النموذج الإسلامي للتقدم

الرئيسية/ مفاتيح النجاح

الامام السيد علي الخامنئي
إن دنيا اليوم هي دنيا الغابة. لكن الدنيا التي يترافق فيها العلم مع البعد المعنوي، والحضارة مع البعد المعنوي، والثروة مع البعد المعنوي، تصبح دنيا إنسانية. بالطبع، إنّ النموذج الكامل لتلك الدنيا سيتحقق في زمان ظهور بقية الله (أرواحنا فداه) ومن بعدها، أنا هنا أقول هذا، ستبدأ الدنيا من جديد.
إنّنا نتحرّك اليوم في المجالات التمهيدية للعالم الإنساني. إن مثلنا كمثل الذين يسيرون في المنحدرات والهضاب والمسالك الوعرة كي يصلوا إلى الجادّة الأصلية. عندما نصل إلى الجادّة الأصلية يبدأ حينها المسير نحو الأهداف العليا.
ما زالت البشرية تسير، طوال بضعة آلاف سنة من عمرها، في هذه الجبال كي تصل إلى الجادّة الأصلية. عندما تصل إلى الجادّة - في زمان ظهور بقية الله - ستبدأ هناك حركة الإنسان الأصلية؛ الحركة السريعة للإنسان؛ الحركة الناجحة والسهلة. المشقّة تكمن فقط بحركة الإنسان في هذا الطريق؛ بعدها لن يكون هناك حيرة أبداً.
(وفي هذا الطريق - قبل الجادّة الأصلية- نحن نطرح النموذج الإسلامي للتقدّم ونحدد مجالاته بشكل كلي.) يوجد أربعة مجالات أساسيّة:
في الدرجة الأولى يتم التقدّم في مجال الفكر.
ينبغي لنا أن نتحرّك بالمجتمع ليكون مجتمعاً مفكّرًا؛ وهذا هو درس قرآني أيضاً. انظروا إلى القرآن؛ كم لدينا من "لقوم يتفكّرون"، "لقومٍ يعقلون"، "أفلا يعقلون"، "أفلا يتدبّرون". ينبغي أن نحوّل توقّد الفكر والتأمل والتدبّر في مجتمعنا إلى حقيقة ظاهرة وواضحة. بالطبع، إنّ هذا سيبدأ من مجموعة النخب، ثمّ سيتدفق لاحقًا إلى عموم الناس. وبالطبع، هذا له استراتيجيات ومستلزمات. أدوات العمل هي التربية والتعليم ووسائل الإعلام؛ والتي ينبغي أن تُلحظ وتُضمّن كلها في إعداد البرامج.
المجال الثاني هو مجال العلم.
وأهميّته أقل من المجال الأول؛ ينبغي أن نتقدّم في العلم. بالطبع العلم نفسه هو محصول الفكر أيضًا. في زماننا الحالي هذا، لا ينبغي لأي شيء أن يحدث ضعفًا وتقصيرًا ووهْنًا في الحركة نحو التقدّم الفكري.. والإبداع العلمي والحركة العلمية. والعلم يتشكّل في قوالب التقنية التي تبرزه وتظهره. في كثيرٍ من الأحيان، لا يلزم محصول الحركة العلمية مدة طويلة، فهو أقرب ونلمس نتائجه بسرعة.
المجال الثالث هو مجال الحياة.
ومجال الحياة يشمل جميع الأشياء التي تُطرح في المجتمع بعنوان مسائل أساسية وخطوط عريضة، مثل الأمن والعدالة والرفاهية والاستقلال والكرامة الوطنية والحرية والتعاون والحكم. وهذه كلّها مجالات للتقدّم ينبغي التعرّض لها والقيام بها.
المجال الرابع هو التقدّم والتكامل في المجال المعنوي والروحي.
وهو أهم هذه المجالات وروحها كلّهاـ ينبغي أن يتّضح للجميع بأنّ المعنويات لا تتعارض مع العلم ولا مع السياسة ولا مع الحرية ولا مع المجالات الأخرى؛ بل إن المعنويات هي الروح لها جميعًا. يمكن فتح القمم العلمية بواسطة المعنويات؛ أي أنّ القيم المعنوية إذا وُجدت فسيوجد العلم أيضًا. وعندها فإنّ الدنيا ستصبح دنيا إنسانية؛ ستصبح دنيا تليق بحياة الإنسان فيها.
هذه هي المجالات الأربعة للتقدّم والتي ينبغي علينا أن نسير فيها.

