التربية أساس الرقي

الرئيسية/ مفاتيح النجاح

الامام السيد علي الخامنئي
الأصل أن يتمتّع "المعلم" بالمنزلة اللازمة في المجتمع الإسلامي. وإنّه لقصر نظر هائل أن يضع الإنسان عمل التعليم في مصاف سائر مشاغل الحياة المُتعارفة، بحيث يكون وسيلة فقط من أجل اكتساب لقمة العيش، ويساعد الإنسان على الحياة؛ يؤمّن الخبز ويساعد على تمضية الحياة؛ هذا لا يعكس حقيقة الأمر، والتعليم ليس كذلك، وهو ليس في مستوى الأعمال الأخرى؛ إنّه يفوقها شرفاً.
إذا التفتنا إلى حقيقة التربية والتعليم ومنزلة المعلّم، علينا واقعاً أن نشبّه المسألة بمن يصقل وينحت جوهراً ثميناً، بحيث يضفي عليه القيمة والأهمّيّة. هذه الجواهر الثمينة هي أولادنا، وأطفالنا، أطفال الشعب، الذين يشكّلون جيل المستقبل بجميع خصائصه ومميّزاته، ويوجدونه.
أنتم المعلّمون من تشكّلون هذه الشخصيّات، تصقلونها. ليست المسألة مجرّد أن تلقوا كلمتين، أو تعطوا درساً في الصفّ. جميع تصرّفاتكم، حركاتكم، طريقتكم، أخلاقكم، تترك أثرها بصورة مباشرة في هذا المخاطب المستهدف [المتلقي]، وتُشكّله. وما تزرعونه في ذهنه أيضاً تحت عنوان التعليم، هو من أكثر الحقائق بقاءً في ذهن الإنسان. بعد خمسين، أو ستّين عاماً، يبقى في ذهن الإنسان الكثير من التفاصيل التي قالها المعلّم له، والكثير من الخصائص التي ينقلها [المعلم] للتلميذ بتصرّفاته، بأخلاقه، بطريقة كلامه، وطريقه تعامله مع التلاميذ، تبقى في الإنسان. أحياناً يلتفت الإنسان إلى ذلك، وأحياناً لا يلتفت؛ جميعنا نسير دون التفات في الطريق نفسه، الذي خطّ المعلّمون الجزء الأكبر منه في نفوسنا؛ وهذا أمر بالغ الأهميّة.
إنّ البلد الذي يريد أن يصل إلى المعالي، إلى الغنى والرفاه، إلى العلم والتفوّق، والذي يريد رفد المجتمع البشري بأناس شجعان، أحرار، فهيمين، عاقلين، عقلاء ومفكّرين، عليه أن يعدّ هذه البنية التحتيّة الأساسيّة؛ البنية التحتيّة للتعليم في مرحلة الطفولة والحداثة. هذا هو شأن المعلّم. لذا، ينبغي أن نكنّ احتراماً فائقاً للمعلّم. وينبغي صرف الكثير من الوقت لإيجاد الأهليّة اللازمة في المعلّم، فلكي نعدّ آليةً تكون التربية والتعليم فيها مؤثّرين، ويتّجهان في الاتّجاه الصحيح، علينا الاستثمار كثيراً.
معالم طريق التغيير
ومن الجيّد اليوم، بحمد الله، أنّ وثيقة هذا التحوّل (1) هي في متناول مديريّة التربية والتعليم، وقد حُدّدت وشُخّصت، في الواقع، معالم الطريق. فالتحوّل في بني البشر، والتغيير الحقيقيّ في النفوس والمعتقدات والحركات والأخلاق وأمثالها، يحتاج إلى بنية تحتيّة قويّة؛ وهذه البنية التحتيّة هي التربية والتعليم.
ينبغي أن توجّهنا وثيقة التحوّل هذه، نحو الأهداف الإسلاميّة، ينبغي أن تتقدّم بالمجتمع نحو نمط الحياة الإسلامية الواقعي؛ ينبغي أن تتمكّن من إيجاد الخصال الإنسانية السامية فينا.
إنّ وثيقة التحوّل هي متن ينبغي أن يترجم عمليّاً. بالمحصّلة، لا ينبغي التسرّع [التعجّل] به بأيّ وجه من الوجوه؛ ينبغي التقدّم من خلال التدبّر والتأمّل فيه، مع الملاحظة الصحيحة للجوانب. العمل عمل عميق. والأعمال العميقة ليست قصيرة الأمد؛ ليست سريعة النتيجة؛ هي طويلة الأمد؛ ونتيجتها تأتي متأخّرة؛ إذا ما تشكّلت بشكل صحيح، سوف تبقى، وتثمر؛ إذا لم تُتقَن، وتُعُجّل فيها، سوف لن تعطي الثمرة المرجوّة. جاء في الحديث عن المعصوم: "ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها، كالزارع في غير أرضه"(2)؛ فإذا قطفتم الثمرة قبل نضوجها، فأنتم في الواقع لم تحصلوا على شيء، وضاعت جهودكم سدىً. انتظروا الثمرة حتّى تينع، ومن ثمّ اقطفوها حتّى تستفيدوا من جميع منافعها.
