مهنة صناعة الانسان

الرئيسية/ مفاتيح النجاح

الامام السيد علي الخامنئي

في أعماقنا يوجد عناصر ملكوتية ويوجد عناصر سبعيّة، {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في ‏أَحْسَنِ تَقْويمٍ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَل َسافِلينَ}، ففيه الاستعداد والإمكان للعلوّ والرقيّ والتسامي، وفيه الاستعداد للتسافل والسقوط. ولعلّه يمكن أن يُقال أنّ ذلك لا حد له فينا نحن أبناء البشر. إنّ فلسفة خلق الإنسان يكمن في تغلّب تلك الاستعدادات المميّزة والمفيدة والممتازة من ناحية القيم الإلهيّة، وباختيار الإنسان نفسه وبمجاهدته، على تلك الخصال الحيوانية والسبعيّة. حيث أنّها إذا تغلّبت عليها فإنّ تلك الاستعدادات الحيوانيّة ستتحرّك بالاتّجاه الصحيح أيضاً.

التربية لأجل تغليب الاستعدادات الخيّرة في وجود الإنسان
لو جُعلت روحيّة الاعتداء والتعدّي في خدمة التقوى فإنّها ستمنع من الاعتداء على الحرمات المقدّسة ـ الانسانية والاجتماعية والأخلاقية ـ وسوف تُستخدم في الاتّجاه الصحيح. لقد أُمر بالقتال في القرآن والإسلام، والقتال يعني مواجهة القتل، وهو استخدامٌ لائقٌ لتلك الروحيّة المودعة في الإنسان من أجل الخدمة في هداية البشر وبناء عالمٍ عامرٍ وحرٍّ ومتسام. فهذا القتال في الواقع هو بمعنى القضاء على الحجب وموانع وصول الإنسان إلى القمم الرّفيعة للكرامة البشريّة والإنسانيّة. فلو تمّ ترجيح هذه الخصال والأخلاق والاستعدادات الكريمة والأسمى، فإنّ العالم سيكون عالماً جيّداً وسعيدا.
وعندها لن يكون هناك اعتداء وتعدّي في العالم، ولا انحطاطٌ ودناءة، ولن تتعطّل الاستعدادات البشريّة أو تنحرف، ولن يكون فيه فقرٌ وتمييزٌ. فانظروا أيّ عالمٍ جميلٍ سيكون هذا. سيتمكّن الإنسان من استعمال جميع الطّاقات المودعة فيه. وهذه الطّاقات الموجودة فينا لم يصل إليها علم الإنسان وتجاربه حتى اليوم، إنّ هذه الطاقات هي أكثر بكثير مما وصل إليه. إنّنا مبتلون بضيق الأفق في نظرتنا إلى إمكاناتنا الجسمانيّة، نحن لم نتعرّف على تلك الإمكانات جيّداً.
إنّني أضرب هذا المثال مراراً وأقول،لو أنّكم نظرتم إلى لاعب جمباز فهل يخطر على بال شخصٍ غير رياضيٍّ وغير مرتاض أنّه يمكن لجسم الإنسان أن يتحرّك بهذه الطريقة؟ حسنا، ولكن بالتمرين يمكن لأيّ إنسانٍ، وإن لم يكن استثنائياً أو خارقاً أو يختلف عن غيره من الناس، أن يؤدّي هذه الحركات بنفسه. قيسوا على هذا جميع الطاقات الإنسانية والتي هي بالآلاف لتروا ماذا سيحصل وأيّة قدراتٍ عظيمة ستتحقّق. إنّ كلّ هذه الأمور ستتحقّق وتحدث في ذلك العالم الذي تتغلّب فيه الخصال الإلهيّة والإنسانيّة على الخصال المنحطّة. هذه هي الرسالة وهذا هو الهدف.
وبهذا المنظار يتّضح دور التربية والتعليم ودور البيئة التعليميّة، ودور التعليم العالي.

