حين سرقت وقتاً من الحياة

تجارب

د.أميمة محسن عليق

إذا أردت أن ألخّص تجربتي الشخصية في التعليم المنزلي بجملة واحدة أقول:" كانت من أجمل التجارب في حياتي....وأكثرها ابداعاً . وأشكر الله على كل لحظة كنت فيها بالقرب من أطفالي".
وانطلاقاً من هذا الشعور الرقيق المصحوب بالفخر والنجاح، تملأني السعادة وأنا أحاول أن أنقل لكم تجربتي في التعليم المنزلي مع لفت نظركم أن ما يمكن أن يقال هو أكثر بكثير من هذه الصفحات المحدودة.
في البداية انطلقت الفكرة لتعليم أبنائنا (حيدر خميني ونور فاطمة) في المنزل من حاجة عملية لتعليمهما اللغة العربية حين كنا نسكن في طهران. اقترح زوجي الفكرة وتبنيتها مرحّبة..
بدأت بتعليم ابنتي نور فاطمة وتكفل زوجي بتعليم ابني حيدر (استمر تعليمهما لسنتين متتاليتين) تمهيداً لعودتنا الى لبنان..
كانت نور فاطمة في الخامسة من عمرها وحيدر في التاسعة. وقد توقف حيدر عن الذهاب الى مدرسة ايرانية ليبدأ في هذا العمر تعلم اللغة العربية والانجليزية.
وضعنا برنامج يتناول كل المواد الدراسية والأنشطة الغنية. أحضرنا كتباً خاصة بكل صف.
بدأت تعليم نور فاطمة القراءة والكتابة باللغتين العربية والانجليزية، كي ننطلق بعدها في المواد الأخرى.
لم يكن صفاً عادياً:
كان مليئاً بالأوراق والأقلام والصور والمجلات والقصص والملصقات والأناشيد والاكتشافات...
أدخلت الأحرف والكلمات الى كل لعبة وكل نشيد وكل نشاط يومي، مما أدى الى أن تتقن نور فاطمة القراءة والكتابة بطلاقة بعد شهرين فقط من بدء تدريسي لها؛ مما شجعني على ترك منهج الروضة الثالثة جانباً لسهولته، لنبدأ معاً برنامج الأول الابتدائي في المواد كافة.
وضعنا البرنامج الذي شمل اللغة العربية، الانجليزية، العلوم، الرياضيات، التربية، التربية الدينية، القرآن الكريم بالاضافة الى الرسم، قراءة القصص، الموسيقى، التنزه في الطبيعة، اللعب، والأشغال اليدوية.
كانت نور فاطمة تستيقظ في الساعة الثامنة والنصف، وبعد تناول الفطور، نبدأ بالدرس الذي يأخذ معنا أقل من ساعة ـ وأقصد الدرس الأساسي ( دون النزهات واللعب) ـ لأنه صف من تلميذة واحدة وكل التركيز عليها، فلسنا مضطرين كي ننتظر استيعاب اطفال آخرين كي ننطلق لفكرة جديدة.
كانت تساعدني في الطبخ وفي شراء الحاجيات وفي الترتيب وبعد الظهر تقوم بالتكليف الدراسي البسيط الذي أعطيها إياه.
لم نكن نكتفي بالكتاب المدرسي فقط بل كنا نحصل على المعلومات من أي كتاب أو قصة أو معرض أو متحف...
خلال العام كله قدم أبنائي امتحانين: امتحان نصف السنة وامتحان آخر السنة في احدى المدارس التي سجلنا أسماءهما فيها (لأجل الأمور القانونية فقط).
ما زلت أذكر أن معلمة اللغة العربية في تلك المدرسة والتي أشرفت على امتحان نور فاطمة باللغة العربية، قالت لي: كيف علّمتِ ابنتك القراءة؛ فهي تستطيع القراءة كما يقدر عدد قليل من التلامذة أن يقرأ في نهاية العام؟!
أجبتها: علمتها بكل هدوء وبساطة ودون أي ضغط ...
(وبالطبع أبدت تميزاً ملحوظاً في امتحانها في المواد الدراسية كافة).
كلما سنحت الفرصة للبحث وشراء وسائل تعليمية أو كتب سواء علمية أو أدبية أو قصص أو رسم كنا نستغلها لصالح الدروس... خاصة وأننا لم نترك أي اختبار في العلوم إلا وطبقناه وصوّرناه للذكرى...أو نشاط في اللغات إلا وأنجزناه على أجمل وجه...
في التعليم المنزلي ليس هناك حاجة إلى الالتزام بجداول زمنية معينة، أو الوصول في وقت معين للمدرسة أو الحاجة إلى القيام بالواجب المدرسي. لقد تمكنا من إيجاد الإيقاع المناسب لنا بالعمل في الصباح وخوض مغامرة في العالم في فترة ما بعد الظهيرة، وهذه واحدة من فوائد التعليم المنزلي...
بسبب السرعة التي كنا ننهي بها الدروس، تأكدت أنه كان بامكاني انهاء الصف الثاني الابتدائي أيضاً، خلال ذلك العام الدراسي، لكنني لم أرد هذا الأمر؛ إذ أن نور فاطمة قد أنهت الكتب بالكامل، بينما عرفت فيما بعد أن التلامذة في المدرسة (حيث قدمت نور فاطمة الامتحان) قد ألغوا العديد من الدروس وبقيت دون شرح بسبب ضيق الوقت.

