أي جيل تخرّجه المدرسة؟

الرئيسية/ مفاتيح النجاح

الامام السيد علي الخامنئي
نحو تربيةٍ صانعةٍ للعدالة..
إن اتجاه التربية والتعليم في البلاد يجب أن يكون متوجهًا نحو التحلّي بالعدالة. يجب أن تسعى مؤسسات التربية والتعليم في البلاد لتربية الأجيال على العدالة، وتُخرِّج مطالبين بالعدالة وصنّاعًا للعدالة، لأنَّ العدالة هي تلك القيمة السامية التي كان كل أبناء البشر دائمًا، منذ فجر التاريخ وإلى اليوم، يتطلعون إليها. تتغير القيم بمرور الزمان وبتعاقب الأجيال، لكنّ بعض القيم تبقى ثابتة من البداية حتى النهاية، والعدالة من هذه القيم الثابتة. لاحظوا، الأديان التي تؤمن بالمهدوية ـ وجميع الأديان الإلهية تقريبًا تؤمن بالمهدوية ـ تعتقد أنَّ المنقذ عندما يأتي يملأ العالم قسطًا وعدلًا، ولم تقل يملأها دينًا، بل يملأها قسطًا وعدلًا. وفي هذا دلالة على أهمية القسط والعدل. وبالطبع فإنَّ العدل لا يتحقق إلّا في ظل الدين، وهذا أمر يُستدلّ عليه في مكانه، لكنّ قضية القسط والعدل مهمة جدًا. وعلى [مؤسسات] تربيتنا وتعليمنا أن تكون في هذا الاتجاه. يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «وَمَا أخَذَ اللهُ‌عَلَى العُلَماءِ ألّا يقارّوا على كظَّةِ ظالِمٍ ولا سَغَبِ مَظلوم» (4) إنه يبيّن واجب العلماء بأن لا يصبروا على جوع الجياع وتخمة المتخمين، وهذا معناه العدالة.
أهداف التربية والتعليم هي أهداف النظام الإسلامي
إننا نربّي ونخرّج الطلبة الجامعيين والتلاميذ والمتعلّمين لهدف معين وباتجاه مبدأ ومثل أعلى معيّن، وهذا الهدف عبارة عن الهدف نفسه الذي تأسّس النظام الإسلامي من أجله. يهدف النظام الإسلامي إلى بناء عالمٍ ومجتمعٍ رائدٍ، ذي قيمٍ ساميةٍ، متديّن، ملتزم بالشرائع الإلهية، ومتحلٍّ بآفاق نظر لا متناهية. إنّ نظرة الإنسان الذي يعيش في المجتمع الإسلامي والنظام الإسلامي للمستقبل لا يحدّها شيء، في أيّ اتّجاه كانت. وليس فقط من حيث الاتجاهات المعنوية، بل لا يحدها شيء من حيث الاتجاهات المادية والاتجاهات العلمية أيضًا؛ فأفق النظر أكثر تقدمًا وريادة وسعة بكثير مما يؤمن ويقول به أصحاب الهمم العالية في العالم للمجال العلمي مثلًا. آفاق النظر في المجتمع الإسلامي أوسع بكثير.
على التلميذ طوال هذه الاثنتي عشرة سنة أن يجد مكانته في هذه القافلة العظيمة السائرة نحو التقدم في المجتمع الإسلامي، ويجب أن يعلم ما هو دوره ووظيفته في هذه المجموعة العظيمة وفي هذه المسيرة الضخمة؟ ما هي مكانته؟ وما هو شأنه؟ يجب أن يقرر ويرسم لنفسه دورًا، وينبغي أن نربّي أبناءنا بهذه الطريقة. إن التلميذ يتربّى في المدرسة بواسطتكم وعلى أيديكم، فيجب أن يتربى على الشعور بالمسؤولية، وعلى أن يمتلك روح حرّيّة التفكير، وعلى صدق القول، وعلى علوّ الهمّة، وعلى الشجاعة والتضحية والطهارة والعفة والورع. الجيل الذي هو في طور التربية هو بين أيديكم وتحت تصرفكم، ويجب أن يتربّوا على هذه الخصائص والخصال، فهذه هي آفاق الرؤية.
التربية على الهوية الوطنيّة؛ ضمانة عدم الانحراف
