عشر حقائق لا تعرفها عن العصير المعلّب!

البوصلة/ إرشادات صحية

مريم علامة - اختصاصية في التغذية

مع انتشار العصائر المعلبة في الأسواق بأسعار زهيدة وأشكال جاذبة سهلة التناول، بات يستسهل التقاطها الصغير والكبير؛ وفي الكثير من الأحيان ظنًّا منهم أنّها الخيار السليم من بين السوائل المعلّبة.
يحبّذ خبراء التغذية تناول الفاكهة كحبة كما هي، بدلًا من شرب عصيرها، لما تحتفظ به من كافة مكوناتها الطبيعية المفيدة، والتي تخسر بعضها حين تحوّلها إلى عصير، كما إنّهم يهتمون بكمية العصير المتناولة يوميًّا، حيث إنّ تحضير كوب واحد من العصير يحتاج ضعفي أو ثلاثة أضعاف عدد حبات الفاكهة (التي لا يمكن تناولها في جلسة واحدة مثل العصير)، فكيف إذا ما زادت الكمية عن كوب في اليوم! هذا منظورهم حتى فيما يتعلق بشرب العصير الطبيعي الطازج.
فما هو الفرق بين العصير الطبيعي والعصير المعلّب؟ هل للعصائر المعلّبة آثار صحية سيئة؟ وما الذي يجعل طعمها مختلفًا عن العصير الطبيعي رغم ما يُكتب على كثير منها من أنّه "عصير 100%"؟! في هذا المقال نبحث بنحو أعمق حول حقائق العصائر المعلبة وماذا أُخفي منها عن المستهلك.
1. صناعة العصائر لا تخلو من إضافات:
إنّ فترة صلاحية العصير الطبيعي لا تتعدى أيامًا معدودة وأحيانًا ساعة واحدة (بحسب نوعه وطريقة حفظه)، فلِتحتفظ الشركات المصنِّعة للعصائر المعلّبة بطعمه وصلاحيته لمدة طويلة، تقوم بمعالجته (1) ثم تستخدم نسبة من العصير (30- 50%) مع إضافة السكر والمُحلّيات والملوّنات والمنكّهات (flavours) عليه، للتعويض عن النكهة المفقودة أثناء المعالجة، ولتُعزّز مذاق ونكهة الأطعمة التالفة وذات النوعية الرديئة، تضفي عليها طعمًا لطيفًا يستذوقه المستهلك!
2. المنكّهات تؤثر على الذائقة:
أول ما يدعو للقلق ها هنا هو أن يفقد أطفالنا الشعور بجمالية ولذة ورائحة الطعم الحقيقي الواقعي لخلق الله البديع. فقد أُجريت تجارب على الكبار والصغار، ووُضعت أمامهم أكواب مختلفة لنوع محدد من العصير (كالتفاح) سعيًا لمعرفة ما إذا كانوا سيميّزون بين طعم العصير الطبيعي الطازج دون إضافات وبين طعم مشروب العصير المصنّع منه (2) (ويمكنكم أن تجربوا ذلك بأنفسكم على أطفالكم). كانت النتيجة أنّ أغلبهم لم يُميّز العصير الطبيعي، بل حتى لم يستسيغوا طعمه (3).
لذا حذّر بعض العلماء والخبراء من الاقتراب من المنكهات المضافة في هذه المنتجات وقالوا "والأطفال، على وجه الخصوص، عليهم تجنّبها. هذا لأنّ إحساسنا بالمذاق يتأثّر للغاية في الصغر. إذا تم تناول الكثير من المنتجات المنكّهة في هذه المرحلة الحساسة من النمو، فإنّ قدره الجسم على تنظيم النكهات ستتعطّل بشدة. وفي وقت لاحق من العمر، سوف يفضّل الشخص النكهات الاصطناعية على تلك النكهات الطبيعة"(4).
3. شرب العصائر المعلّبة يؤثر على الصحة:
تظهر بعض الدراسات والتجارب آثار الإفراط في استهلاك العصائر في الطفولة، "فقد أدت زيادة استهلاك عصير الفاكهة في مراحل الحياة الأولى إلى زيادة خطر الإصابة بالسمنة وطولٍ أقلّ عند البالغين"(5).
فبالإجمال إنّ عملية العصر (وهي تختلف عن الخفق) لأغلب أنواع الفواكه تُفقدها معظم أليافها الطبيعية التي تساعد على امتصاص السكر ببطء، فبذلك يفقد العصير قيمته الغذائية؛ وتلك الإضافات على العصائر المعلّبة (وخاصة السكر) تجعلها ضارّة جدًّا على المستوى الجسدي والسلوكي (6). وقد وصل الأمر إلى أن أظهرت التحاليل أنّ نسبة السكر في منتجَي المشروبات الغازية والعصائر المعلبة شبه متساوية!
4. دوافع الشركات المصنِّعة اقتصادية:
إنّ شركات تصنيع العصائر المعلبة لها سياساتها وحساباتها التي تسعى للربح وراءها غير ناظرة إلى ما هو صحي وسليم على صحة المستهلك، بل هي تنظر إلى ما يدرّ عليها المال الكثير مع تكلفة مالية قليلة من قِبلها (7).
5. عناوين الملصق الخارجي غير دقيقة:
معظم شركات العصائر المعلّبة تضلل المستهلكين عبر الادعاءات الخاطئة التي تروّج لها بأنّ منتجاتها خالية من مواد مضافة، أو تضلّلهم بعدم الكشف والتصريح في ملصقاتها عن هذه المواد المضافة (8). لذا ينبغي عدم الاكتفاء بقراءة واجهة غلاف المنتج (هذه نصيحتنا فيما يخص كل المنتجات، وليس فقط العصير)، ومتابعة معلومات المحتويات بدقة. فالنوع الجيد لا يتبع السعر أو الشهرة أو المصنَّف ضمن الأكثر مبيعًا أو صاحب الحملة الدعائية القوية! (9)
6. الكلمات المرمّزة في المحتويات ملغّمة:
الكثير من القرّاء لا يدركون كلمات تكتب كلُغُز، وبعضها يُعطى لها مسميات برّاقة؛ ولو تفحّصنا الأمر، لاكتشفنا أسرارًا أخفيت ما وراء الكواليس.
‌أ. نكهة طبيعية (natural flavours): إنّ "مصطلح 'نكهة' في قائمة المكونات قد يعني أن جزيء النكهة الذي يتواجد عادة في الطبيعة قد أعيد بناؤه تمامًا بواسطة عملية كيميائية... ومع ذلك، فإنّ الوعد بأنّ المنتج يحتوي على النكهات الطبيعية لا يساوي بالضرورة أعلى جودة للمستهلك. مثلًا، عندما يتم إدراج "نكهة الفراولة الطبيعية" في المكونات، يعني 95 % من النكهة يجب أن تأتي من الفاكهة، لكن 5% يُسمح مجيئها من مادة أخرى" (10).
‌ب. معزّز النكهة (flavour enhancer) مثل MSG (E621, monosodium glutamate)، هو مضر على الصحة ويسبب عوارض خطرة من قبيل مشاكل معوية وجلدية وصداع وغثيان، وقتل للخلايا العصبية على المدى البعيد.
ولأجل اختيارات واعية أكثر، ينبغي معرفة أنّ:
7. قراءة قائمة المحتويات لها أسس:
عدم الاكتفاء بقراءة منتج واحد من ماركة معينة، فكل منتج تختلف مكوّناته عن الآخر؛ مثلًا قائمة محتويات عصير التفاح تختلف عن الأناناس وعن الليمون.. إذن ينبغي التدقيق بمحتوى كل علبة على حدة. هناك طرق لقراءة المحتويات تجعلكم تميّزون بنظرة كلية المنتج السيئ من الأسوأ (11).
‌أ. أحد الطرق العامة التي يُنصح بها هي باختيار النوع الذي يحتوي على أقل عدد من المكونات؛ فوجود لائحة مكونات طويلة تدل على كثرة احتواء المنتج على مواد حافظة ومضافة.
‌ب. المادة المذكورة أولًا هي عادة المادة الأكثر استخدامًا في المنتج، فلو قرأتم "سكر" في أول اللائحة، و"فاكهة العصير" نهاية اللائحة، فهذا يعني أنّها لا تحتوي إلا على نسبة قليلة من الفاكهة مقارنة بنسبة كبيرة من السكر المضاف.
8. العصير الطبيعي متوفر:
بعيدًا عن العصائر المصنَّعة، يوجد محلات مخصّصة لبيع العصير الطبيعي (كما قد تجدون أنواعًا محددة من بعض العصائر الطبيعية المعلّبة (12) في بعض المحلات)، فربما وعند الضرورة يمكن اللجوء لاختيارها بعد التأكد من محتوياتها.
9. شراء العصير مشروط:
يُفضَّل عند شراء العصير الطبيعي أن تطلب من البائع عصرها أمام ناظريك (كالجزر والتفاح والرمان والليمون)، فتطمئن إلى عدم وجود أية إضافات وإلى كونها طازجة؛ حيث إنّ بعض الفيتامينات كالفيتامين سي في الفاكهة يزول خلال نصف ساعة إلى ساعة من بعد عصرها.
10. العصير في البلاستك خطير:
ينبغي الانتباه إلى عدم شراء عصير موجود في قناني بلاستيكية تعرّضت لضوء الشمس، بسبب ما تنتجه من مواد ضارة بعد تفاعل البلاستيك مع الحرارة.
لذلك كله، ومع وجوب الاعتدال في شرب عصير الفاكهة، واختيار الوقت والنوع المناسب لحال كل فرد، لا شيء يرتقي لينافس سلامة العصير المهيّأ في المنزل تحت إشراف الأهل ودرايتهم بمكوّناته. ومن ناحية القدرة على صناعته في المنزل، فهي باستطاعة الجميع وبشكل سهل وميسر وسريع.. وهذا ما تعود عوائده على الصحة والجيب، إذ يحتمي الجسد بإغلاق النوافذ أمام مهبّات رياح العصائر الخارجية، ويقلَّل من إِسراف المال وتبذيره في غير موضعه.