تدريس الفلسفة للأطفال
وهنالك نقطةٌ تخطر في ذهني دوماً، وهي أن نهتمّ بالدرجة الأولى في بناء وتشكيل البُعد الرّوحيّ لأطفالنا. فلو استطعنا أن نشكّل الهويّة الإنسانيّة لهذا الطفل منذ نعومة أظافره، ونوجد فيه تلك الأخلاق، فإنّ ذلك سيكون، على الدوام، نافعاً جدّاً. هنالك عوارض تجعل الأخلاق عادةً تحت تأثيرها، لكن لو تمّ بناء وتشكيل شخصيّة الطفل منذ البداية، فإنّ تأثير تلك العوارض سيتدنّى، وسيكون للعوامل المساعدة على عبور الطريق دورها.
في يومنا هذا، نجد أنّ من الأعمال الأساسية والفروع المهمّة في الدّول المتطوّرة مادّياً في العالم هو تدريس الفلسفة للأطفال. إنّ الكثيرين في مجتمعنا، لا يخطر ببالهم، من الاساس، أنّ الفلسفة هي أمرٌ مهمٌّ للطفل. فبعض الأشخاص يتصوّرون أنّ الفلسفة هي نوع من الهذر، وبعضهم يلتفت إليها في آخر عمره، لكنّ الأمر ليس كذلك. إنّ الفلسفة عبارة عن تشكيل الفكر وتعليم الفهم وتعويد الذهن على التفكّر والتفهّم، وهذا الأمر ينبغي أن يكون منذ البداية. القالب مهمٌّ. ولئن كان المحتوى والمضمون في فلسفة الأطفال (جعلهم متفلسفين) مهمّاً، لكنّ الأساس هو الأسلوب، أي أن يعتاد الطفل منذ بداية طفولته على التفكّر، وعلى التفقّه وهذا الأمر مهمٌّ جداً.

التربية على الثقة بالنفس
يجب أن ننشّئ الطفل منذ البداية على أن يكون لديه ثقة بالنفس واعتقاد بهويّته. وبالطبع، إنّ هذا الأمر لا يختصّ بأطفال المرحلة الابتدائيّة. ينبغي أن يكون هذا الأمر في الثانويّات وفي الجامعات أيضاً. لقد تمّ في الماضي وللأسف تأسيس ثقافة منحرفة بالكامل في بلدنا، وما تزال آثارها باقية لحدّ الآن... وهي النّظر بعين الاحتياج إلى الغرب، وتضخيم الغرب وتصغير النفس في مقابله. هذه الثقافة ما زالت موجودة وللأسف، ولم يتم اجتثاثها. كلّ ذلك لغياب الثّقة بالنفس (الاعتقاد بالنفس). إنّ ما ترونه من أنّ الماركة الأجنبية للبضاعة الفلانيّة تُعرض بسعرٍ أعلى وفي نفس الوقت يوجد عليها طلبٌ أكثر، من بين طبقةٍ اجتماعيّةٍ خاصّة، في حين أنّه يوجد بضاعة وطنيّة شبيهة، تكون أحيانا أفضل جودة، فهو بسبب تلك النظرة، وهذا يُعدّ مرضاً وآفةً. ولو قيل أنّ فلاناً المتخصّص، قد تخصّص في الداخل ولم يسافر إلى الخارج، فإنّ هذا يؤدّي للوهلة الأولى إلى النظر إليه بصورة سلبيّة. أجل، لو أنّ هذا المتخصّص المحلّي، الذي درس في وطنه، استطاع بأعماله المميّزة أن يزيل هذا الاعتقاد ـ حيث أنّ هذا الأمر قد تحقّق بكثرة في السنوات الأخيرة ـ فتلك قضية أخرى. لكن ما دام يُقال أنّ ذاك قد تخصّص في الخارج، وهذا قد تخصّص في الداخل، فإنّ النظرة إليه ستكون نظرة فوقية. هذا عيبٌ.
أنا لا أعارض أبداً اكتساب العلوم من الأجانب. لقد قلت مراراً أنّه ليس من العار أن نتتلمذ على يد أحد ونتعلّم منه، لكنّ عارنا هو أن نتطلّع باستجداء وأملٍ وشعورٍ بالحقارة الذاتيّة إلى ما في أيدي الآخرين وفكرهم وأعمالهم. هذا هو الأمر السيئ الذي يجب اجتثاثه. يشاهد المرء أنّنا أحياناً عندما نريد أن نبذر خلقاً جيّداً في المجتمع، فإن المثال الذي نأتي به لتمجيد ذلك الخلق الجيّد يجب أن يكون من الدول الغربيّة حتماً، فما ضرورة ذلك؟ ولماذا نقوّي من هذه الروحيّة في مخاطبينا، بحيث أنّهم يحتاجون للتطلّع إلى الغرب من أجل تشخيص وتمييز الحسن من القبيح، والمميّز من غيره؟
هذا لا يعني العداء لأيّ أحد، وكذلك لا يعني التعصّب ضدّ منطقةٍ جغرافيّة أو سياسيّة، بل يعني أنّه عندما يُعرض شعب ما عن إمكاناته واستعداداته ونتاجاته ولا يؤمن بها، فإنّ مصيره سيكون مصير تلك الدّول التّابعة.
يجب علينا أن نقوّي الثّقة بالنفس في شبابنا وأطفالنا. إنّ حقن الثقة بالنفس وإيجادها يُعدّ من الأعمال الأساسيّة.

التربية على علو الهمة
لنجعل الأطفال وكذلك الشباب يعتادون، منذ البداية، على النّظر إلى الأمور بهمّة عالية. يوجد العديد من القضايا التي يجب الاطّلاع عليها على مستوى العالم كله والنظر إليها بهذا المستوى لا بالمستوى الإقليمي، فما بالك بالذي ينظر إليها فقط على مستوى البلد أو الولاية والمحافظة؟ هنالك قضايا يجب النّظر إليها بأفق المائة سنة، والمائة وخمسين سنة، لا من دائرة محدودة بخمس أو عشر سنوات أو أقل. وكل هذا يستلزم وجود همّة عالية؛ والنّظر بمثل هذه الهمّة الرّفيعة إلى القضايا المختلفة. إنّ هذا التلميذ أو الطالب الجامعيّ الذي تقومون بتربيته اليوم سيصبح بعد عدّة صباحات أستاذاَ أو مديراً فعّالاً أو خبيراً مميّزاً ويكون عنصراً مؤثّراً في الحركة السياسية للمجتمع. لن تنقضي سوى صباحات قليلة حتى يصبح عنصراً مؤثّراً في المجتمع. فقوموا بتربيته حتّى يكون في النّهاية صاحب همّة عالية.

التربية على المطالعة
قضية المطالعة هي قضيّةٌ مهمّةٌ. إن إهمال الكتاب موجودٌ في مجتمعنا. يشاهد المرء أحياناً في التلفاز سؤالا يوجه إلى هذا أو ذاك: كم ساعة تقرأ في اليوم؟ أو كم تعطي للمطالعة من وقتٍ؟ فواحدٌ يقول خمس دقائق وآخر يقول نصف ساعة! يتعجّب الإنسان! يجب علينا أن نعوّد الشباب على المطالعة، وكذلك الأطفال بحيث ترافقهم إلى آخر العمر. إنّ تأثير المطالعة في مثل سنّي ـ وأنا العبد أقرأ من الكتب ما هو أضعاف ما يقرؤه الشباب ـ هو في الأغلب أقل بدرجات من المطالعة في سنيّ الشباب. إنّ ما يبقى للإنسان دوماً هو المطالعة في السنوات الأولى. فليطالع تلامذتكم من الشباب والأطفال ما امكنهم، وليتعلّموا كلّ ما يمكنهم في مختلف الحقول وبالطرق والأساليب المختلفة. بالطبع، يجب اجتناب الاستهتار في بيئة الكتاب، وإن كانت هذه القضيّة لاحقة. إنّما القضية الأولى هي أن يتعلّموا ويعتادوا على الرجوع إلى الكتاب من الأساس والنظر فيه. وبالطبع يجب على الأجهزة ان تراقب وكذلك الأشخاص، ويتولوا التوجيه نحو الكتاب الجيّد، حتّى لا يضيع العمر في قراءة الكتب السيّئة.


الامام السيد علي الخامنئي
من كلمة له في لقاء المعلّمين وأساتذة جامعات خراسان الشمالية في بجنورد في 11/10/2012

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

الامام السيد علي الخامنئي