نشاط دون منشّطات

البوصلة/ إرشادات صحية

مريم علامة - اختصاصية في التغذية
إن أجريت بحثًا سريعًا حول القهوة(1) ستجد الكثير من المقالات التي تتحدّث عن فوائدها إن تمّ تناولها بحدّ معيّن، وأنّ تعدّي هذا الحدّ الموصى به يُسبب عكس الغرض من تناولها. لكن الحقيقة أنّ هناك الكثير من الجدل حول ما إذا كانت فوائد القهوة غالبة على أضرارها أو العكس! وهل أن هذه الفوائد تشكّل أسبابًا قويّة مقنعة للجوء إليها، أم أنّ السلبيات تطغى؟
الكافيين هي المادة مورد النظر ها هنا، لعلوّ نسبة تواجدها في مشروب واحد من القهوة. لقد حذّر بعض الباحثين من كون الكافيين "دواء"، فهو وإن كانت نسبة معيّنة منه آمنة عمومًا ولكنّه يسبّب الإدمان. لذا نجد منظمة الصحة العالمية قد صنّفت حالات الاعتماد عليه كمشكلة مرضيّة(2). وقد أكّدت التجارب والأبحاث أنّ من يتوقّف عن تناوله بعد مدّة من الإدمان عليه، يعاني من عوارض سلبية كالصداع والشعور بالتعب لبضعة أيام حتى يعود ويتأقلم جسده من جديد.
وقد أوعز الباحثون أهم فوائد القهوة إلى مضادات الأكسدة الموجودة فيها، لكن قسمًا منهم أشار إلى أنّ هذه المواد متوفّرة في أغذية أخرى بنسب عالية أيضًا (مثل الفواكه والخضار) وبدون عوارض جانبية. وكذلك الأمر بالنسبة لتحصيل الطاقة، فالقهوة لم تكن يومًا مصدرًا مثاليًّا لذلك.
وفي سعينا للحفاظ على أجسامنا سليمة وقوية ينبغي أن نطرح السؤال التالي: هل إننا عندما نشرب القهوة ندرك فعلًا فوائدها (المنشورة) ونشربها بهذا الداعي؟ أم انّ الأمر بدأ تقليدًا وربما تماهيًا مع صديق وأصبح عادةً أو إدمانًا؟ إنّنا مدعوون إلى عملية وعي لحاجاتنا أوّلًا، ولخياراتنا ثانيًا.. وهنا بعض الحقائق حول القهوة:
1. القهوة أنواع، لذا فنسبة الكافيين تختلف من نوع لآخر، كما أنّ لكيفية تصنيعها وتحضيرها ولمكوّناتها أثر على ذلك.
2. تعدّ القهوة من أكثر المحصولات عرضة للتلوّث نتيجة رشّ المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية(3)، ما يتطلّب توخي الحذر بشأن مصدرها.
3. مَثل الشرب الدائم للقهوة كمثل كثرة استخدام دواء معيّن، حيث يؤدي مع الوقت إلى فقدان تأثيره على الجسد والحاجة إلى جرعات أعلى ليُحدث الأثر المبتغى(4)، وهذا أمر يُنذر بالخلل.
4. للقهوة آثار سلبيّة خاصة على من يعاني من حالات صحيّة في الجهاز الهضمي والغدد وله ضرر على الأجنة والأطفال أيضًا(5)، وكذلك على من يتناولها بجرعات متوسطة في جلسة واحدة(6).
5. الكافيين مادة تعمل على وظائف عضوية عديدة؛ لديها القدرة على التأثير على الهرمونات والمؤشرات العصبية وعلى العضلات. ولا يقتصر تواجدها في القهوة، لذا ينبغي الالتفات إلى عدم حصر حساب نسبة الكافيين على أكواب القهوة التي يتم تناولها يوميًّا!
هذا، وينبغي إعادة النظر في العادات المتّبعة في شرب القهوة على الريق، فمضافًا إلى كونها عادة غير صحّيّة لما لها من آثار على المعدة وعلى تأخير أو إلغاء وجبة الصباح، لعلها كانت مؤشّرًا على نمط حياة خاطئ علينا التنبّه له. فعلى سبيل المثال، يلجأ البعض لتناول القهوة صباحًا بحجّة الحاجة إلى التركيز والصحو، بينما نجد أنّ نمط العيش الإسلامي يدعونا لإعطاء الجسد حاجته الأساسية للراحة اليومية، فالنوم في وقت محدّد ولساعات محدّدة يكفل للجسد قسطًا كافيًا من الراحة بحيث يستيقظ الإنسان مفعمًا بالحيوية والنشاط للعطاء والعمل؛ فلماذا يحتاج إلى ما يوقظه بعد حوالي 7 ساعات من النوم! وإن كان لا ينام وقتًا كافيًا، فإن شرب المنبّهات عند الاستيقاظ أشبه ما يكون بتناول دواء مسكّن لإسكات الألم دون معالجة سببه، وما إن تنقضي ساعات مفعول الدواء المسكّن حتى يعود الشعور به!
إن العلاج النافع لأيّ مشكلة يبدأ من معرفة سببها. وكم أننا محتاجون إلى فهم معنى الحياة ومعنى وجودنا كي نُحافظ على أجسادنا نشيطةً دون منشّطات ضارّة.
إنّ اتّباع العادات غير الصحية هي سلسلة يؤثّر بعضها ببعض. فمثلًا، يعترض البعض عندما يسمع الإرشادات الغذائية التي تقضي بضرورة تغيير نوع الملح الذي يتناوله ويستنكر السعر المضاعف للملح الأمثل، بينما تراه يشتري المنبّهات ويدفع عن طيب خاطر مثل هذا السعر وربما أكثر! ولو أنّه التزم بما هو أهم وأنفع له، لحصّل فوائد أكثر على الصعيد الجسدي والاقتصادي.
تصحّ هنا مقولة أنّ الآباء يورثون أبناءهم مستقبلهم، بدءًا من مراحل الحمل والرضاعة وضرورة توقّي آثار شرب القهوة على الطفل، ومرورًا بأهميّة توعية الأبناء بشأن الحفاظ على أجسادهم سليمة، وما للأهل من دور في تقديم النموذج العملي لأولادهم. على الوالدين أن يُعيدوا النظر في رؤيتهم لنمط غذائهم وطريقتهم السائدة تجاه كل تفصيل فيه، ومنه على سبيل المثال شرب القهوة، قال تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم‏}(7).



1.. المقصود هو القهوة الخام والقهوة سريعة التحضير (النسكافيه).
2. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3777290/
3. https://foodfacts.mercola.com/coffee-bean.html
4 https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/1410146>
5.tps://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/10499460> - - - - - https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/16522833>
6. https://www.healthline.com/nutrition/caffeine-side-effects>
7. سورة المائدة، الآية 105.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

مريم علامة - اختصاصية في التغذية