أما التجربة الأغنى فكانت تجربتي مع ابني الصغير محمد علي الذي باختيارنا الكامل (خاصة وأننا كنا في لبنان) لم نرسله الى أية حضانة أو أي صفوف في مرحلة الروضات بل دخل مباشرة الى الصف الأول الابتدائي هذا العام في سن السبع سنوات ( 6 سنوات وثمانية أشهر). لم نرسله الى الروضات إيماناً منا بأن ما يتعلمه في البيت بالقرب من أمه يتخطى بكثير ما يمكن أن يتعلمه في الروضات ... خاصة وأن هذه المرحلة هي مرحلة اللعب والسيادة ولا يجوز أن نبعد الطفل عن أمه.
ولهذا السبب أبقيناه في البيت ...
أحطناه بعدد كبير من القصص والملصقات واللوحات الكبيرة. قرأت له قبل أن يصبح عمره ثلاث سنوات أكثر من 300 قصة، جعلته يأنس اللغة المكتوبة والمقروءة. حين صار عمره سنتين ونصف فقط، كنت أركّز معه على الكلمات المكتوبة واجزئها شفهيا: أي أقول له على سبيل المثال: جيم ـ جمل = ج+م+ل.
حتى توصّل ابني في عمر الأربع سنوات الى القراءة باللغة العربية بطلاقة، وصار يدرك العديد من المفاهيم العلمية. عندها بدأت أعمل معه على كتب جديدة فحملت كتاب الأطلس وصرت أريه الخرائط والبلدان والعواصم.
خلال أسبوعين استطاع أن يحفظ أسماء القارات ومكانها على الخريطة واستطاع أن يميزها منفصلة فكانت اشارة لي أن ذكاءه المتعلق بالأبعاد الثلاثة قوي. فرفعت من مستوى المعلومات حول ميزات البلدان المناخية والخصائص الزراعية والنباتية والحيوانية والثروات المتواجدة في القارات والبلدان بالاضافة الى علم كل بلد...
ليصبح محمد علي بعد أشهر قليلة قادراً على تحديد موقع أي بلد على الخريطة، وحدوده وميزاته... هذا كله خلال وقت لا يزيد عن العشرين دقيقة في اليوم ً..
أما بالنسبة للغة الأجنبية فلم يتعلم محمد علي سوى الأحرف الأبجدية الانجليزية، وحين لاحظت أنه يجمع الأحرف مع بعضها ويقرأها حتى دون فهم معانيها، عرفت أنه لن يجد أية صعوبة لاحقاً في هذه اللغة.
فعدت مرة ثانية للتركيز على اللغة العربية. وها هو محمد علي، يسعى لتأليف قصص جميلة وهو لم يتجاوز الرابعة من عمره...
بالاضافة الى ذلك، استطاع قبل دخوله الى المدرسة أن يقرأ الأرقام الآحاد والعشرات والمئات والآلاف..ويقوم بعمليات حسابية بسيطة في الجمع والطرح.
كان يلعب كثيراً، يستيقظ في الصباح متى شاء: أوَليس هو سيد سبع؟!
حاولنا أن نطبق هذه القاعدة بحذافيرها...فكان سيد سبع: يلعب ويلعب... ويتعلم من خلال اللعب...
كنا نقضي وقتا جيداً في الطبيعة... وكنا نلعب معه ألعاباً تحفّزه على التفكير والتحليل وتركز على تنمية اللغة لديه، كاللعب على الكلمات ومقارنة المعاني وتعداد صفات لكلمة معينة وأمثال ذلك.
حين كان يسأل سؤالاً ما، كنا نستخدم هذا السؤال كمدخلٍ لمزيد من الدراسة ونسير بالسرعة التي يريدها في التعليم فصار المنهج مصمماً خصيصا لاحتياجاته .
