كيف نُجهّزُ أولادنا لشهر رمضان

البوصلة/ إرشادات صحية

مريم علامة - اختصاصية في التغذية
شهرُ رمضان له في صميم كلٍّ منّا معانٍ خاصّة. بالتّزامن مع استحضارِ حُرمته عند الله وخصوصيّة العبادات فيه، تُستحضر بقدومِه مشاعر الجوع والعطش، وما يليها من موائد وسُفَر ممدودة ومأكولات مخصوصة تلازمت مع مناسبته.. تعاطِينا مع مقتضيات هذا الشّهر المبارك تنعكس على من نملكُ زمام أمورهم (أولادنا). فكيف نأخذ بأيديهم للارتقاء بنظرتهم وتوجّههم نحو هذا الشّهر المبارك؟
شهر الله هو شهر المعنويّات والاشتغال بذكر الله، ولا سبيل لذلك ما لم نحافظ على جسدنا سليمًا معافىً.. لذا علينا-بداية- أن نزرع في عقولنا وعقول أبنائنا قاعدة "الجسد أولًا". أجل، يحدّثنا أهل الله عن خطّة الإسلام، وكيف أنّ رياضة الصّيام تعرّفنا أنّ القوّة الحقيقيّة لا تكون بالطّعام والشّراب.. ولكي نستطيع إدراك هذه الحقائق، على أجسامنا أن تكون صحيحة غير مريضة، وإلّا لحالت علّتها بيننا وبين تذوّق بركة الصّيام. ولا يناقش اثنان كيف أنّ الحفاظ على أجسامنا صحيحة يكون بتوخّي الحذر والدّقّة في تناول الطّعام السّليم النّافع، واتّباع قواعد أساسيّة تَحدَّثنا عنها سابقًا؛ فمن بابٍ أَوْلَى - ولتحقيق السّلامة- علينا أن نتّقيَ أمورًا، ونتّبع قواعد صحّيّة -متّفَقًا عليها- في شهر رمضان.
السّحور على رأس القائمة:
في شهر رمضان يتحدّث العلماء عن أفضليّة إحياء اللّيل؛ لكن الأولاد في زماننا سيكونون في المدارس، ولديهم استحقاقات وامتحانات، ومع ذلك علينا -بأقلّ تقدير- أن نعينهم على الاستيقاظ وقت السّحر للتّسحّر؛ قال نبيّنا(ص): "تَسَحَّرُوا فَإِنّ‏ السّحُورَ بَرَكَةٌ."(1) "اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ‏ السَّحَرِ عَلَى صَوْمِ النَّهَارِ‏."(2)
شدّد النّبيّ الأكرم(ص) والأئمة الأطهار(ع) على عدم ترك السّحور ولو بشربةٍ من ماء، فعنه(ص) أنّه قال: "إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ، فَلْيَتَسَحَّرْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاء."(3) كما شدّدت أخبارهم(ع) على نوعين من الطّعام في السّحور وهما: التّمر والسّوِيق.(4) فقال(ص): "نِعْمَ‏ السَّحُورُ لِلْمُؤْمِنِ‏ التَّمْرُ."(5) وقال الصّادق(ع): "أَفْضَلُ‏ سَحُورِكُمُ‏ السَّوِيقُ‏ وَالتَّمْرُ."(6)
ذُكِر من فوائد سويق العدس أنّه يقطع العطش، وسويق الحنطة يُسمّن ويزوّد الجسم بالطّاقة الكافية للتّقوّي. وكذلك سويق الشّعير يعطي طاقة للجسم. يمكن مزج هذه الأنواع الثّلاثة وتناولها مع تمر وماء فاتر.
أمّا عدد حبّات التّمر، فبناء على ما ورد عن رسول الله(ص): "كُلُوا الثِّمَارَ وَتْرًا لَا تُضَرُّوا."(7) فلا ضير من تناول التّمر بأعداد مفردة (3 ــ 5 ــ 7)، وإن كان للحديث معانٍ أخرى محتملة. وبعد التّمر يُشرب جرعات من الماء الفاتر تروّيًا وتلذّذًا؛ روي أنّ الإمام الصادق(ع) دعا بتمرٍ فأكل وأقبل يشرب عليه الماء، وعندما قال له أحدهم: "جُعِلْتُ فِدَاكَ لَوْ أَمْسَكْتَ عَنِ الْمَاءِ، قَالَ(ع): إِنَّمَا آكُلُ التَّمْرَ لِأَسْتَطِيبَ‏ عَلَيْهِ الْمَاءَ."(8)
الإرشادات المتعلّقة بمختلف الأصناف الغذائيّة:
الألبان والأجبان: للحليب واللّبن فوائد جمّة، فقط علينا أن نقف عند قول الإمام الرضا(ع) في رسالته الذّهبيّة: "أَيَّارُ وَاحِدٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا...، وَقَدْ نُهِيَ فِيهِ عَنْ... وَاللَّبَنِ."(9) ويُفسّر بعضهم "اللّبن" الوارد في الروايات، بالحليب في زماننا. أما الأجبان فعلينا التّقليل منها، وعند تناولها علينا اختيار الجبن الأبيض بعد تحليته جيّدًا وجمعه مع الجوز.