لا يخفى أنّ موضوع العصير من ضمن موضوعات عدة، له أبعاد متعددة يمكن النظر إليه من خلالها، تتعدى البُعد الصحي. فأيّ فاكهة نستهلك أكثر؟ وما هي قدرة الأرض والتربة على تحمل ازدياد زراعة هذا النوع أو ذاك؟ ما هي حاجة الإنسان الواقعية لشرب العصير؟ أي الشركات تنتجه ولأي بلاد تتبع؟ هل في استهلاكه إعانة للظالمين على ظلمنا والاستهتار بصحتنا وبالأرض؟ وماذا عن مواساة الفقراء بأحوالهم؟ هذه أسئلة ينبغي أن نسقي شجرة عقول أبنائنا بها تمهيدًا لبناء الإنسان المؤمن الرسالي صاحب النظرة الثاقبة والملمّة في تكوين رؤيته حول كل قضية في الوجود.
خطوة بخطوة نبني الوعي اللازم في أبنائنا ليتحملوا مسؤولية خياراتهم ولنساعدهم على الإقلاع عما اعتادوا عليه من نمط خاطئ، عملًا بمقولة أمير المؤمنين علي (ع): "وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ‏ نَفْسَكَ‏ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ مَخَافَةَ [مَكْرُوهِهِ‏] مَكْرُوهٍ، سَمَتْ‏ بِكَ الْأَهْوَاءُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَر"(13).



(1). عملية معالجة العصير والتعقييم تتطلب تفريغ الأوكسجين من العصير لمنع تأكسده وفساده، ومن ثم حفظه في صهاريج فائقة لفترات طويلة تقارب السنة أحيانًا.
(2). ينبغي التمييز بين عصير الفاكهة الطبيعي دون ملونات ولا إضافات، وبين مشروب عصير الفاكهة وعصير الفاكهة المُركّز (fruit nectar, fruit drink)؛ فبعضها يحتوي ما بين 30-50% من عصير الفاكهة مع إضافات، وبعضها هو منكهات صناعية ومستخلصات العصير مع إضافات.
(3). شاهد هذا الفيديو
(4). Wonderpedia magazine, issue 49, June 2016, page 33
(5). https://www.news-medical.net/health/Differences-Between-Natural-Whole-Fruit-and-Natural-Fruit-Juice.aspx
(6). لقد "اكتشف العلماء أنّه، كما السمنة، يبدو أنّ السكر الموجود طبيعيًّا في الفاكهة مرتبط بالأوبئه الحديثة الخطرة مثل السرطان، وأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، وتلف الكلى وحتى الخرف. الأبحاث المنشورة في مجلة الجمعية الأمريكية للتغذية تشير إلى أن المحتوى العالي من سكر الفركتوز في عصير الفواكه المصنعة قد يقع اللوم عليه. لماذا؟ القضية الرئيسية هي أن العديد من المواد 'الجيدة' الموجودة في الفاكهة التي تساعد على منع مثل هذه الأمراض، مثل الألياف، الفيتامينات ومضادات الأكسدة، تفقد (تضيع) أثناء المعالجة".
[Wonderpedia magazine, issue 49, June 2016, page 33.]
(7). بعض البلدان تُنتج أنواع من العصائر الغير متوفرة في بلادها، فيُفضّلون ما يمكن شحنه وتخزينه (كخلاصة العنب) على ما يُكلّفهم استيراده (كالعنب نفسه)؛ فضلًا عن استخدامهم للمحصولات المعدّلة جينيًّا.
(8). شاهد هذا الفيديو
(9). كم من إعلان يروِّج لسلعة ما على أنّها طبيعية وتوافق طلب الزبون، مدّعيًا أنّها 100% طبيعية، بينما في الواقع، الأمر مليء بتزوير الحقائق على المستهلكين.
(10). World of knowledge magazine, issue 39, June 2016, page 33
(11). كل هذا نبنيه على صحة ما يُذكر في المكونات؛ فبعضها أُعطي لها حق عدم ذكرها من قبل الشركات؛ للمزيد شاهد هذا الفيديو
(12). هي عصائر معلبة طبيعية 100%، خالية من أي إضافات، ولكنها تعرضت لعملية التعقيم؛ لا تتجاوز صلاحيتها 3 أيام وهي أغلى ثمنًا من غيرها. وأحيانًا تجمع عصائر لأكثر من نوع في علبة واحدة.
(13). نهج البلاغة، ص 447.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

مريم علامة - اختصاصية في التغذية