية، وأفيد بها غيري قدر المستطاع. على أمل أن تطبّق كلّ هذه الفوائد في مدارسنا ومجتمعاتنا يومًا.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي