لماذا "كلا.. للسكر الأبيض"؟

البوصلة/ إرشادات صحية

مريم علامة - اختصاصية في التغذية
بمطالعة تاريخية لقرون مضت نجد تزايدًا هائلًا في نسب الأمراض والسمنة بين البشر، وهذا ما دفع العلماء للتفحّص وإجراء البحوث حول السبب وراء ذلك. وقد تبيّن حديثًا أسرارٌ أُخفيت لعقود من الزمن.
كشف أحد العلماء وثائق تاريخية تُظهر أن مجموعة تجارية كانت تدفع لباحثين وعلماء جامعيين أموالًا طائلة لتحرف نتائج الأبحاث المتعلقة بعلاقة السكر بأمراض القلب والدهون، فقدّموا توصيات قلّلت من أهمية علاقة السكر بأمراض القلب، وصاحبوا ذلك باعتبار الدهون المشبّعة هي الجاني بدلًا من السكر!
أتت التوصيات بتقليل نسبة تناول الدهون ورفع نسبة استهلاك السكر والنشويات، والنتيجة: تزايد مستمر لانتشار الأمراض والسمنة!
يشير مكتشف هذه الوثائق، د. روبرت لستغ، إلى أنّ "خمسة عقود من البحث في دور التغذية وأمراض القلب، بما في ذلك العديد من التوصيات الغذائية الحالية، ربما تم تشكيلها إلى حد كبير من صناعة السكر".(1) وقد ذكر كاتب هذه الوثائق، جون يودكين،(2) الذي حورب آنذاك: "لو أنّ جزءًا صغيرًا فقط مما نعرفه عن آثار السكر تم كشفه فيما يتعلق بأي مادة أخرى تم استخدامها كمضاف غذائي، فإن تلك المادة سيتم حظرها على الفور".(3)
تشير دراسات كيف أنّ البدانة أصبحت وباءً عالميًا، "فمنذ 1970 البدانة تضاعفت ثلاث مرات تقريبًا على مستوى العالم"، "في البرازيل كل سنة يوجد مليون حالة جديدة من البدانة. وفي الصين يُتوقع أن يصل العدد إلى 50 مليون طفل بَدين في سنة 2025".(4)
باتت أغلب الدول تأكل مثل أمريكا لِسعة تصديرها لموادها الغذائية وبسبب الاعتماد على نتائج أبحاثها. وقد تبيّن أنّ بعض شركات هذه المواد الغذائية تلعب دورًا في السعي للإبقاء على نقاء صيتها عبر نشر معلومات خاطئة؛ فمما تم كشفه مؤخرًا أنّ "شركة كوكاكولا، أكبر منتج للمشروبات السكرية في العالم، قدّمت ملايين الدولارات كتمويل للباحثين الذين سعوا إلى التقليل من الصلة بين المشروبات السكرية والسمنة".(5)
كثيرًا ما تختلف نتائج الدراسات المستقلة عن نتائج تلك المموَّلة من قبل شركات الصناعة وأصحاب المصالح.

الاختلاف بين أنواع السكر
يُصنع السكر إما من قصب السكر أو من البنجر (الشمندر السكري؛ beet sugar).(6) السكر الأبيض هو السكر الذي يأتي من أحد هذين المصدرين بعد تكريره من خلال عمليات كيميائية. هذا النوع من السكر يتم تكسيره بسرعة من قبل الجسم، فيترك آثارًا وخيمة على مختلف الأعضاء، وذلك على خلاف السكر الموجود طبيعيًّا كما في الفاكهة مثلًا حيث يترافق مع الألياف التي تنظّم وتعدل نسبة امتصاصه، "فحيثما وجد السكر في الطبيعة، ينوجد معه ألياف طبيعية".(7)
والسكر المضاف لا يقتصر على استخدامنا المباشر له بإضافته في المشروبات الساخنة مثلًا، بل له وجود في أغلب المنتجات المصنعة والمعلبة؛ "هناك ما يقارب 61 اسمًا(8) مستخدمًا للسكر المضاف في هذه المنتجات، والتي تكاد تحتاج إلى كيميائي ليفك شيفرة موادها!.. هذا السكر موجود في بعض المنتجات التي يُروَّج على أنها صحية وخالية من السكر، وقسم كبير من المنتجات قد لا يخطر على البال أنّ السكر من مكوّناتها".(9)
أحد أنواع السكر المضاف هو شراب الذرة عالي الفركتوز(high fructose corn syrup) وقد ثبت عند بعض الباحثين أنّه سمّ!(10) أما أسباب استخدام شراب الذرة في كل شيء فهذا لأنّ: "طعمه حلو، رخيص الثمن، ويجعل الأشياء تدوم إلى الأبد؛ ولهذا اعتمدوا على إضافته في الكثير من الوجبات السريعة والسكاكر. فمنذ 1970 إلى 1990 ارتفع استهلاك هذا السكر 1000%".(11)
إن الأمراض التي تسبّبها هذه الأنواع من السكر المنتشر في المنتوجات تصيب أعضاء عديدة، ولا أقله إنها تضعف الجهاز المناعي للبدن، حيث تجعل الإنسان عرضة سهلة للوقوع في مصيدة الكثير من الأمراض (أمراض: القلب، الكبد، اللثة، السكري، السمنة، وغيرها).
لذا نجد توصيات بترك السكر المضرّ كخطوة من خطوات الوقاية الأساسية، وعند حدوث المرض تصبح هذه التوصية ضرورية للتعافي المنظور. أُولى المنتجات التي يوصى بالابتعاد عنها هي المشروبات الغازية والعصائر المعلبة (لكثرة الاعتماد في تصنيعهما على شراب السكر المضر). وبشكل عام يُفضّل تجنّب كافة المنتجات المعلّبة.(12)
البدائل المفيدة وفيرة ومنها: العسل، الفواكه، التمر، الزبيب، بعض أنواع الدبس، وسكر القصب الطبيعي (غير المعالج والمكرر بمواد كيميائية ومبيِّضة).