بعد أن تشرّب محمد علي المعلومات الجغرافية والكرة الأرضية ككل، انطلقنا الى الكواكب والشمس والمجرات والفضاء...فبدأنا التعرف على معلومات حول المريخ والقمر ودرب التبانة والثقب الأسود والكواكب الباردة والحارة وحياة النجوم وفائدتها وتأثيرها على حياتنا...وها هو قاموسه يصبح غنياً جداً بهذه المعلومات الرائعة، خاصة أنه أنهى كتاباً عن الكون فيه معلومات لا حصر لها عن كل ما يتعلق بالكون والفضاء ورواده.....
أعطى التعليم المنزلي إبني مساحة لاستكشاف قدراته، وقضاء أيام في البحث عن إجابة تساؤل واحد مما جعله يفهم عدداً من المجالات بما يعادل فهم شخص من المستوى الممتاز.
من ناحية أخرى، كثيرا ما تثار قضية التنشئة الاجتماعية وتكون موضع اهتمام الآباء والأمهات نظرا لاتباع هذا المسار المختلف في التعليم. لكن أبنائي في مرحلة تعليمهم في المنزل كان لديهم أصدقاء كثر، يلعبون معهم كل يوم بعد الظهر (خاصة حين كنا في طهران)، ولا نجد الآن أي مشكلة اجتماعية لديهم.
حيدر خميني يستعد اليوم للدخول الى الجامعة بعد الامتحان الرسمي هذا العام انشاالله وقد تخطى كل المشكلات التي واجهته بسيبب تغييره للغة تدريسه من الفارسية الى العربية والانجليزية.
نور فاطمة اليوم في الصف الثامن، متفوقة جداً في كل المواد الدراسية ومعدلها يتعدى الـ18 ليصل أحياناً الى 19؛ مع مهارات في الرسم والموسيقى وتأليف القصص والأشغال اليدوية.
أما محمد علي فقد قالت لي معلمته أنه يتفوق في قراءة اللغة العربية على كل الأطفال في الصف الأول الابتدائي وعلى عدد منهم في الثاني الابتدائي والثالث الابتدائي أيضاً. كما قالت لي الناظرة إنه أكثر وعياً من رفاقه في الصف وهو منسجم اجتماعياً معهم. وتؤكد معلمة اللغة الانجليزية أنه واجه مشكلة بسيطة في الأسبوعين الأوليين فقط وها هو قد نال علامة 25 من 30 في الامتحان الكتابي الأول لتصبح العلامة 29 من 30 في السعي الثاني. بينما تشير معلمة العلوم أنه يمتلك معلومات غنية جداً وحين تبحث أثناء الدرس عن اصطلاح معين فإن محمد علي هو من ينقذها ـ على حد تعبيرها ـ ويجد الكلمة المناسبة. وطبعاً أودّ أن أشير أن الوقت الذي يصرفه محمد علي على الواجبات البيتية لا يتعدى العشرين دقيقة يومياً. ومعدله العام في الامتحانات تعدى ال18 على عشرين.
يبقى السؤال: هل أشجع غيري على التعليم المنزلي؟ خاصة وأنه يتطلب أحياناً أن يلغي كل من الأم أو الأب للكثير من النشاطات الاجتماعية للبقاء في المنزل مع أبنائهما؟
الجواب: إنها فرصة استثنائية كي يتعلم أطفالنا بفرح ودون ضغط المنافسة والامتحانات ووفق السرعة التي تناسبهم...
إنها فرصة استثنائية لنقضي وقتاً مع أطفالنا، وقتاً نسرقه من الزمن الذي يركض دون أن نشعر به ... ثم نستفيق وقد كبر أطفالنا وتركوا طفولتهم وراءهم، وتركونا مع كلمة يا ليتهم يعودون صغاراً لنعيش اللحظات بشكل أجمل ولنقضي معهم بعض الوقت قبل أن يختار كل منهم طريقه بعيداً عنا...

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

صورة
د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي