مؤسّسو الحضارة الجديدة..

الرئيسية/ مفاتيح النجاح

الامام السيد علي الخامنئي
شريحة المعلّمين شريحة شريفة ومحترمة حقًّا، والسبب أنّ الرصيد الإنساني بالنسبة لبلد ما، وحضارة ما، وشعب ما أهمّ من كلّ الأرصدة، بمعنى أنّكم إذا كنتم تمتلكون الأموال لكنّكم تفتقرون إلى الرصيد الإنساني المعتبر فلن تحقّقوا أيّ نتيجة تذكر؛ [تماماً] مثل هذه البلدان الثريّة التي ترون أين تنفق أموالها، وإلى يد من تذهب؟ فجيوبهم الواسعة المليئة بالأموال توضع بنحو سفيه جدًّا تحت تصرّف أيدٍ خائنة للإنسانية؛ نتيجة أيّ شيء هذا؟ [هذا بسبب أنّ] لديهم أموالاً وليس لديهم إنسان، لديهم المال وليس لديهم مفكّرون ولا طاقات إنسانية، وأرصدتهم الإنسانية ضعيفة. إذا ما توافرت لنا مصادر جوفية كبيرة من دون أن تتوافر لنا طاقات وقوى بشرية فلن يكون في ذلك فائدة... أنا لست من أهل المجاملات، وما قلته عن تأثير المعلم على الطالب الجامعي أو تأثيره في التربية والتعليم، على مدى سنين طويلة نابع من هذا الشعور ومن هذه القناعة، وهي أنّ للمعلّم مثل هذا الدور. أنتم في الواقع المؤسّسون، أنتم مؤسّسو الحضارة الجديدة، لأنّه إذا لم تكن هناك طاقات إنسانية لائقة ومعتبرة فلن تقوم حضارة. أنتم مجاهدون في ساحة المعركة ضدّ الجهل والأميّة. لاحظوا، إنّكم بجهادكم تخرجون الشابّ والطفل والحَدِث من وادي الأميّة والظلمات إلى وادي النور والعلم، وهذه عمليّة صعبة. أنتم في الواقع تصنعون الهويّة الثقافية، وصناعة الهويّة قضيّة على جانب كبير جدًّا من الأهمية؛ صناعة الهوية للأفراد في المجتمع قضيّة بالغة الأهمية، ومن المهم جدًّا أن يشعر الأفراد بهويّتهم. هوية الإنسان بثقافته وبمعلوماته وبأسلوب حياته. الحضارة قائمة على أساس الثقافة، وإذا لم تتوافر الثقافة القويّة الغنيّة فلن تظهر الحضارة بمعناها المصطلح الشائع.
ما هي الثقافة؟ إنّها مجموعة العناصر البانية والمكوّنة لفكر الإنسان وسلوكه، هذه هي الثقافة. من أين تنبع هذه الثقافة؟ الثقافة بدورها تعتمد على الفكر والتفكير والرؤية الكونية، وطبيعة فهم الإنسان والمجتمعات البشريّة للعالم والوجود والخلقة وما إلى ذلك. هذه هي الركائز الأساسية للثقافة والحضارة.
الهدف المنشود
على [جهاز] التربية والتعليم أن يتمكّن من تربية أناس علماء، أقوياء، عقلاء، ورعين، متّقين، عفيفين، كفوئين، مبتكرين، شجعان، من أهل المبادرة، لا يخافون الأعداء ولا يخشون التهديدات، ولا يظهرون غفلة أو عدم إحساس بالمسؤوليّة؛ عليها أن تربّي أناسًا من هذا النوع. إذا ما حصل هذا فسيصل هذا البلد إلى ذلك الوضع الذي تمنّيته وتحدّثت عنه ووعدت به، وسوف يتحقّق ذلك إن شاء الله.
كيف نصل الى الهدف المنشود؟
من أجل التحوّل في التربية والتعليم لا بدّ من الروح الثورية. الروح الثورية تعني أن لا تخافوا، ولا تأبهوا لشيء، ولا تتحفّظوا وتحجموا عن القيام بالأعمال، فعندما تشخّصون شيئًا، تعملون به، وتقدمون وتبادرون، وتمضون قدمًا ولا ترضون بالتوقّف؛ لا تقوموا بالأعمال الشكليّة. أحيانًا يقوم الإنسان بعمل ينطوي على شيء من الشكليّات والمظاهر، هذا سمّ قاتل. لا، قوموا بالأعمال بنحو جادّ، فهذه الأمور تجعل التحوّل ممكنًا وعمليًّا وتحقّقه. بالتأكيد، عندما أقول لا تتوقّفوا، وتقدّموا وسيروا، وبادروا وأقدموا، فلا يعني ذلك أن لا تصغوا للنقد العلمي إذا طرح عليكم، لا، أبدًا، فمن الأعمال والممارسات الثورية الإصغاء إلى النقد العلمي، وتثمينه ومعرفة قدره، والترحيب بالناقد والناقدين.