ثمة حرب ومعركة في مضمار هذه التربية المهمة وهذه العملية العظيمة. والبعض يريد تحقّق عكس ذلك تمامًا فلا يتربّى الشابّ المؤمن، والشابّ المسلم على هذه الخصائص. على تلميذنا أن يكبر وينمو ويتربّى ويمضي قُدُمًا على الإحساس بالهوية الوطنية. عندما يشعر الشابّ بهويته فسوف يتجنّب الانحراف والخيانة والتراخي والكسل. غالبية هذه الإشكاليات التي تقع أحيانًا، إنما تحصل بسبب عدم شعور الإنسان بالهوية الحقيقية، وعدم شعوره بهويته الوطنية. عندما لا يشعر الإنسان بهويته سيتمكّن الآخرون من جرّه لهذا الاتجاه وذاك الاتجاه.
لحسن الحظ لدينا اليوم نموذج وأسوة في محيط حياتنا، لدينا نماذج مميزة بارزة. لا نعاني حاليًّا من فقدان النموذج لنجري وراء الشخصية الفلانية التاريخية الأجنبية، فلدينا اليوم في حياتنا وأمام أنظارنا نموذج. أشخاص شجعان ذوو شهامة وذوو شعور بالمسؤولية، ويقفون باقتدار وعزة مقابل العدو من أجل أن يساعدوا على تحقيق الأهداف السامية لمجتمعاتهم ونظامهم، لا من أجل أهدافهم الشخصية.
إصلاح التربية والتعليم؛ العلم النافع
نقطة أخرى تتعلّق بالعلم النافع. يجب في التربية والتعليم في البلاد متابعة العلم النافع والاهتمام به، وأن يستطيع الشابّ الاستفادة من هذا العلم لتحسين حياته ومجتمعه والبيئة المحيطة به. هذا هو العلم النافع. العلم النافع هو العلم الذي يقرّبنا من أهدافنا، ويسهّل مسيرتنا وحركتنا، ويتقدم بنا إلى الأمام. الأشياء التي توجِد فينا روح الحركة والنشاط والازدهار، وتفعّل إمكاناتنا وطاقاتنا الكامنة هذه هي العلم النافع. وبالطبع فإن من العلوم النافعة الاطّلاع والمعرفة بالتجارب الوطنية ومفاخر البلاد، وعِبر التاريخ ودروسه، فهذه أيضًا من العلوم النافعة. العلم النافع هو ذاك الذي يفتّح استعداداتنا. هذه أيضًا نقطة.
12 سنة من عمر الناشئة؛ أفضل فرصة لنقل المبادئ والقيم
تتوافر لمؤسسات التربية والتعليم فرصة لا تتوافر لأي جهاز آخر. وهذه الفرصة عبارة عن تلك السنوات الاثنتي عشرة التي يقضيها أطفالنا وفتياننا من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية، ويكونون فيها تحت تصرف مؤسّسة التربية والتعليم. لا تتوافر لأيّ جهاز آخر مثل هذه الفرصة الثمينة. هذه الفرصة أفضل فرصة لنقل القيم ولنقل مبادئنا الثورية والوطنية بشكل صحيح وشامل. إنها فرصة منقطعة النظير لتكريس الهوية الوطنية لدى أطفالنا، وهم رجال ونساء مستقبلنا. هذه فرصة متاحة للتربية والتعليم. الفكر يتكوّن خلال هذه السنوات الاثنتي عشرة والدوافع والمحفزات تتكون فيها أيضًا، واتجاه مسير الحياة -الدوافع والمثل العليا والاتجاهات- تتكوّن في كيان شبابنا وأحداثنا في هذه السنوات الاثنتي عشرة بفضل الحضور في صفوف الدراسة والاستماع إلى المعلمين، والحضور في جوّ المدرسة. لاحظوا مدى أهمية هذا الأمر، أي إن مستقبل البلاد رهنٌ بهذه السنوات الاثنتي عشرة لشبابنا.


مقتبس من كلمة الإمام الخامنئي في جامعة المعلمين بمناسبة أسبوع تكريم المعلّم في إيران
9/5/2018
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

الامام السيد علي الخامنئي