هويتنا الثقافية كيف نحميها؟

الرئيسية/ مفاتيح النجاح

الامام السيد علي الخامنئي
إنّ الثقافة هي هُوية أيّ شعبٍ. القيم الثقافية هي روح الشعب ومعناه الحقيقيّ. كلُّ شيءٍ مرتبط بالثقافة. الثقافة ليست هامشًا للاقتصاد وتابعًا له، ليست هامشًا للسياسة وتابعة لها، بل إنّ الاقتصاد والسياسة هما تابعان للثقافة وهامشًا لها. إننا حين نريد أن نقوم بحركة أساسية في مجال الاقتصاد أو السياسة أو العمران أو التقنيات أو إنتاج العلم والتقدّم العلمي، ينبغي أن نلتفت إلى لوازمها الثقافية.
الألعاب والدمى أدوات ثقافية
الغزو الثقافي واقعٌ موجود. إنّ المئات من وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والإنترنتية والمكتوبة في العالم اليوم، تعمل على التأثير على ذهن شعبنا وعلى سلوك شعبنا؛ على الشاب والفتى وحتى الطفل. الألعاب الإنترنتية من جملة هذه الامور؛ الألعاب والدمى التي تُستورد الى البلد هي كذلك أيضًا. وكم تحسَرت أنا على موضوع إنتاج ألعاب ودمى محليّة جذّابة وهادفة، مطالبًا بعض المسؤولين بأن يتابعوا هذا العمل. حسنٌ، قام أصدقاؤنا في إحدى المؤسسات الناشطة بصناعة دمًى جيدة؛ كانت نوعيتها جيدة. في البداية، ثارت ثائرة الجهة المقابلة- أي المخالفين الأجانب- بأنّ هؤلاء قد صنعوا هذه الدمى في مواجهة "باربي" وأمثالها؛ ولكنّها لم تصل للهدف المنشود. أنا قلت لهم بأنّ مشكلة عملكم هي هذه: لقد جئتم وأحضرتم إلى الأسواق دمية بنت وصبي بالاسم الفلاني، لكن أولادنا لم يكونوا يعرفون هذه الدمى بالأصل - لاحظوا، حين نقول ملف ثقافي مرفق، فهذا ما نعنيه- حسنٌ، إنها دمية فقط، والحال أنّ الولد عندنا يعرف "الرجل العنكبوت" ويعرف "الرجل الوطواط" حيث أُنتجت عشرة أو عشرين فيلمًا (عن هذه الشخصيات) والولد قد شاهد هذه الأفلام، فيما بعد عندما يشاهد هذه الدمية التي عرفها في الفيلم، في المتجر، سيقول لأبيه وأمه: اشتروا لي هذه؛ فهو يعرف هذه الدمية؛ هذا هو المرفق الثقافي. كان عليكم، عندما صنعتم هذه الدمية، إضافةً الى اللعبة نفسها، أن تنتجوا عشرة أو عشرين فيلمًا للأطفال، للتعريف والترويج لهذه اللعبة بين الاطفال؛ حين تصبح معروفة فسيشترونها بأنفسهم. ولكن، عندما لم تُعرّف وتنزل الى الاسواق فإنها تتعرّض للإفلاس؛ وقد أفلست. ينبغي الانتباه بدقة الى هذه الدرجة.
كتب تعليم اللغة تغزونا ثقافيًا
حسن، كل كتب تعليم اللغة الانكليزية، والتي تمّ إعدادها بشكل متقن وأساليب جديدة ومؤثرة، هي ناقلة لنمط الحياة الغربية؛ أسلوب العيش الإنكليزي. عندما يدرس ولدنا، فتانا وشابّنا هذه الكتب، فإنه لا يتعلّم اللغة فقط؛ حتى أنه من الممكن أن ينسى تلك اللغة، لكن أكثر ما يترك أثرًا فيه هو ذلك الانطباع والتأثير الذي يحصل عند قراءة هذا الكتاب عن نمط الحياة الغربية؛ فهذا يبقى ولا يزول.
حسن، ما العمل الواجب في مواجهة هؤلاء؟ أمران مطلوبان في مقابل هؤلاء: أحدهما "العمل" والآخر "الإبداع"؛ مأمر، هذان العملان والأمران المهمان ينبغي وضعهما نُصبَ أعيننا؛ يجب علينا العمل، والعمل يجب أن يكون إبداعيًا أيضًا.
الفيلم هو شيءٌ جذّاب؛ السينما هي أداة شديدة الجاذبية، وسيلة إعلام ممتازة، حاليًا لا شيء آخر كالسينما من حيث القدرة على التأثير؛ حسنٌ، اعملوا على هذا المجال؛ أنتجوا أعمالًا إبداعية؛ وهكذا بالنسبة إلى الألعاب وكذلك ألعاب الحاسوب، والدُمى أيضًا. هذه أشياء مطلوبة وضرورية. صارت البندقية هي اللعبة الرائجة لأولادنا! ما هذا! الأمريكيون الذين هم "السابقون السابقون" في هذا المجال (العنف في ألعاب الأطفال) نادمون الآن! محتارون في أمرهم ماذا يفعلون. أولادنا الذين كانوا يلعبون "الگ دولگ" ("بریّة" رمی الخشبة من فوق حجرين) والتي كانت لعبة جيدة مليئة بالنشاط، وكانوا يلعبون "گرگم به هوا" (لعبة تشبه اللقّيطة) والتي كانت لعبة جيدة جدًّا تجمع بين الرياضة واللعب والتسلية، وكذلك تلك اللعبة "خط كش ولي لي" (لعبة الإكس التي ترسم على الارض ويجري القفز بين مربعاتها) - كانت هذه ألعاب أولادنا- فأحضرنا هؤلاء الأولاد وأجلسناهم أمام الإنترنت، حيث لا حركة ولا نشاط بدنيّ، ولا حركة روحية، ويتمّ السيطرة بواسطتها على أذهانهم من قِبَل الطرف المواجه لنا. حسنٌ، تعالوا وأنتجوا ألعابًا، وروّجوا لألعاب، هذه الألعاب التي ذكرتها الآن وعشرات الألعاب المشابهة والتي كانت رائجة بين أولادنا منذ القِدَم، أعيدوا إحياءها وقوموا بالترويج لها، فهذا من الأعمال المطلوبة، نشر هذه الألعاب والترويج لها. لا ينبغي لنا أن ننظر دائمًا لنرىّ الغربيين وأيّ ألعابٍ يتبنّون ويدعمون فنقوم نحن بدورنا بدعم هذه الألعاب.
أولادنا-أحفادي- يعرفون جيدًا أسماء لاعبي ونجوم كرة القدم، يتحدّثون عنهم واحدًا واحدًا وبشكلٍ متكرّر، ولكنّهم لا يعرفون اسم العالم الفلانيّ المعاصر على سبيل المثال؛ اذكروا لهم اسمه فلا يعرفون من هو؛ هذا أمرٌ سيء، يجب علينا العمل على هذه الأمور.
إنّني أقول بأنّ علينا في مواجهة مسائل الغزو (الثقافي)، أن نتعرّف على الظاهرة عند أول انتشارها، وحتى قبل أن تصل إلينا، افرضوا بأنّ شيئًا ما، فكرة ما، أسلوبًا معيَّنًا قد انتشر في العالم؛ وواضح أنّه سيصل إلى هنا- فالعالم اليوم عالم اتّصالات وتواصل وارتباط ولا يمكن إقامة أسوار- قبل أن يصل هذا الأمر، عليكم أن تفكّروا: ما هو أسلوب التعامل الحكيم معه؟ وهذا لا يعني بأنّنا دائمًا نرفض (ما يصل إلينا)؛ كلاّ، يوجد أحيانًا ظاهرة يمكن أن نقبلها، وأحيانًا، يوجد ظاهرة يمكننا إصلاحها، أو ظاهرة يمكننا أن نضيف عليها ملحقًا فتزول مشكلتها وآثارها السلبية. إنّ التأخّر في النهوض والتصديّ والإدراك والتفكير في المعالجة يؤدي إلى هذه المشكلات التي تجعلكم في أوضاع لا يمكن لكم مواجهتها. فإذاً، أنا لا أقول أن نكون فقط في حالة دفاعية- بالتأكيد حين يكون هناك هجوم، يجب على الإنسان أن يدافع، هذا لا شكّ فيه- توصيتي ليست فقط بالحالة الدفاعية؛ لكن ينبغي علينا التحلّي بالموقف الإثباتي، الوضع الهجومي، حالة الحركة الصحيحة. وعلى أيّ حال، فإنّه وفي مقابل الثقافة المهاجمة، إنّ أسوأ عمل هو الانفعال؛ أقبح عملٍ هو الانفعال؛ أكثر عمل يؤدّي لأفدح الخسائر هو الانفعال. الثقافة المهاجمة لا ينبغي أن تجعلنا في موقع ردّة الفعل والانفعال؛ الحدّ الأقصى هو أن نقول: حسنٌ جدًّا، إنّنا في مواجهة هذا الهجوم لا يمكننا أن نقوم بأيّ حركة! ولكن لا نصبح منفعلين (حتى في هذه الحالة). الانفعال وتقبّل هجوم العدو هو خطأ ينبغي تجنّبه.


الامام السيد علي الخامنئي؛ 10-12-2013
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

الامام السيد علي الخامنئي