بالنسبة للمضمون الإسلامي لهذا التقدّم، هناك مسائل أساسية.
المسألة الأولى التي ينبغي أخذها بالحسبان، هي مسألة المبدأ، مسألة التوحيد، {إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُون}(1). المشكلة الأهم في عالم اليوم والتي تتجلّى بشكل بارزٍ في الغرب، هي البعد عن الله وعدم الاعتقاد به، وعدم الالتزام بالإيمان بالله. لعلّ هناك اعتقاد ظاهري وصوري وما شابه، ولكن لا يوجد التزام بالإيمان بالله.
إذا حُلّت مسالة المبدأ، فإنّ الكثير من المسائل سوف تُحلّ بتبعه. هذا التوحيد يمنح البشر قوة عظيمةً غير متناهية. وعندما نستطيع أن نبسط هذا الإيمان في شرايين حياتنا، ستجد مشكلة البشريّة هذه طريقها إلى الحلّ.
المسألة الثانية، وهي مسألة أساسية، هي قضية المعاد، قضية عدم انتهاء الأشياء بزوال الجسم، بالموت. هذه مسألة مهمّة للغاية، أي أنّ هناك حساب وتدقيق في الموضوع؛ { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه}(2). إنّ الأمة التي تمتلك هذه العقيدة والتي يحكم هذا المعنى برنامجها العملي ستظهر في حياتها تحوّلات وتغيّرات أساسية. الإيمان باستمرار نتائج الأعمال، يمنح معنىً ومنطقًا خاصًّا للتضحية والجهاد.
{وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ}؛ وعليه لن نشعر بالخسارة إذا ما فقدنا شيئاً عند أدائنا لتكليفنا وقيامنا بواجبنا؛ حتى لو كان هذا الشيء روحنا أو أبناءنا أو أعزّاءنا؛ يجب أن توضع هذه الأمور ضمن نموذج التقدّم، وأن تظهر خلال تقدّم وتطوّر المجتمع.
بعد ذلك تأتي قضية عدم التفكيك بين الدنيا والآخرة؛ "الدنيا مزرعة الآخرة"(3). إن الدنيا والآخرة لا تنفصلان. إن آخرتنا ودنيانا هما وجهان لعملة واحدة. {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}(4)، إن الكافر هو الآن في جهنّم؛ جهنّم التي لا يمكنه أن يفهمها ويفهم وجوده فيها. لكنّه سيفهمها بعد تجسّدها أمامه.
والمسألة الأخرى، هي مسألة الإنسان؛ نظرة الإسلام للإنسان، محوريّة الإنسان. من الواضح أن الإنسان الإسلامي يختلف كثيرا عن الإنسان الذي قدّمته الفلسفات الغربية المادية والوضعية في القرن التاسع عشر؛ فهذا إنسان وذاك إنسانٌ آخر؛ إن تعريف كليهما في الأصل مختلف؛ إن محورية الإنسان في الإسلام تختلف كثيراً عن محورية الإنسان في تلك المدارس المادية.
إنّ الإنسان هو المحور. إن كلّ المسائل التي نبحثها هنا: مسألة العدالة، مسألة الإحساس بالأمان، مسألة الرفاهية، مسألة العبادة، هدفها أن يصبح الإنسان سعيداً. إنّ مسألة السعادة ومسألة العاقبة، ترتبط بالفرد نفسه؛ ليس بمعنى أن يغفل الإنسان عن غيره، وألّا يسعى لخدمة الآخرين؛ كلا، {مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}(5). يُروى أنّ الإمام سُئل عن معنى هذه الآية فأجاب بأنّه تأويلها الأعظم هو أن تهدي أحدهم. من المعروف أن الهداية واجب على الجميع، ولكن ما يريده الإسلام من الإنسان أولاً وأخيراً هو النجاة بنفسه، علينا أن ننقذ أنفسنا. نجاتنا هي في القيام بواجبنا، وحينها تصبح الواجبات الاجتماعية، استتباب الأمن، وإقامة دولة الحق، ومحاربة الظلم والفساد، كلّها من مقدّمات النجاة بأنفسنا. الأصل هو هذا الأمر؛ وكلّ ما تبقّى هو مقدّمة له، ويصبح المجتمع الإسلامي مقدّمة، والعدالة مقدّمة، والهدف النهائي هو عبارة عن فوز الإنسان؛ يجب الالتفات إلى هذا الأمر.

من كلمة سماحة القائد في الملتقى الأول للأفكار الإستراتيجية (1/12/2010)



1 ـ سورة البقرة، الآية 156.
2 ـ سورة الزلزلة، الآية 7.
3 ـ إرشاد القلوب، ج1، ص 89.
4 ـ سورة التوبة، الآية 49.
5 ـ سورة المائدة، الآية 32.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

الامام السيد علي الخامنئي