التربية إحياء واعمار

الرئيسية/ مفاتيح النجاح

الامام السيد علي الخامنئي
على الرغم من ان إحياء وإعمار أية بقعة من عالم الوجود تطالها أيدينا، له قيمة كبيرة، إلاّ أنّه لا شيء من هذا يضاهي في قيمته إحياء وإعمار روح الإنسان وفكره، لما لهذا العمل من تأثير في رسم طريق المستقبل.
فكرُ الإنسان ونفسه أثمن ظاهرتين علمنا بهما في هذا الكون. وقد قَسَم اللّه تعالى بالنفس في قوله تعالى: {ونفس وما سوّاها}، وهذه هي الحقيقة. فإذا ما صَلُح فكر الإنسان ونفسه، وهما طبعاً مقولتان، يصلح معهما كل شيء، لأن العالم كلّه طوع ارادة الإنسان الذي يُؤلّف هذان العنصران أهم شيء فيه.
والذي نعنيه من الفكر هو التفكّر النافع.
ملاك شخصية الإنسان فكره. لقد أعطى القرآن الكريم هداية الإنسان أهمية كبرى، وهذا هو السبب في جعل التعليم والهداية والتبشير والانذار، مفخرة للانبياء.
وأما النفس، وأعني بها محضن الأخلاق الإنسانية ومجراها، إذ جاء للنفس معان شتى في موارد مختلفة، بيد ان مرادي منها هو ما أشرت إليه.
النفس هي التي تعملون أنتم (المسؤولون في التربية والتعليم) على تهذيبها وتربيتها. فماذا عسانا أن نستفيد من إنسان ـ إن وجد ـ يحمل فكراً صائباً وسليماً ولكنه يتّصف بالجبن والخوار واليأس والإنهزام النفسي، ناهيك عن سائر الصفات الأُخرى كالحسد والبخل والحقد، وما إلى ذلك؟ والإنسان إذا كان ذا نزعة انهزامية، ومجرداً من روح الابداع، ويغلب عليه طابع اليأس والكآبة لا يمكنه اصلاح شأن أسرة واحدة حتى وإن كان عالماً بارعاً.
إعلموا حيثما كنتم تؤدون عملكم؛ أنّ بين أيديكم شيئين، ثانيهما أكثر أهمية من الأول، وللأول منهما أهميته أيضاً.
الغيب ركن التربية
التوحيد بالمعنى الحقيقي للكلمة، يراد به الإيمان بعالم الغيب، وهو أمر في غاية الأهمية، وورد في أوائل القرآن الكريم {والذين يؤمنون بالغيب}. ولم تأتِ الاشارة إليه عبثاً.
الإيمان بالغيب معناه سعة النظر التي يكتسبها الموحّد. أما غير الموحّد فيرى كل شيء محدوداً في إطار هذه القشرة (العالم المادي). وقد يحالف الحظ شخصاً فتكون له قشرة ذات ألوان وزخارف يستمتع بها لبضعة أيام، سواء كانت تلك الزخارف مالاً أو فناً أو شهرة، أو ما شابه ذلك من هذه المغريات الدنيوية.
وقد يكون إنسان آخر سيّء الطالع فيكون نصيبه قشرة قبيحة كريهة. أما الموحّد فلا يرى في هذه القشرة إلاّ القشرية، ويؤمن بما وراء هذا العالم المادّي، وبما وراء هذه العلاقات المادية المتعارفة، وبما في ذلك العالم من المُلك والملكوت {يؤمنون بالغيب}.
هذه الرؤية تمنح الإنسان سعة في النظر بحيث لا يخدعه البريق والزخارف فيدفعه نحو الغرور، ولا يوقعه قبح المظاهر في متاهات اليأس واستشعار هواجس الهوان والخسران. والإيمان بالغيب وهذا التوحيد الحقيقي والإيمان بالبعثة ـ بالمعنى الحقيقي للبعثة يعني انبعاث الإنسان من عالم الغيب في أعماق ذاته كي يهزّ الدنيا ـ يمنح الإنسان أفقاً في النظر، أشمل وأرحب.
الإنسان بهذه الأبعاد المادية المحدودة قادر على تغيير عالم بأسره؛ مثلما فعل إمامنا الراحل. أنا وأنتم لم نشاهد رسول اللّه عياناً، لكننا شاهدنا الإمام رحمه اللّه.
من الطبيعي ان الشباب لا يتذكرون، ولكن من كانوا في سن العشرين يتذكرون ويعلمون ماذا كان يجري في ذلك العهد، حيث كان هذا البلد يعاني من البؤس ومن التبعية للأجنبي ومن الفساد المالي والفساد الأخلاقي، والركود العلمي الذي كان يخيّم عل هذه الطاقات الإنسانية. وفي مثل تلك الظروف يتغير الناس فجأة! وهذه القدرة على ايجاد مثل هذا التحوّل تمثل قبساً من بعثة الأنبياء في كل إنسان على قدر همّته، وعلى قدر سعيه، وعلى قدر استعداده. وهذا ما يجب عليكم تنبيه تلاميذ المدارس عليه.
التربية ميدان الإبداع
صحيح إن العمل الميداني مع التلاميذ من واجب المعلمين، غير ان المهمّة الأساسية فيه تقع على عاتقكم؛ لأن وراء كل عنصر ميداني، عنصر إداري يحفّزه ويضع له المناهج ويمهّد له السبيل، وهو أنتم الذين يجب عليكم معرفة ما بأيديكم. وعلى هذا الأساس فان لعملكم بحد ذاته قيمة من حيث كونه تعليماً وتربية وبناءً وإعماراً.
أما الجانب الآخر لعملكم فهو النتيجة المترتبة عليه، وهذه أيضاً لها قيمتها. فأنتم الذين تربّون وتعدّون ـ منذ الآن ـ صنّاع المستقبل ومن سيتولّون إدارة دفّة شؤون هذا البلد. ولا شك في إن للجامعات دورها أيضاً، لكن الأساس يعود إليكم، وأنتم قادرون على التأثير حتى في الجامعات. للجامعات تأثير على الشباب ولكن من نمط آخر، وإن كان البعض يرى أنه يفوق تأثير التربية والتعليم الذي يتلقّاه الطالب في المدارس الابتدائية والإعدادية، لكنني لا أعتقد بصحة هذا التصور، نعم للجامعات تأثير وتفاعل وحماس في بداية الأمر فقط.
ولكن هذا لا يمنع ان تكون التربية في الجامعة ذات بعد أساسي وجذري وتسير في الاتجاه الصحيح. وهذا ما يوجب عليكم اعطاء أهمية بالغة للتربية التي تتصف بالجذرية والدوام.
إن اعداد الإنسان من مادّته الإنسانية الخام يفوق في أهميته نحت تمثال من الحجر على غرار التماثيل التي نحتها مايكل انجلو. وبإمكانكم انجاز مثل هذه الابداعات الفنية فيما يخص الأطفال.
أعزائي يجب ان تنشئوا الأطفال على الأمل والنشاط، وهو ما بوسعكم صياغته في ضمن المناهج الدراسية، وفي الوصايا التي تقدّمونها للمعلمين، وفي مجمل سلوككم.
النقطة الثانية هي أن لا تربّوا الأطفال على التعلّق بزخارف الدنيا.. تلاحظون مدى الأضرار التي يُسببها سلوك ومواقف أهل الدنيا والطامعين بلذائذها والمتعلّقين بزخارفها. فعليكم أن لا تدعوا الاطفال ينشؤون على هذا النمط من السلوك، بل يجب أن تربّوهم على التقوى والنزاهة.

السيد علي الخامنئي
من كلمة له في اجتماع مسؤولي وزارة التربية والتعليم في 3 ربيع الثاني 1419 هـ ق ـ طهران بحضور مسؤولي وزارة التربية والتعليم

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

الامام السيد علي الخامنئي