كيف أساعد طفلي على حماية جسده؟

البوصلة/ إرشادات صحية

فاطمة فرحات ـ اختصاصية في علم النفس العيادي
في حياتنا نحرص كأهل على تعليم أطفالنا طرقًا مختلفة لحماية أنفسهم. نتشدّد عليهم مثلًا عندما يكونون أطفالًا ونعوّدهم على الجلوس في الكرسي المخصص لهم في السيارة، ونفرض عليهم وضع حزام الأمان فيما بعد، وننصحهم بارتداء الخوذة أثناء قيادتهم الدراجة، وأن ينظروا في كلا الاتجاهين قبل عبور الشارع، وأن لا يقتربوا من الموقدة، وغيرها من الأمور حرصًا منا على صحتهم وسلامتهم. ولكننا قلّما نتحدّث معهم حول سلامة أجسادهم أو ما هو المسموح والممنوع في علاقاتهم مع الآخرين. نتحرّج من إطلاعهم على المخاطر التي قد تحدث وعلى كيفية مواجهتها وإلى من يلجؤون؟ بالطبع، إن هذه المواضيع حساسة ومربكة، فكيف يتعاطى الأهل مع أبنائهم بشأنها؟ وماذا يقولون لهم؟ هل الكلام حول هذه المواضيع يفتح على الطفل أبوابًا مغلقة وسابقة لأوانها؟ تساؤلات وتساؤلات قد تطرأ على بالنا، ولكن حين نفكّر في حجم أجواء الفساد التي باتت تحيط بنا، وحين نسمع أخبار التحرّش والاعتداءات غيرَ بعيدٍ عنا، نستشعر أهمية تحصين أطفالنا مسبقا وتوعيتهم حول جسدهم وكيفية حمايته. يمكننا بشيء من الحكمة أن نوجّه الطفل ونزيد وعيه أثناء تعاملنا اليومي معه وكجزء من المحادثات اليومية الروتينية، فيكتسب المهارات التالية لحماية جسده ويتفادى الآثار الوخيمة لما يحتمل أن يتعرّض له لا سمح الله:

أولا، علّم أطفالك أسماء أجزاء الجسم المختلفة. مع بدء طفلك بالتكلّم، وكجزء من تعليمه أسماء أعضاء الجسم استثمر الفرصة لتسمية "الأجزاء الخاصة" من جسده بحيث يتمكّن الطفل من الإشارة اليها أو التعبير عنها إذا اقتضت الحاجة. قم بتسمية كل جزء من الجسم بشكل صحيح بما في ذلك الأعضاء التناسلية. اشرح لطفلك أن "الأجزاء الخاصة" هي الأجزاء التي نغطّيها بثياب السباحة. وفم الطفل أيضًا يعتبر منطقة خاصة. يمكن أن يلجأ البعض إلى تسمية الأعضاء الخاصة ببعض المسميات الخاصة؛ لا بأس طالما أن الطفل يميّز ويتمكّن، إذا ما تمّ لمسه بطريقة غير لائقة، من تحديد مكان لمسه بوضوح.
ثانيا، تأكد من فهم طفلك بوضوح لمعنى كلمة "خاص". اشرح المصطلحين "خاص" و"عام"، فالـ "خاص" به يعنيه هو فقط، (يمكن الاستعانة بمصطلح خط أحمر؛ على أساس أن في جسمنا خطوطًا حمراء لا يمكن لأحد أن يتجاوزها؛ بحسب قصة "خط أحمر" للكاتبة سمر محفوظ براج - وهي قصة مفيدة). المرحاض مثلًا مكان خاص ولكن غرفة الجلوس مساحة عامة لأنها مشتركة. بعدها اربط هذا الأمر بأجزاء الجسم. فهناك أعضاء في جسمنا خاصة بنا ولا يمكن لأحد أن يلمسها.
ثالثا، اشرح لطفلك من ينبغي له التحدّث إليه إذا شعر بعدم الأمان. علّم طفلك أنه لا يحق لأحد أن يلمس أو يطلب رؤية الأعضاء الخاصة به، وإذا فعل شخص ما ذلك، فعليه على الفور إخبار شخص بالغ موثوق به. علِّم طفلك أنه إذا طلب شخص ما أن يلمس أعضاءه الخاصة، أو يُظهر أعضاءه الخاصة للطفل، أو يُظهر له صورًا لأعضاء خاصة، فهذا خطأ أيضًا.
في عمر الثلاث سنوات من المهم أن يختار طفلك حوالي 4 أشخاص بالغين يثق بهم، ويمكنه إخبارهم بأي شيء يجري معه لأنهم يصدّقونه. هؤلاء الأشخاص جزء من شبكة الأمان الخاصة به. يفضّل أن يكون شخص واحد على الأقل من خارج أفراد الأسرة الصغيرة حتى إذا لا سمح الله كان المعتدي من أحد أفراد الأسرة يتمكن الطفل من اللجوء إليه.
رابعا، تحدّث إلى طفلك عن أنواع المشاعر المختلفة التي نشعر بها نحن الناس. ففي نفس الوقت الذي تناقش فيه اللمس غير المناسب، تحدّث عن المشاعر. ناقش كيف تشعر بالسعادة والحزن والغضب والغيرة والدهشة، وما إلى ذلك. شجّع طفلك على القيام بأنشطة يومية معك للتحدّث عن مشاعره. على سبيل المثال "شعرت بالغضب حقًا عندما ضربني زميلي". وبهذه الطريقة، سيكون طفلك أكثر قدرة على التعبير عما يشعر به إذا قام شخص ما بلمسه بطريقة غير لائقة.
خامسا، تأكّد من فهم طفلك الواضح لـمفهوم "الآمن" مقابل "غير الآمن". تحدّث مع طفلك عن الشعور بالأمان و"عدم الأمان". ناقش الأوقات التي قد يشعر فيها طفلك "بعدم الأمان"؛ على سبيل المثال يمشي بالدراجة نزولا من أعلى المنحدر، أو "آمن" عندما يجلس في حضنك وأنتما تقرآن سويا. من المهم أن يفهم الأطفال المشاعر المختلفة التي تأتي مع الشعور "بالأمان" و"غير الأمان". فما هي الأحاسيس التي تنتابه إذا ما شعر بعدم الأمان؟ نوضّح للطفل أنه قد يشعر بتسارع في دقات قلبه، تعرّق، غثيان، جفاف الحلق، وما إلى ذلك. دعه يتوصل هو بنفسه إلى بعض الأفكار الخاصة به. أخبر طفلك أنه يجب عليه إخبارك أو أي شخص ضمن شبكة الأمان الخاصة به في حالة حدوث أي من علامات الإنذار أو الشعور بعدم الأمان. وعِده أنك ستصدقه دائمًا وأن بإمكانه إخبارك بأي شيء.
سادسا، حدّث طفلك عن الفرق بين الأسرار الصغيرة والكبيرة في حياته. أعطه أمثلة؛ فمثلا إذا دفع صدقة بالسرّ فهذا سر صغير يستطيع الاحتفاظ به لنفسه، ولكن الأسرار الكبيرة هي التي تكون غير آمنة، مثل أن يلمس شخص ما أعضاءه الخاصة. أخبره أنه لا يوجد أسرار في الأسرة تحديدا. تأكد من أن طفلك يعرف أنه إذا طلب شخص ما منه الاحتفاظ بسر كبير غير آمن، فيجب عليه إخبار شخص ما ضمن شبكة الأمان الخاصة به مباشرة.
أخيرا وليس آخرا، عليك أن تقوّي طفلك لكي يتمكن من التحدث إذا كان هناك شيء خاطئ.
ناقش مع طفلك متى يسمح أن يلمس شخص ما أجزاءه الخاصة؛ على سبيل المثال الطبيب عندما يكون هو مريض. أكّد عليه أن ذلك يحصل بحضور والديه في الغرفة. اشرح أنه إذا قام شخص ما بلمس أعضائه الخاصة أثناء غيابك عنه يحق له ويجب عليه أن يقول "لا!" أو "توقف!" ويمكن أن تدرّبه على أن يصرخ في مثل تلك الحالات أو يزأر كالأسد! (تقنية مستوحاة من قصة "خط أحمر" أيضا).
عزّز شعور طفلك بأنه "رئيس جسده" وأنه غير مضطر أن يقبل أو يعانق أي شخص إذا لم يرغب بذلك. يمكن أن ترسم على ورقة جسم طفلك أو تلصق صورة كاملة له على الورقة وترسم حول الصورة دائرة وتخبر الطفل أن لكل واحد منا فقاعة خاصة به، ولا يمكن لأحد الدخول إلى حدود جسم شخص آخر أو إلى فقاعته ما لم يسمح هو بذلك.
تشير الدراسات إلى أن حوالي 90 في المئة من الجناة والمتحرّشين بالأطفال هم أقارب ضحيتهم، أو معارفهم كالجيران وأصدقاء الأسرة والمدرسين والمدربين، ويمكن لهؤلاء أن يظهروا للعالم الخارجي بصورة دافئة ورعائية ومُحِبّة ومحترمة، ولذلك لا ينكشف أمرهم. وعلى الرغم من كل النصائح التي ذكرت أعلاه فإن الحوادث قد تقع، ولهذا فإن مسؤوليتنا تقتضي أن نتحرّك ونتنبّه لتوعية أطفالنا استباقًا للمخاطر في زمن كثرت فيه الحوادث والأخطار. حمى الله جميع الأطفال من كل سوء.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

فاطمة فرحات ـ اختصاصية في علم النفس العيادي