علامات السير الصحيح
لقد قلت مراراً سواء للطلبة الجامعيين، أو لعموم الشباب في البلاد، أو لتلاميذ المدارس أنّ أجواءهم يجب أن تكون أجواء حيويّة ونشاط وحركة، والكثيرون يفهمون هذا الكلام بشكل خاطئ! يتصوّرون أنّنا عندما نقول النشاط والحيويّة فيجب أن يكون هناك دبك وعزف ورقص. ليس هذا هو النشاط والحيويّة. معنى النشاط أن يكون الطالب متوثّبًا حيويًا، لا خاملًا ولا ذابلًا، وذلك عن طريق الرياضة والبرامج الإضافية المفيدة والجذّابة وما إلى ذلك، لا بتلك الأمور التي تسمع عن بعض المدارس، وهذا ما ينبغي أن تراقبوه أنتم أنفسكم وتتابعوه، أي إنّ مسؤوليته المباشرة تقع على عاتق التربية والتعليم نفسها... الضغوط الدراسية تكون أحياناً على الضدّ من الحيوية والنشاط، في بعض المدارس يضغطون في الدراسة على هذا الحَدِث أو الشاب إلى درجة نجد أنّه يذبل ويصاب بالكآبة، هذا ما يراه المرء في بعض المدارس. وقد تكون نواياهم حسنة إن شاء الله، لكنّ البعض يقولون إنّهم يقومون بهذا الأمر من أجل أن يذيع صيت مركزهم التعليمي في امتحانات دخول الجامعات. فهم لا يفكرون في الشاب، بل في مركزهم التعليمي ليقولوا: قبل منّا في امتحانات دخول الجامعات العدد الكذائي من الطلاب، أو العدد الكذائي من الذين أحرزوا مرتبة أقل من مائة وما شاكل. يضغطون على الشاب والحدث من أجل الصيت والشهرة. أعتقد أنّه ينبغي التفكير في هذه الأمور، وهذه كلّها أمور تحتاج إلى عمل وتفكير ومتابعة. هذه أيضًا نقطة مهمّة.
طرحتُ قضية امتحانات دخول الجامعات، ويجب أن تفكّروا في هذا الموضوع أيضًا. أنا حتمًا لا أدلي بأيّ رأي، فأنا حقًّا لست خبيرًا في هذه المسألة، لكن ليجتمع خبراء التربية والتعليم ويفكّروا وينظروا هل ينبغي الإبقاء على هذه الامتحانات أو إلغاؤها، وهل تبقى بهذا النحو أم يجري تغييرها، هذا والحال أنّ الجامعات تقول إنّ لدينا مقاعد شاغرة، ويعلن في كلّ عام عن وجود مقاعد شاغرة في الجامعات وصفوفها الدراسيّة. بالتالي اجتمعوا وفكّروا تفكيرًا صحيحًا عميقًا وعمليًا ثم نفّذوا واعملوا تبعًا لذلك وعالجوا هذه القضية.
صون المعلم وحفظه
المعلّم محترم، وشريف وله عزّته، وينبغي الحفاظ على عزّة نفسه. ينبغي أن يكون التعامل في خصوص المداخيل المالية للمعلّمين بحيث لا تنخدش معه عزّة نفس المعلّم. هناك أفراد ينتمون لتيّارات وأحزاب سياسيّة مختلفة، ويتحرّكون أحيانًا مع الأيادي الغريبة، يفكّرون بهذه الطريقة ويحاولون استغلال نقطة الضعف هذه لأغراضهم الخاصة. تلك قضية، لكن بصرف النظر عنها، ينبغي العمل بطريقة تحفظ كرامة المعلّم وعزّة نفسه.
وهناك قضية إتقان المهارات التي سبق أن ركّزت عليها. بمعنى تطبيق المكتشفات العلمية على الصعيد العملي وتنفيذها، وتعليمها للتلاميذ والشباب والطلبة الجامعيّين، والمركز الأساسي لذلك هو، بالتأكيد، التربية والتعليم. بمعنى أن الأمر يجب أن يبدأ من الثانوية ومن المدرسة. إذا ما حصل هذا، انبعثت روح اكتساب المهارات لدى الشابّ، أي إذا تعلّم كيف يمكنه تطبيق المكتشفات العلمية على الصعيد العملي، فسوف يستتبع ذلك الكثير من الخيرات والبركات في المستقبل.
من كلمة الإمام الخامنئي في لقائه حشداً من المعلّمين والعاملين في وزارة التربية والتعليم بمناسبة يوم المعلّم (بتصرف)
01/05/2019 م


التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

الامام السيد علي الخامنئي