التواصل الفعال والتطور اللغوي عند الأطفال

البوصلة/ إرشادات تعليمية

فدوى فرحات شمس الدين؛ ماجستير دراسات حول الطفل، جامعة كونكورديا، كندا
أثبتت الدراسات أن كمية ونوعية التواصل اللغوي بين الأهل وأطفالهم في السنوات الأولى من حياتهم تلعب دورا أساسيا في النمو اللغوي للطفل. فمستوى الأطفال اللغوي في الصغر يحدد مستواهم اللغوي في الكبر بقدر كبير.

ليف فايجوتسكي (Lev Vygotsky)، عالم النفس السوفييتي و مؤسس علم النفس الثقافي التاريخي، ركز على أهمية التواصل مع الآخرين كوسيلة فعالة لتحقيق النمو اللغوي للطفل والذي بالتالي يؤدي إلى نموه العقلي والإدراكي. وأكد فايجوتسكي على حساسية تدخل الكبار في الوقت المناسب ضمن منطقة التنمية القريبة (zone of proximal development) عندما يكون الطفل على حافة مهمة جديدة. هذه المنطقة هي المسافة بين ما يمكن للطفل تحقيقه بنفسه وبين ما يمكنه تحقيقه ببعض الدعم من شخص أعلم منه وذلك يؤدي إلى إعمال قدرته الكامنة. مستوى التطوير يتقدم عندما ينخرط الأطفال في السلوك الاجتماعي. فالتطوير يلزمه تفاعل اجتماعي كامل، ودرجة المهارة التي تُنجز بتوجيه شخص بالغ، أو تعاون أقران أكثر خبرة، تكون اكثر كفاءة من ما يمكن أن يُنجزه الطفل بشكل فردي.

يتم التواصل بين الأهل وأطفالهم في سياقات وطرق متعددة، أهمها يكون أثناء قراءة القصة. حيث اثبتت الدراسات أهمية هذا النشاط وتأثيره البالغ والإيجابي على نمو الطفل وبالأخص نموه اللغوي.

قراءة القصص للطفل تكون أكثر تأثيرا عندما تكون تفاعلية أو ما يُعرف بالقراءة التحاورية (dialogic reading) بحيث يتم اشراك الطفل في القراءة والمناقشة، ويلعب الأهل ـ خلال هذا النشاط ـ دور المصغي لأفكار الطفل ومشاركاته ودور السائل أيضا لتشجيع الطفل على الإدلاء بأفكاره. وذلك عبر:
أ‌. الثناء على مبادرات الطفل
ب‌. ترديد بعض كلماته لإشعاره بالاهتمام والاصغاء لما لديه
ت‌. استخدام الأسئلة المفتوحة التي تحفز مساهمته
ث‌. التوقف عن الكلام للحظات بانتظار مشاركة الطفل
ج‌. ربط أحداث القصة بتجارب من حياة الطفل الواقعية.
كل ذلك يساهم في تحفيز الطفل على المشاركة في قراءة القصة فتصبح المطالعة تفاعلية ويتحول الطفل بالتدريج إلى حكواتي يحكي القصة ويناقش أحداثها.

ولكننا نلاحظ أن حديث الأهل وتواصلهم مع أطفالهم ورواية القصص لهم لا يقتصر على قراءة الكتب القصصية معا، فروايات الأهل لأطفالهم هي نوع من الكلام المعزول عن سياقه حول أحداث مستلهمة من محيط الطفل والتي تجري عادة في سياقات متعددة لا تقتصر على وجود كتاب وقصة. أثبتت الدراسات أن التعليم عبر الرواية (narrative teaching) هو جسر لتعلم القراءة والكتابة. هذا النوع من التواصل ينمي مهارات التعبير والفهم اللغوي للأطفال. وذلك يتم عبر تعلم الطفل شكل الرواية والقصة واستنتاج الأفكار المستبطنة فيها، ومن ثم القدرة على التعبير عن الأحداث المتسلسلة.

فكيف يساهم التواصل الروائي (narrative communication) للأهل في التنمية اللغوية لأطفالهم؟

بعد الاطلاع على عدة دراسات حول أثر التدخل الروائي (narrative intervention) للأهل مع أطفالهم، يمكننا الاستنتاج أن:
تكلم الأهل مع أطفالهم حول تجارب سابقة مستخدمين أسلوب مفصل ومسهب كان له الأثر الأكبر على نمو الحصيلة اللغوية والقدرة الروائية للأطفال أنفسهم. بعض خصائص الأسلوب المفصل هو استخدام الأسئلة المفتوحة التي ليس لها إجابات محددة بدل استخدام الأسئلة المغلقة التي تقيد الإجابة بنعم أو لا. تَبيّن أيضًا أن تشجيع الطفل ليتكلم بدوره أثناء الحديث، عبر تكرار بعض كلماته والتأكيد على ما يقوله وبناء الحديث على أساس قوله له أثرٌ بالغ.
عند اعتماد هذه الأساليب مع أطفال في سنواتهم السبع الأولى بعد تدريب الأهل عليها، لوحظ أن المخزون اللغوي عند الأطفال قد زاد، بالإضافة إلى تطور مهاراتهم الروائية (ازدياد حجم القصة التي يحكونها، تطور انسجام وهدفية أحداثها، ازدياد تنوع استخدام الوصف والأفعال في رواياتهم) وتصاعدت أيضًا قدرتهم على التحليل.

يبدو أن استخدام أسلوب النقاش المفتوح مع الطفل في أي محادثة كانت، أثناء القراءة لقصة في كتاب أو في أي سياق آخر، وتشجيع الطفل على المشاركة والتفاعل مع القصة وأحداثها يزيد من إيجابية هذه المحاورات وأثرها على نمو الطفل اللغوي والروائي (receptive and expressive language skills and vocabulary). ولكن لاحظ بعض الباحثين أن الأهل يستخدمون هذا الأسلوب بنحو أكبر عند اعتمادهم الرواية الشفاهية (oral narrative) أكثر مما يفعلون عند اعتمادهم قراءة القصة المكتوبة (story reading).

نوع الكلام الذي يدلي به الكبار مع أطفالهم مؤثر جدا في نموهم، ولذلك ندعو الأهل للتحدث مع أطفالهم دائما والتواصل معهم ومطالعة القصص وحكاية الروايات لهم بشكل مستمر. ولا ننسَ كذلك تحفيز الطفل للتكلم والمشاركة أثناء الحديث معه. إن اتباع الخطوات المذكورة سابقا عند مخاطبة الأهل للأولاد مفيد للغاية. استمعوا لأطفالكم، اسألوهم الأسئلة المفتوحة، وأشعروهم بأهمية ما يقولون عبر ترديد بعض مفرداتهم وافساح المجال لهم للتكلم.

References

McNeill, J. H., & Fowler, S. A. (1999). Let's talk: Encouraging mother-child conversations during story reading. Journal of Early Intervention, 22(1), 51-69.
Peterson, C., Jesso, B., & Mccabe, A. (1999). Encouraging narratives in preschoolers: an intervention study. Journal of Child Language,26(1), 49-67. doi:10.1017/s0305000998003651
Reese, E., Sparks, A., & Leyva, D. (2010). A Review of parent interventions for preschool children’s language and emergent literacy. Journal of Early Childhood Literacy, 10, 97-117. doi:10.1177/1468798409356987
Topping, K., Dekhinet, R., & Zeedyk, S. (2013). Parent-infant interaction and children’s language development. Educational Psychology, 33(4), 391-426. doi:10.1080/01443410.2012.744159
Trivette, C., & Dunst, C. (2007). Relative effectiveness of dialogic, interactive, and shared reading interventions. CELL Reviews: Center for Early Literacy Learning, 1(2), 1-12.
Zimmerman, F. J., Gilkerson, J., Richards, J. A., Christakis, D. A., Xu, D., Gray, S., & Yapanel, U. (2009). Teaching by Listening: The Importance of Adult-Child Conversations to Language Development. Pediatrics,124(1), 342-349. doi:10.1542/peds.2008-2267

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

فدوى فرحات شمس الدين؛ ماجستير دراسات حول الطفل