السكر في الأحاديث
ذُكرت في روايات أهل البيت (ع) أحاديث حول قصب السكر؛ فعن الإمام الرضا (ع) قال: "قَصَبُ‏ السُّكَّرِ يَفْتَحُ السُّدَدَ وَلَا دَاءَ فِيهِ وَلَا غَائِلَةَ".(13) وعن الإمام موسى الكاظم (ع):‏ "ثَلَاثَةٌ لَا تَضُرُّ: الْعِنَبُ الرَّازِقِيُّ وَقَصَبُ‏ السُّكَّرِ وَالتُّفَّاحُ".(14) وقد ذُكر له في الطب الإسلامي فوائد كثيرة لحالات عديدة.
ربما يكون قصب السكر المذكور في الروايات هو نبتة قصب السكر نفسها (وليس بعد تحوّله إلى حبيبات). وعلى كل حال، ينبغي التدقيق بصحة المنتج المشترى تحت عنوان "سكر القصب"، إضافة إلى الاعتدال في تناوله.
يقول الشيخ عباس تبريزيان أحد أبرز رواد الطب الإسلامي الحديث: "يجب التنبيه على أنّ السكر الموجود في الأسواق، أعني السكر الأبيض المصنوع من البنجر منهي عنه وسمّ قاتل، ففي الرواية: "أطعموا مرضاكم السلق يعني ورقه، ... واجتنبوا أصله فإنه يُهيّج السوداء". فإن أصول السلق هي البنجر الذي يصنع منه السكر، بالإضافة إلى أنه مهجّن. والسكر النافع والدواء هو سكر قصب السكر".(15)

ملاحظات هامة
- ليس كل ما يُكتب عليه أنه سكر أسمر هو سكر حَسن؛ فقسم منه ضار مستخرج من البنجر، وقسم مكرر ومضاف إليه مواد تغيّر لونه إلى الأسمر.
- بعض المنتجات التي يُكتب عليها أنها خفيفة (light)، يتم إضافة أنواع من السكر السيئ إليها كبديل عن السكر أو الدسم المنتزع. وبالإجمال فإنّ هذه المنتجات لا يُحبذ تناولها.
- السكر الاصطناعي هو سكر ضار، ينبغي عدم استخدامه.
في ظل التبعية العمياء والاستسلام التام للمنتجات الغذائية المتوفرة في الدكاكين، يحتاج الأهل للتحقق بعناية مما يتناولونه وأولادهم.
قال أمير المؤمنين علي(ع): "كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِه"‏.(16)
يُسرع البعض في الحُكم على الأمور وربما رفضها وإنكارها وإعلان استحالتها لشدة ترسّخ وتغلغل معتقدات أو سلوكيات وعادات معينة في حياتهم ومعيشتهم. الأمر يحتاج إلى مزيد من المعرفة بواجبنا اتجاه نعمة الله، وبحق جسدنا علينا، وبمستوى مضار هذه المواد وآثارها المهلكة. وبعد التثبّت من ذلك، لا بد أن نبدأ بالتطبيق (ولو بالتوقّف التدريجي) على أنفسنا وفي عائلاتنا. لقد خلُصت بعض التجارب والدراسات إلى نتيجة مفادها أنّ من يقلّل من تناول السكر، سيشعر بمذاق حلاوة الأطعمة أكثر!(17)


1. https://www.nytimes.com/2016/09/13/well/eat/how-the-sugar-industry-shifted-blame-to-fat.html?_r=0
2. John Yudkin: أستاذ في علم التغذية البريطاني وكان قد أطلق ناقوس الخطر على السكر في عام 1972، في كتابه: "Pure, White and Deadly"
3.https://www.theguardian.com/society/2016/apr/07/the-sugar-conspiracy-robert-lustig-john-yudkin
4. شاهد
5. https://www.nytimes.com/2016/09/13/well/eat/how-the-sugar-industry-shifted-blame-to-fat.html?_r=0
6. ومن تسمياته: جذور الشوندر، سكر الشمندر.
7. شاهد
8. يمكن الاطلاع على مختلف الأسماء في هذا الموقع، مع ملاحظة أنّ ليس كل هذه الأنواع بمستوى واحد: http://sugarscience.ucsf.edu/hidden-in-plain-sight/#.XlWFuvkaYi0
9.شاهد
10.شاهد
11.شاهد
12.شاهد
13. مستدرك الوسائل، ج16، ص 391.
14. وسائل الشيعة، ج25، ص 146.
15.https://t.me/arabicteb/604
16. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 143.
17.https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/26607941
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

مريم علامة - اختصاصية في التغذية