في خدمة العقل

الرئيسية/ مفاتيح النجاح

الامام السيد علي الخامنئي
أهمية الجامعة للبلاد: إعداد القوة العاقلة
أيها الإخوة الأعزاء أيتها الأخوات العزيزات: الجامعة مركزٌ مهمٌّ جدًّا. نقول هذا عن إيمان قلبي عميق. ولديّ دليلي على هذه القضية. لماذا؟ لأن الجامعة هي إحدى المراكز المهمة لإعداد وتخريج القوة العاقلة في البلاد. [نعم] إعداد القوة العاقلة في البلاد. فما من بلد يمكن أن يُدار ويتقدم من دون وجود قوة عاقلة. لاحظوا أنَّ هاتين المقدمتين تعطيان نتيجة وهي أنّ الجامعة الجيدة ذات أهمية حيوية بالنسبة للبلاد. حسنٌ، للأساتذة دور استثنائي في الجامعة. أي إن للأستاذ دورًا خاصًّا في هذه العمليّة؛ عملية صناعة القوة العاقلة وإعدادها لإدارة البلاد. ولذا، فمكانة الأساتذة مهمة وحساسة وخطيرة جدًّا...
مستلزمات قيام الجامعة بدورها
إذا أرادت الجامعة ممارسة هذا الدور ـ دور إيجاد وإعداد وتخريج القوة العاقلة للبلاد ـ بشكل صحيح فإنَّ لهذا مستلزماته التي ينبغي لها بالتأكيد التنبّه لها ومراعاتها. وقد سجَّلت هنا ثلاثة من هذه المستلزمات، سأتحدث عن كل واحد منها باختصار.
التصدّي لقضايا البلاد والخوض فيها. بمعنى أن لا تعدّ الجامعة نفسها منفصلة عن قضايا البلاد، وأن تكون قضايا البلاد والتحدّيات التي تواجهها قضايا واقعية وحقيقية وأصلية للجامعة.
الاهتمام بتربية الطلبة الجامعيين من حيث الثقافة والأخلاق والهوية. أي أنَّ قضية التربية تفوق قضية التعليم. وطبعًا التربية ذات التوجّه الأخلاقي والمعنوي والتلطيف الروحي وبثّ روح الشعور بالهوية في شريحة الطلبة الجامعيين الشباب.
أن تكون هناك حالة حراك وصيرورة دائمة في الأجواء الجامعية؛ كل مؤسسات العالم تحتاج إلى التحوّل والتطوّر، ولأنّ البشرية في حال تحوّل وتقدّم وحركة، لذا على كل المؤسسات البشرية أن توجد في داخلها القدرة على التحوّل المستمر وأن تكون هذه الحال همًّا تحمله هذه المؤسسات. ثانيًا، جامعاتنا ـ ونقولها بصراحة ـ تأسّست بشكل خاطئ؛ أُرسيت أسسها منذ البداية بشكل خاطئ. وليس معنى هذا أنّ الأجواء الجامعية أجواء فاسدة وسيئة. لا، فلحسن الحظّ كانت لجامعاتنا نتاجات جيدة جدًّا. لكن أُسس الجامعة وضعت في زمن الحكم الطاغوتي من قبل أناس غير موثوقين وبسياسات غير موثوقة، ولا يزال هذا البناء قائمًا. لقد أسّسوا الجامعات على أساس تنحية الدين واجتثاثه، وأرسوا دعائمها على أساس التقليد العلمي وليس الابتكار والإنتاج العلمي. هكذا تأسّست الجامعات، ولا تزال بعض آثار ذلك مستمرة إلى اليوم. لذلك لا بُدَّ من إصلاح وتحوّل وصيرورة داخلية للجامعة بشكل مستمر.
تربية الطلبة بما يؤهّلهم لقيادة المجتمع (في الأخلاق والثقافة والهويّة)
ما هي القوة العاقلة؟ وما هو العقل؟ العقل في الأدبيات الإسلامية ليس مجرّد ذلك الجهاز الذي ينجز لنا الحسابات المادية، لا؛ «اَلعَقلُ‌ما عُبِدَ بِهِ‌الرَّحمٰنُ‌وَاكتُسِبَ بِهِ الجنان» (2). هذا هو العقل. «اَلعَقلُ‌يهدي‌وَينجي» (3). ينبغي للعقل أن يستطيع التسامي بالإنسان. العقل في مستوى من المستويات هو ذلك العامل الذي يوصل الإنسان إلى مقام القرب ومقام التوحيد. وبمستوى أدنى منه، العقل هو ذلك الشيء الذي يوصل الإنسان إلى نمط الحياة الإسلامية. وبمستوى آخر، العقل هو ذلك الشيء الذي ينظّم العلاقات المادية للحياة الدنيا. هذا كلّه من عمل العقل. العقل والقوة العاقلة هي تلك القوّة التي يمكن أن تتوفّر على كل هذه الأشياء، لذا فهي بحاجة إلى التربية المعنوية. رَبّوا الطلبة الجامعيين تربية معنوية. هؤلاء شباب، والشاب لطيف بنحو طبيعي وطاهر نسبيًّا وله قابليّة السير بالاتجاه المعنوي، وهذا ما يجب توفيره في الجامعة. «لا يُستَعانُ‌عَلَى‌الدَّهرِ إلّا بِالعَقل» (4). الحياة غير ممكنة من دون العقل. لذا ينبغي أن يكون الجانب التربوي لهذه القوة العاقلة قويًّا. وينبغي على الجامعة أن تربّي شبابًا ذوي إيمان وشرف ومبادرة وغير كُسالى ومن أهل الجدّ والسعي والثقة بالنفس وممن يقبلون الحقّ ويطالبون به. هذه خصال الإنسان السامي؛ هذا هو الإنسان الذي يريده الإسلام، وهذا هو الإنسان الذي لو تولّى إدارة المجتمع لاستطاع توجيه المجتمع نحو الصلاح والفلاح. وإلّا افترضوا مثلًا أنّه من الشائع الآن في الفضاء الافتراضي أن يسيء الناس إلى بعضهم البعض، وأن يتّهم هذا ذاك، وذاك يتّهم هذا، وأن يُضخِّموا نقطة ضعف صغيرة، ويُريقوا ماء وجه إنسان مؤمن ولا يُعلم من هو، طبعًا هذا شيء سيّئ جدًّا. ثمّة مثل هذه الأشياء بين شبابنا ويجب الحؤول دونها، وهذا الشيء ممكن بالتربية المعنوية.
تربية الطلاب على أخلاق الحياة الإسلامية
في مجلس الرسول (ص) نال شخصٌ من عرض مؤمن وأراق ماء وجهه ـ ولم تذكر الرواية بأيّ شكلٍ نال منه ـ ودافع شخص آخر عن ذلك المؤمن الذي جرى النيل منه. فقال الرسول (ص) إنّ هذا الذي فعلته ـ حيث دافعت عن حرمة مؤمن ـ حجاب دون نار جهنّم. هذا حجاب دون نار جهنّم. هذا هو نمط الحياة الإسلامية. يعني «ارحَم تُرحَم» (5). ارحم لكي يرحمك الله تعالى. هذا ما يجب تعليمه ونشره بين شبابنا. ينبغي لشبابنا أن يكونوا {أشِدّاءُ على الكفّارِ رُحَماءُ بَينَهُم} (6) ـ هذه الآية التي تُليت هنا ـ يجب أن يتربّى [الشابّ] بهذه الطريقة. أن يقف بوجه الظلم، ويقف بوجه المعتدي، لكنّه يتعامل بعطف وتسامح مع أخيه المؤمن. يجب أن نُعلِّم شبابنا العفو والتجاوز. إذا لم يجرِ تهذيب هذا الشاب اليوم وأصبح غدًا مسؤولًا عن قطاع ما، فسوف ينجز الأعمال بطريقة ضعيفة أو غير موثوقة أو خاطئة. الذي يكون اليوم على استعداد للنيل من شخص ما بدافعٍ من المزاح أو تمضية للوقت أو لإشباع حسّ داخلي، عندما يكون غدًا في تنافس انتخابي مثلًا سيكون على استعداد من أجل الفوز أن يسحق إنسانًا مؤمنًا بالكامل. هذا ما سيصبح عليه [غدًا]. وسيكون لهذا أثره هناك أيضًا.
تربية الطلّاب على الإحساس بالهوية
هناك أيضًا قضية انعدام الهوية. رَبّوا الشاب وخرِّجوه بحيث يكون صاحب هوية. إذا لم يشعر المجتمع بالهوية، فإنّ الأصوات القوية المتعسّفة سوف تهزمه بسهولة. والذي يصمد هو الذي لديه إحساس بالهوية. أحيانًا تكون هذه الهوية هوية وطنية وأحيانًا هوية دينية وأحيانًا هوية إنسانية وأحيانًا تكون "الشرف". مهما يكن، يجب أن يتربّوا [الشباب] وينشأوا على هوية.
تخريج طلّاب متفائلين بمستقبل بلادهم
أيها الأعزاء، على الجامعة أن تخرِّج طلّابًا متفائلين بالمستقبل وأصحاب نظرة إيجابية لوضع البلاد والمستقبل. هذه هي القضية الأهم. على الطالب الجامعي اليوم أن يكون واثقًا من أنّه في الغد عندما يصل الدور إليه في الإدارة والكفاءة والتدبير والإصلاح وما شاكل، فإنّ ما سيستلمه هو بلد أفضل من اليوم. ينبغي منح الطالب الجامعي هذا الأمل: أن يكون مؤمنًا بقدرات البلاد، ومؤمنًا بنجاحات البلاد ـ سواء النجاحات على المستوى الداخلي أو الخارجي ـ ومؤمنًا بتقدّم البلاد وبقدراتها وقدرة البلد على صناعة المستقبل. يجب أن يكون مؤمنًا [بهذا] ويعرف مكانة البلاد في العالم.
تصحيح وإصلاح أمور الجامعات
من استهلاك العلم إلى إنتاجه

من هذه المصاديق الواضحة أن نبدّل توجّه استهلاك العلم إلى توجّه إنتاج العلم. إلى متى يجب أن نجلس ونكون مستهلكين للعلم؟ إنّني لا أعارض أبدًا تعلُّم العلم من الآخرين، وهذا ما قلته مرارًا والكل يعلمه. قلت إنّنا لا نشعر بالعار من أن نتعلّم من شخص يحمل علمًا ونتتلمذ على يده، لكن التتلمذ شيء والتقليد شيء آخر! إلى متى نتبع علم هذا وذاك؟ لماذا عندما يُقال في مجال العلوم الإنسانية [تعالوا] لنجلس ونفكّر ونستخرج العلوم الإنسانية الإسلامية، ترى البعض يضجّون ويثورون فورًا ويقولون «يا سيدي هل هذا علم»؟ ... في العلوم التجريبيّة التي يمكن اختبار علميّتها ونتائجها في المختبرات، بدأ يثبت خطأ الكثير من المكتشفات والمعطيات العلمية يومًا بعد يوم، وتتوقّعون أن لا تكون هناك أخطاء في العلوم الإنسانية؟ كم توجد في الاقتصاد آراء متعارضة ومتضادة؟ في الإدارة وفي شتّى قضايا العلوم الإنسانية، وفي الفلسفة، توجد كل هذه الآراء المتعارضة، أي علم [هو المطلوب؟] العلم هو الشيء الذي تتوصّل أنت له وتستطيع فهمه ويترشّح من داخل ذهنك الفعّال النشط. يجب أن نسعى إلى أن ننتج العلم بأنفسنا، فإلى متى نستهلك علوم هذا وذاك؟ نعم، لا مانع لدينا من أن نستفيد من علوم الآخرين مثلما نأخذ البضاعة التي لا نمتلكها من الآخر الذي يمتلكها ونستفيد منها، لكن هذا لا يمكنه أن يكون بشكل دائم ويستمرّ إلى الأبد. أحيانًا لا ينتقل علم الآخرين إلينا بصورة صحيحة، وأحيانًا لا يعطوننا الجزء الإيجابي الجيّد منه، وأحيانًا لا يعطوننا النسخة المستحدثة منه، وهذا ما حدث مرارًا في بلادنا للأسف خلال سنوات حكم الطاغوت. علينا أن لا نكرّر التجارب. لذا، ينبغي أن ننتج العلم.
لإنتاج دراسات علميّة هادفة
الخطوة الأخرى ترشيد الأبحاث وتوجيهها. لدينا في الوقت الحاضر أبحاث. محورية المقالات والدراسات العلمية في جامعاتنا هي بحدِّ ذاتها قضية ومسألة. البعض يخالفون هذه المحورية، والبعض يقولون لا بُدّ منها. وزيادة عدد المقالات والدراسات العلمية بحدّ ذاتها ـ وخصوصًا المقالات التي يُرجع إليها ـ تمثّل سمعة حسنة للبلاد ولا ضير فيها، لكن ينبغي إنتاج دراسات ومقالات هادفة وموجّهة. هذا ما سبق أن أشرنا إليه، وهو ليس موضوع اليوم، فقبل سنوات تحدّثت أنا وتحدَّث بعض الأساتذة المحترمين هنا وكرّروا بأنّه ينبغي للبحوث أن تكون هادفة؛ لاحظوا ما هي حاجة البلاد، وما هي الفراغات، فلتعمل تلك البحوث على ملء هذه الفراغات وسدّها، فهذا شيء على جانب كبير من الأهمية. ينبغي إخراج البحوث غير الهادفة من دائرة العمل. وبالطبع فإنّ هدف البحث يفترض أن يتمثّل بشيئين: الأوّل تحقيق المرجعية العلمية والتواجد بين مجموعة روّاد العلم والتقنية، والثاني حلّ قضايا البلاد ومشكلاتها الحالية والمستقبلية. وهذان الهدفان لا يتعارضان مع بعضهما البعض. سمعت أنّ البعض يقول: «كيف لا يتعارضان يا أخي؟ هل هذا الهدف صحيح أم ذاك؟» كلاهما صحيح. فالبحث ينبغي أن يكون من أجل الارتقاء إلى قمّة العلم وتحقيق المرجعية العلمية ـ وسنصل نحن في المستقبل حتمًا إلى هذه النقطة فنُعدّ مرجعية علمية في العالم ـ وأيضًا لحلّ مشاكل البلاد الراهنة.
لمعالجة ظاهرة الإحجام عن بعض الاختصاصات
القضية التالية هي عدم التوازن فيما بين الاختصاصات الجامعية، فبعض الاختصاصات والحقول تعاني من عزلة وغربة. الإحصائيات التي رفعت إليّ تشير إلى أنّ معدّل المتقدّمين لامتحانات القبول الجامعي في فرع الرياضيات، وهو فرع مهم للغاية، قد انخفض بنسبة خمسين في المائة، وهذا شيء خطير بالنسبة لمستقبل البلاد. إنّنا بحاجة إلى هذه الاختصاصات العلمية الأساسية ـ وخاصّة الرياضيات والفيزياء ـ من أجل المستقبل. وإذا انخفض عدد المتقدّمين في هذه الاختصاصات وحصلت حالات إقبال واسعة وهجوم على الفروع ذات العائدات المالية الكبيرة التي توفّر للإنسان مالًا وشغلًا بنحو فوري سريع، فهذا ما سيؤدّي إلى مشكلة. وينبغي على الأجهزة الجامعية بالتأكيد تعويض وتلافي وإصلاح مستتبعات عدم التوازن هذا.
كلمة الإمام الخامنئي في لقائه جمعًا من أساتذة الجامعات والنخبة والباحثين الجامعيين بمناسبة شهر رمضان المبارك10/6/2018


1 ـ في بداية هذا اللقاء الذي أقيم في يوم الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك 1439 هـ ق تحدَّث ثلاثة عشر أستاذًا من أساتذة الجامعات الإيرانيين، عرضوا آراءهم واقتراحاتهم في شتى القضايا.
2 ـ الكافي، ج1، ص 11.
3 ـ غرر الحكم ودرر الكلم، ص 124.
4 ـ بحار الأنوار، ج75، ص 7.
5 ـ أمالي الصدوق، المجلس السابع والثلاثين، ص 209.
6 ـ سورة الفتح، شطر من الآية 29.


التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

الامام السيد علي الخامنئي