مسألة جامعة المعلّمين هي أيضاً مسألة مهمّة جدّاً؛ وهي أيضاً من جملة الأشياء التي ينبغي الالتفات إلى تنظيمها الداخلي بشكل جدّي. فما لم يبن المعلّم شخصيّته، لن يستطيع إعطاء شيء لتلميذه، ومخاطبه. هنا، تُبنى شخصيّة المعلّمين. إنّه وإن أُلحقت هذه الجامعة بمديريّة التربية والتعليم، وكانت مرتبطة بها، إلّا أنه يجب على مديريّة التعليم العالي، أن توفّر كلّ الدعم الممكن لهذه الجامعة. هذه أمور ينبغي أن تتحقّق على صعيد التربية والتعليم.
إنّ جهاز التربية والتعليم ليس جهازاً عاديّاً يقع في عرض سائر الأجهزة الأخرى؛ هذا موقع أساسيّ ومهمّ؛ والآن، يمكن أن تعبّروا عنه كمحرّك لقطار، كمركز لتموين [وتغذية] مجموعة ما؛ على كلّ حال يفترق عن الأجهزة الإجرائية الأخرى. العمل في هذه الوزارة عميق وأساسيّ بحيث لا يمكن إيجاد مثيل له في سائر الوزارات؛ وحتّى الوزارات الثقافيّة المشابهة ليس لديها ذلك المقدار من الحساسيّة والدقّة التي يلزم مراعاتها في هذه المجموعة. على كلّ حال هي مجموعة في غاية الأهمّيّة.
إنّ موضوع الكتب الدراسيّة هي أيضاً مهمّة. ينبغي على الدوام، تطوير مضامين هذه الكتب ومحتوياتها والارتقاء بها، حسبما تقضيه الحاجة. ينبغي وجود أجهزة مراقبة ذكيّة في جميع مؤسّسات التربية والتعليم، بحيث تراقب التطوّرات المبنيّة على وثيقة التحوّل، ولينظروا أين توجد ثغرة، أين يوجد خطأ، أين توجد تجربة غير ناجحة، فلتُصحح فوراً ـ يلزمنا النظر الثاقب ـ كما علينا أن ندرس الاحتياجات في مجال المواد التدريسيّة والكتب الدراسيّة. منذ سنوات ونحن ندخل مسائل ومطالب في الكتب؛ فيتمّ إخراج بعضها وإدخال بعضها الآخر. فلننظر أيّاً من المعارف الإلهيّة، من المعارف الإسلامية، من المعارف المدنيّة، من معارف بناء الحضارات، من معارف بناء الإنسان، المعارف التي تعزّ شعباً ما، تطوّره، تجعله رياديّاً، فلندخلها في كتبنا إن لم تكن موجودة؛ وأيّ الأمور هي في الجهة المقابلة مخدّرة، مضلّة، فنحذفها؛ أيّ الأمور تلزم الأجيال أو الفتية والفتيات، فندخلها. فلنفرض أنّ بعض الأمور قد تكون لازمة في الكتب الدراسيّة للفتيات، وذلك على صعيد تدبير المنزل، تربية الأبناء وأمثالها؛ وأنّ بعض الأمور قد تكون لازمة في الكتب الدراسيّة للفتيان من قبيل مواجهة أمور العمل، الحياة وأمثالها. هذه تحتاج إلى المراقبة اللازمة والرصد الدائم، وينبغي لهذه الأعمال أن تُنجز.
على كلّ حال، العمل عمل مهمّ للغاية.

الامام السيد علي الخامنئي
بتصرف من كلمة له في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة في 8/5/2013


1- وثيقة التحول في التربية والتعليم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، نظام جديد متطور يحدد حاجات التربية وشروطها ومعاييرها، تم صياغته وإقراره منذ سنوات, بتوجيه من سماحة الإمام القائد، وهو حاليا في معرض التطبيق، يتناول مختلف أبعاد عملية التربية والتعليم، ويضع لها معايير وأنظمة مستنبطة من روح التعاليم الإسلامية، ولا يهمل الاستفادة من الوسائل والتقنيات والتجارب البشرية العصرية.
2 - بحارالأنوار ج : 74 ص : 33
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

الامام السيد علي الخامنئي