النّشويّات: علينا الابتعاد ما أمكن عن الطّحين الأبيض المكرّر، وكل ما فيه هذا المكوّن؛ كالخبز الأبيض وغيره، وتناول الحنطة الكاملة؛ كخبز القمح الكامل، الشّوفان، خبز الشّعير.. وكذلك تناول الأرزّ الكامل.
اللّحوم: نهى الإمام(ع) عن بعض أصنافها في شهر أيّار: "وَقَدْ نُهِيَ فِيهِ عَنْ أَكْلِ‏...‏ وَاللُّحُومِ الْغَلِيظَةِ كَالرُّؤوسِ وَلَحْمِ الْبَقَرِ."(10) فعلينا استبدالها ما أمكن باللّحم الطّريّ واعتماد لحم الغنم، والابتعاد عن تناول اللّحم النّيْء.
الزّيوت: الإكثار من تناول زيت الزّيتون الطّبيعي في السّلطات، ويمكن إضافته في الطّبخات التي تطبخ على الغاز. الابتعاد عن المقالي اليوميّة ما أمكن وتجنّب القلي في نفس الزّيت مرّتين؛ ما يعني الحذر من تناول الإفطار في المطاعم!
الخضار: الإكثار من تناولها لكثرة احتوائها على ألياف تقلّل من نسبة الإصابة بالإمساك، بالإضافة إلى احتوائها على فيتامينات ومعادن مختلفة؛ وخاصّة الخضار الخضراء كالهندباء والبقلة. يمكن تناول هذه الخضار في السلطات أو طبخها كحساء.
الفاكهة: يمكن تناول الفاكهة الطّازجة أو المجفّفة بعد ساعتين من الإفطار(عندما ترتاح المعدة). ويفضّل اختيار فاكهة الموسم.
أمّا بالنّسبة للمشروبات والملح والسّكّر:
المشروبات: الابتعاد عن المشروبات الغازيّة كلِّيًّا. الفصل بين شرب أيّ مشروب وبين وجبة الإفطار. تفادي شرب الماء بعد الإفطار مباشرة (وخاصة بعد الأكل الدّسم)، وتفادي شرب الماء البارد.
الملح: بالإضافة إلى ما حذّرنا منه سابقًا من خطورة تناول الملح المكرّر، يقول الإمام(ع) بخصوص شهر أيّار: "وَقَدْ نُهِيَ فِيهِ عَنْ أَكْلِ‏ الْمُلُوحَاتِ‏."(11) وأساسًا ينبغي أثناء الصّيام التّقليل من الملح والملوحات لتجنّب الشّعور بعطشٍ زائد. وكذلك الأمر بالنّسبة للتّوابل الحارّة التي تسبّب العطش.
السّكّر: علينا تجنّب السّكّر المكرّر، وكلّ ما هو مصنوع منه، واستبداله بالعسل أو الدّبس أو قصب السّكّر(سكّر القصب)؛ ولكن بكمّيّات معتدلة. وبالتّالي علينا أن لا ننجرّ -تحت ضغط الأجواء الرّمضانيّة-إلى تناول الحلويات العربيّة والرّمضانيّة، إلّا إذا تمّ تصنيعها بموادّ بديلة غير ضارّة. وتناول الحلويات لا يكون إلّا بعد حوالي ساعتين من الإفطار، أي عندما ترتاح المعدة، وعقّبوها بكسرة خبز.
بشكلٍ عام، يُنصح بالاعتماد على الطّعام المحضَّر في المنزل، والابتعاد عن المشتريات الخارجيّة والأطعمة المُعَدّة مسبقًا؛ ففي ذلك نظافة وخفّة وبساطة وعدم إسراف، لمن يلتزم بالمعايير المذكورة.
على ماذا نفطر؟
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) إِذَا أَفْطَرَ بَدَأَ بِحَلْوَاءَ يُفْطِرُ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَسُكَّرَةٍ أَوْ تَمَرَاتٍ، فَإِذَا أَعْوَزَ ذَلِكَ كُلّهُ فَمَاءٍ فَاتِرٍ، وكَانَ يَقُولُ: يُنَقِّي‏ الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ وَيُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَالْفَمَ وَيُقَوِّي الْأَضْرَاسَ وَيُقَوِّي الْحَدَقَ وَيَجْلُو النَّاظِرَ وَيَغْسِلُ الذُّنُوبَ غَسْلًا وَيُسَكِّنُ الْعُرُوقَ الْهَائِجَةَ وَالْمِرَّةَ الْغَالِبَةَ وَيَقْطَعُ الْبَلْغَمَ وَيُطْفِئُ الْحَرَارَةَ عَنِ الْمَعِدَةِ وَيَذْهَبُ بِالصُّدَاعِ."(12) وقال(ص): "مَنْ‏ وَجَدَ التَّمْرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ"(13) وقال(ص): "أَفْضَلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ‏ الصَّائِمُ‏ الزَّبِيبُ‏ أَوِ التَّمْرُ أَوْ شَيْ‏ءٌ حُلْوٌ."(14) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع) يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) يُفْطِرُ عَلَى الْأَسْوَدَيْنِ، قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَمَا الْأَسْوَدَانِ؟ قَالَ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ وَالزَّبِيبُ وَالْمَاءُ، وَيَتَسَحَّرُ بِهِمَا."(15) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) يُفْطِرُ عَلَى التَّمْرِ فِي زَمَنِ التَّمْرِ وَعَلَى‏ الرُّطَبِ‏ فِي‏ زَمَنِ الرُّطَبِ."(16)
إذن، نبدأ بحلواء أو سكّرِ قصبٍ طبيعيّ أو تمر أو ماء فاتر(احترزوا ليلًا من الشرب وقوفًا). أما وجبة إفطارنا اليوميّة، فإذا احتوت على حساء وصحن سلطة وطبق رئيسي(نشويات، ولحوم أو حبوب)، وبعدها بساعتين فاكهة، وكانت وجبة السّحور مكوّنة من كوب لبن وتمر وسويق، يكون ذلك كافيًا لشحن طاقتنا اليوميّة. ومع تنوّع هذا الطّبق بين يوم وآخر لن ينقص شيءٌ من حاجات الجسد الغذائيّة.
بعض الأولاد يعانون من نقص الوزن، فيُفضّل أن يأكلوا ثلاث مرّات: إفطار، وجبة قبل النّوم(عند منتصف اللّيل)، ووجبة عند السّحور. وبالإجمال هناك مأكولات مفيدة ويُشَجَّع عليها للتّقوِّي؛ كالهريسة، لحم الغنم باللبن، اللّبن والتّمر، حليب وعسل وتمر، مكسّرات نيئة كاللّوز.. وأمّا من يعاني من وزن زائد، فإنّ اتّباع هذه الإرشادات والقيام عن الطّعام قبل الشّبع يساعد في ضبط الوزن.
"إِنَّ الْفُرَصَ‏ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَانْتَهِزُوهَا."(17) علينا أن نستغلّ هذا التّطهير المعنويّ والجسديّ الذي يتيحه لنا شهر الله في ضيافته السّنويّة، لانطلاقة متجدّدة في التّعامل مع عالمِ أبداننا فأرواحنا.


1. مستدرك الوسائل، ج7، ص 357.
2. مجموعة ورام، ج2، ص 236.
3. وسائل الشيعة، ج10، ص 146.
4. السويق أنواع، يتخذ من مدقوق الحنطة أو أصناف الحبوب (العدس، الشعير..). سُمِّي بذلك لانسياقه في الحلق.
5. مستدرك الوسائل، ج7، ص 358.
6. وسائل الشيعة، ج10، ص 146.
7. مستدرك الوسائل، ج16، ص 461.
8. الكافي، ج6، ص 382.
9. مستدرك الوسائل، ج16، ص 455.
10. مستدرك الوسائل، ج16، ص 455.
11. مستدرك الوسائل، ج16، ص 455.
12. الكافي، ج4، ص 153.
13. مستدرك الوسائل، ج7، ص 365.
14. بحار الأنوار، ج59، ص 296.
15. وسائل الشيعة، ج10، ص 146.
16. الكافي، ج4، ص 153.
17. تصنيف غرر الحكم، ص 473.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

مريم علامة - اختصاصية في التغذية