تحت المجهر: التعليم والطفولة المبكرة

البوصلة/ إرشادات تعليمية

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي
يقول الإمام علي (ع) مخاطبًا ولده الحسن (ع): "إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبّك". قرأت ذات مرة مقالًا بقلم بيل جيتس يقول فيه: "السنوات الخمس الأولى تحدّد كيف ستكون الأعوام الثّمانون التي تليها". خلال العقود الثلاثة الماضية، اكتسب مجال التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة قدرًا هائلًا من الاهتمام العام. لسنوات عديدة كان مصطلح "التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة" يترك انطباعًا بأنّ التعليم في هذه السنوات لم يكن "حقيقيًّا" بل كان تحضيريًّا. في الواقع، اعتبرها الكثيرون تجربة اختيارية، وليس تجربة ضرورية لجميع الأطفال.
ولكن في السنوات الأخيرة تم إعادة تعريف مصطلح التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة للإشارة إلى مجموعة أوسع بكثير من الأطفال والبرامج والمنشآت. وقد تمّ توسيعه ليشمل جميع المهارات التعليمية للأطفال من الولادة وحتى سن الثامنة (أو حتى الصف الابتدائي الثالث). كما عرّفته الرابطة الوطنية لتعليم الأطفال الصغار (1987):
برنامج الطفولة المبكرة هو أيّ برنامج بدوام جزئي أو دوام كامل، في مركز أو مدرسة أو منشأة أخرى، يخدم الأطفال من الولادة وحتى سن الثامنة. وتشمل برامج الطفولة المبكرة مراكز رعاية الأطفال، روضات الأطفال الخاصة والعامة، ورياض الأطفال، والمرحلة الابتدائية في المدارس. (صفحة 1)
ويؤدي هذا التعريف الموسع إلى إلغاء الفرق بين مراكز رعاية الأطفال من جهة، ورياض الأطفال والمراحل الابتدائية من جهة أخرى. جهودٌ كبيرة تُبذل لتوفير الاستمرارية طوال هذه الفترة العمرية والقضاء على الفصل الحادّ الذي ساد تاريخيًّا (جيان هوا فنغ، ص 2).
انطلاقًا من أهمية التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، والتي تمتدّ منذ الولادة وحتى السنة الثامنة من عمر الطفل، بدأ الاهتمام بإعداد مختصّين للعمل مع الأطفال في هذه المرحلة، إذ كلّما تقدّم الزّمن وتقدّم العلم، زاد الإحساس بالحاجة إلى أشخاص مؤهلين بالمعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع الأطفال ـ الكائنات الذكية الرائعة القادرة على فعل الكثير إذا ما تأمّنت لها البيئة والدعم المناسبين. من هنا تمّ افتتاح أقسام خاصة لدراسة التربية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة في المعاهد والجامعات، وبدأ العمل على تطوير معلّمين لهذه المرحلة العمرية.
هنالك أساسيّات يجب أن تتواجد في ثقافة وخبرة وفلسفة كل معلّم، ولكن الأهم هو أن تكون هذه الأسس قابلة للتصويب والتطوّر لأن التعلّم أمر مستمرّ، سواء في الأوساط الأكاديمية أو في مؤسسات العمل، من المرشدين والزملاء والطلاب، أو من اللقاءات اليومية مع الناس من حولنا. على المعلّم أن يبقى منفتحًا لأيّ تحسين أو تطوير.
إنّ الطلاب هم حجر الأساس لمستقبل ناجح. إذا ما تم أخذ ذلك بعين الاعتبار، سيتم التعامل مع الطلاب كعملاء للتغيير، وسيكونون جزءًا لا يتجزأ من عمليات صنع القرار والتخطيط.
كلّ طفل وكل معلم هو فرد فريد يأتي من خلفية مختلفة بنوع مميّز من الذكاء ونمط تعليمي فريد، أمورٌ نحتاج إلى الالتفات لها في عملية التعليم. وﻓﻲ ھذا اﻟﺳياق، لا تكون العدالة هي المساواة بالضرورة، فأن يكون المرء مدرّسًا عادلًا ﯾﻌﻧﻲ أن يقدّم العلم بطريقة مدروسة ومتباينة لكلٍّ بحسبه ﺑدﻻً ﻣن ﻣﻌﺎﻣﻟﺔ ﺟﻣﯾﻊ اﻷطﻔﺎل بالطريقة ذاتها.
