النّخبُ الشَّبابيَّة

الرئيسية/ مفاتيح النجاح

الامام السيد علي الخامنئي
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، لا سيما بقية الله في الأرضين.
تأثيرُ النّخب في التَّخطيط لشؤون البلاد:
إنَّ الإنسان عندما ينظر ويرى عشرات الآلاف من النّخب في كلّ أرجاء البلاد يعملون في قطاعات مختلفة، فإنَّ هذه الصورة تُصحّحُ نظرة الإنسان لقضايا البلاد وتعطيه الصّورة الصّحيحة، وهي تبعث على الرّضا والسّرور.
أحيانًا لا توجد في البلاد عقولٌ نشطةٌ ومفكّرة، فيخطّط المرء لقضايا البلاد بِشكلٍ محدّد، ولكن عندما تكون هناك آلاف الطّاقات الشّابة النّشطة والنّخبة وصاحبة الأفكار الكبرى- ولا شكَّ أنّ بين هؤلاء عددًا من ذوي القدرات والمؤهّلات الإداريّة، لأنَّ الأفكار الكبرى لا تترافق دومًا مع القدرة على الإدارة ، ففي ضوء كلّ هذه الطّاقات- يتمّ التّخطيط للبلاد بشكلٍ آخر.
دور النّخب في التّقدّم العلمي في البلاد:
نحن بحاجة إلى التّقدّم من النّاحية العلميّة. هذه حاجتنا الأكيدة. إذا لم نتقدَّم من النّاحية العلميّة فسيكون تهديد أعدائنا الحضاريّين وأعدائنا الثقافيّين والسياسيّين تهديدًا دائمًا؛ أمّا إذا تقدَّمنا علميًا فإنّ هذا التّهديد سوف يتوقّف أو تقلُّ مخاطره. لقد شدَّدت مرارًا على هذه النقطة. منذ قرابة عشرين عامًا وأنا أركّز على هذه النّقطة، وقد ذكرت مِرارًا هذا الحديث الشّريف: «اَلعِلمُ سُلطانٌ» (1)؛ العلم قوّة وقدرة. النّظر للنّخب يكتسب أهميّته من هذه الزّاوية أيضًا. بمقدورِ النّخب أن يعملوا على تقدّم العِلم في البلاد، وإيصال البلد إلى مقام الاقتدار والعزّة الذي يُقلّل من تعرّضه للمخاطر والتّهديدات.
التّقدّم بحدودِ العِلْمِ إلى الأمام:
للعلوم على المستوى البشري ـ لا على مستوى البلاد ـ حدودها المعيّنة في الوقت الحاضر. حسنًا، لنَقمْ بدورٍ في مجال تحطيم هذه الحدود والتّقدم بها إلى الأمام وتوسيع حدود العِلْم. لقد كانت مساهمتنا في هذا المضمار ضئيلةً جدًا خلال القرون الأخيرة. بمقدورنا أن نساهم [أكثر]. الآخرون هم الّذين اكتشفوا الطّاقة البخاريّة، وكذلك الطّاقة الكهربائيّة، وغيرها من الاختراعات. ونحن أيضًا يجب أن يكون لنا إسهامنا ودورنا، وينبغي أن نفتح حدود العلم في البلاد ونتقدّم إلى الأمام. هذه الطّبيعة الّتي خلقها الله فيها طاقات وقوى كثيرة جدًّا. ليفكّرْ نخبتنا ويكتشفوا الطّاقات الجديدة في الطّبيعة. هذه الكهرباء كانت موجودةً منذ بداية خلق هذا العالم، لكنّنا لم نكن نعلم بوجودها. لم يكن البشر يعلمون بها ولم يكونوا ينتفعون منها، وفي فترةٍ لاحقة اكتشفها عقلٌ متفوّق وفِكْرٌ نخبويّ، وأصبحت الآن محور كلّ الحضارات البشرية؛ فما الإشكال في أن تفكّروا بأنّ هناك عشر طاقات أو عشرين طاقة أخرى في الطّبيعة يمكنها أن تؤثّر بنفس الدّرجة في حياة البشر وتقدّمِهم وسعادتِهم؟ يجب على نُخَبِنا أن يكتشفوا عدد هذه الطّاقات الكامنة والإمكانات الخفيّة. ينبغي أن نَتوسَّع بحدود الاكتشافات والعلوم. إذاً نحن ننظر للنّخب من هذه الزّاوية أيضًا. لاحِظوا، إنني حين أرى للنّخبة كلّ هذه القيمة والاحترام، فمن هذه المنطلقات وزوايا النظر، يمكن لنُخبتنا أن يكونوا مؤثّرين في واقع الحياة وفي واقع التّخطيط وفي واقع تقدُّم البلاد وتقدّم البشرية.
لاحِظوا كم كنّا متأخّرين!
حسنًا، ثمّة نقطة لا أستطيع أن لا أذكرها هنا، وهي النّظر لماضي بلادنا المرير على مدى المئتي سنة الماضيَتين. أنتم الشباب، وخصوصًا الذين درسوا الفروع العلميّة وما شاكل، قلَّما لديكم اطلاع على هذا الجانب، لأنكم للأسف لا تقرأون التّاريخ عادةً. لقد تأخّرنا عن قافلة العِلم في العالم مدّة مائتي عام تقريبًا، بسبب عدم الاكتراث للنّخب وعدم الاكتراث للمواهب. حسنًا، هذه المواهب التي ترونها في البلاد اليوم لم تظهر فجأة وفي لحظة واحدة، فلقد كانت موجودة على مدى التّاريخ، والدليل على ذلك وجود الفارابي وابن سينا والخوارزمي ومئات العلماء الكبار المعروفين في التّاريخ والمشهورين في العالم ـ إذاً لقد كانت هذه المواهب موجودة، فلماذا تأخّرنا هكذا خلال الأعوام المئتين الأخيرة عندما تقدَّم العلم بهذه الوتيرة المتسارعة؟ هذا ماضٍ عجيبٌ مريرٌ للغاية.
لقد كان هذا بسبب عدم كفاءة الحُكّام، وليس له سبب آخر. الحكّام غير الأكفّاء واللاهثون وراء الدّنيا والماديّون والعملاء وعديمو الهمّة والغيرة كانوا يتكبّرون ويتبخترون مقابل الشّعب؛ لكنّهم كانوا ينحنون حتّى الركوع أمام الأجنبي، ولم يكونوا يفكّرون في مصالح شعبهم. لقد كان هذا هو وضع بلادنا.
أنتم الشّباب الصّالحين المؤمنين المفكّرين الأذكياء، يجب أن تعلموا هذه الأمور عن بلادكم ـ لم يكن يجري إعداد نخبة، وإذا ظهر شخص [نخبوي]،كانوا يُذيقونه الويلات بذاك الشّكل.
توصيات بشأن النّخبة:
إحدى النّقاط هي أنّه يجب أن يكون هناك تواصل وتعامل متبادل بين النّخب ونظام الإدارة في البلاد. ينبغي أن يكون هذا التّواصل والتّعامل ثُنائيًّا من الطّرفين.
معنى هذا التّعامل المتبادل: من ناحية النّخب، عليهم أن يُوظِّفوا كلَّ إمكاناتهم لتقدّم البلاد. طبعًا قد يستطيعون أحيانًا القيام بهذا العمل بشكل شخصيّ، وأحيانًا يجب على أجهزة الحكومة أن تساعد. إذاً دور النّخبة هو أن يتقدّموا ببلادهم ويضعوا طاقاتهم ومواهبهم وقدراتهم في خدمة بلدهم. وأمّا من ناحية الأجهزة الحكوميّة والنّظام الإداري في البلاد، فعليهم أن يقدّموا الخدمات ويرفعوا العقبات ولا يسمحوا بتخلّف النّخب عن ممارسة دورهم؛ فإذا تخلَّفَ النّخبُ عندنا عن ممارسة دورهم سوف يتخلّف البلد كلّه. ينبغي للنّخبة أن يتحركوا وينشطوا ويتقدّموا، وإلّا فإنّه لا يكفي مجرد أن يكونوا نخبة. النّخب الرّوّاد والفعّالون والنّشطون هم ثروة عظيمة للبلاد.
يجب تقوية الهويّة الوطنيّة لدى نخب البلاد، ينبغي أن يتباهوا بأنّهم أتباع تاريخٍ شريفٍ وقيِّم جدًّا. لقد انتشرت علومنا ذات يوم في العالم، وفلسفتنا كانت ذات يوم أرقى فلسفة في العالم، وكذا الحال بالنسبة لعلمائنا وحقوقنا وفقهنا. نحن استمرار وتتمة ذلك التّاريخ. طبعًا حصل انقطاعٌ ؛ قلتُ إنّه حصل انقطاع لمدة مائتي سنة على الأقلّ ؛ ولكن بعد انتصار الثّورة الإسلاميّة استُؤنفت تلك المسيرة التّاريخية العظيمة وتقدّمَت رغم كلّ المشكلات ورغم كلّ العراقيل. يجب أن نفخر بالهويّة الوطنيّة والمُثُلِ العُليا.
ثمة عبء ثقيل على كاهلكم أيها النّخبة؛ مواهبكم ونخبويّتكم تضع على عاتقكم مسؤوليّة. طبعًا هذه المسؤوليّة كَكُلّ المسؤوليّات مَبْعث شرفٍ ومجد وعزة في الدّنيا والآخرة، وستكونون مرفوعي الرؤوس في الدّنيا وفي الآخرةِ إن شاء الله.



مقتبس من كلمة الإمام الخامنئي مع الشباب النخب 17-10-2018
1.شرح ‏نهج ‏البلاغة ج : 20 ص : 31
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

الامام السيد علي الخامنئي