إنّ المعلم يعمل كمرشد وميسِّر لعملية التعلّم. لا ينبغي أن يُعطى الأطفال المعرفة والمهارات بالملعقة، ولكن ينبغي إعطاؤهم الفرصة للعثور على إجابات لأسئلتهم الخاصة عن طريق التفكير والاستكشاف والتجربة. ينبغي للمدرّس أن يسمح للأطفال بالتعبير والإبداع باستخدام مواد ملموسة وأنشطة عملية.
من الأهمية بمكان أن يكون المحتوى وعملية التعلّم ذات صلة وذات مغزى للأطفال. يتم ذلك عن طريق إشراكهم في صنع القرار وتخطيط المناهج الدراسية مما يزيد من الدافع عند الأطفال للتعلّم. بالإضافة إلى ذلك، فإنّه يوفّر لهم الشعور بالمسؤولية، وكذلك الشعور بالأمن فيما يتعلق بمعرفة ما هو متوقّع منهم. وعندما يشعر الأطفال أنّ رأيهم مسموع وأنّ لكلّ واحد منهم كيانٌ محترم بذاته، سيؤدي ذلك إلى تطوير احترامهم لأنفسهم وللناس من حولهم. في الرواية عن الإمام الصادق (ع): قال موسى (ع): "يا رب أيّ الأعمال أفضل عندك؟ قال: حبّ الأطفال، فإنّي فطرتهم على توحيدي، فإن أمتّهم أدخلتهم جنّتي برحمتي".
على المعلّم أن يساعد الأطفال على تنمية الميول والمعرفة والمهارات اللازمة لجعلهم مواطنين مؤمنين منتجين مواكبين للقرن الحادي والعشرين، مدركين ومتعايشين مع المجتمع العالمي. إضافة إلى ذلك، على المعلّم أن يغرس في طلابه حبّ التعلّم وأن يوفّر لهم فرصًا للتعلّم تتحدّى الأطفال، أن يمنحهم فرصًا للنجاح، وأن يساعدهم على تحقيق إمكاناتهم الكاملة في بيئة غير مقيّدة، قائمة على اللعب، مستجيبة لحاجات الأطفال وخصائصهم الفريدة، داعمة لقدراتهم، آمنة جسديًّا ونفسيًّا، مرنة وملائمة تنمويًّا، ومحورها دائمًا الطفل.
علاوة على ذلك، على المعلّم كما الأهل، أن يؤمن بقوّة الكتب، وبأنّ القراءة للأطفال هي من أهم استراتيجيات التعليم في السنوات الأولى من حياة الطفل، وفي كل السنوات. من المهم أيضًا أن يدرك المعلّم أهمية العمل الجماعي والتعلّم التعاوني وأثره على نمو الأطفال الاجتماعي والعاطفي والإدراكي خاصة في السنوات الأولى. وأخيرًا، لا ينبغي أن ننسى الدور الهام الذي يلعبه مقدّمو الرعاية الأساسيّون في تنمية أطفالهم. ولهذا السبب يجب إدراج مقدّمي الرعاية في التخطيط والإدارة وعمليات التقييم، لأنّه لا يعرف أطفالهم أحد بالطريقة التي يعرفونهم هم بها، كما انّ علاقة إيجابية مستمرة بينهم وبين المعلّم تسير جنبًا إلى جنب مع مناخ تعلّم إيجابي، مطلوب في مسيرة الطفل التعليمية.
لقد قرأت في مكان ما يومًا بأنّ كلّ طفل قادرٌ على التّعلّم، ولكن ليس كل معلّم قادرٌ على التدريس. بتّ أؤمن بهذا البيان من خلال معرفتي بقدرات الأطفال ومن خلال تجربتي مع الأطفال والمدرّسين. نأمل أن يستطيع كلّ من خلال معتقداته وممارساته أن يتمكّن من تقوية وتنمية الأطفال حتى يتمكّنوا هم بدورهم من دعم الدين والمجتمع الذي يعيشون فيه؛ ومن يدري، قد يتمكّنون من تغيير وتنمية العالم بأكمله.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي