8 أصول ثابتة لأيّ نظام غذائي

البوصلة/ إرشادات صحية

مريم علامة - اختصاصية في التغذية
يلعب اهتمام الإنسان بجسده دورًا هامًّا على صعيد بنائه وتكامله المادي والمعنوي. ونظرًا لشهود الإنسان آثار ذلك عاجلًا على بنيته الجسدية، بات السماع عن "نظام غذائي" محفّزًا ومشجّعًا للعديد ليستقصوا حوله. نعم، إنها كلمة طيّبة وأصلها ثابت، رغم أن لكل فردٍ نظامه الخاص الذي يناسبه بحسب خصائصه ونمط عيشه ووضعه الصحي. فما هي هذه الأصول الثابتة التي ينبغي مراعاتها في أيّ نظام غذائي، ومنها تتفرّع كل التفاصيل الأخرى؟
1. نوعية الطعام: حيث ينبغي اللجوء إلى مختلف الأطعمة الصحّيّة السليمة الخالية من الأضرار. فمن جهة ميّزت الشريعة لنا بين الطيبات والخبائث، ومن جهة أخرى فإنّ كيفية صناعة الغذاء الدور الأساس في تحديد نوعيّته. فعلى سبيل المثال، الفارق كبير بين استخدام: الملح المكرر والملح البحري أو الصخري؛ السكر المكرر والسكر غير المكرر؛ الزيوت المهدرجة وزيت الزيتون مثلًا؛ لحم العجل (البقر) ولحم الضأن (الغنم) مثلًا.
2. كمية الطعام: على الإنسان أن يأكل بمقدار لا يشعر فيه بتخمة، بل يراعي وصيّة أمير المؤمنين(ع): "لَا تَرْفَعَنَّ يَدَكَ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا وَأَنْتَ‏ تَشْتَهِيه‏"،1 فالامتلاء من الطعام يضع الجهاز الهضمي تحت ضغط كبير،2 لذا يعتبر "القيام عن الطعام قبل الشبع بقليل، هو أفضل طريقة للهضم الصحيح"3. كما على الإنسان أن لا يأكل إلّا عند الجوع الحقيقي؛ فعن الإمام الصادق (ع): "ثَلَاثٌ‏ فِيهِنَّ‏ الْمَقْتُ‏ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ... وَأَكْلٌ عَلَى الشِّبَعِ"4. وتذكّروا حثّ رسول الله (ص) لنا على عدم الامتلاء: "مَا مَلَأَ الْآدَمِيُّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ‏ لِشَرَابِهِ‏ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ"5.
3. توزيع الغذاء المناسب بحسب الأوقات والظروف: في تراثنا الروائي إرشادات تتعلق بوجبات الإنسان، والغذاء المناسب في كل وقت منها؛ فما يفيد تناوله ليلًا مثلًا قد يكون مضرًّا صباحًا. كما أنّ في أحاديث الرسول وآل بيته (ع) ذكر كثير لعلاجات أمراض عديدة قد تُصيب أيًّا منّا؛ فللغذاء بُعدٌ استشفائي ووقائي، ينبغي عدم الغفلة عنه. إنّ تناول الإنسان للغذاء المناسب في الوقت المناسب يساعد على سلامته وانتظام عمل معدته وثبات وقت جوعته، كما أنّ ذلك يساعد في تربية النفس على الانضباط وعلى عدم الانجرار وراء رغباتها.
4. كيفية تناول الطعام والشراب: روي عن المعصومين(ع) الكثير من التوصيات والمستحبات والمكروهات التي تحكي عن الكيفية السليمة بهذا الشأن، كالأكل باليمين وتصغير اللقمة وتجويد المضغ وغير ذلك كثير.
5. التوجيه المعنوي للأكل والشرب: عن الإمام الصادق(ع): "أُوصِيكَ بِتِسْعَةِ أَشْيَاءَ فَإِنَّهَا وَصِيَّتِي لِمُرِيدِي الطَّرِيقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى‏... فَإِيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيهِ‏ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْحَمَاقَةَ وَالْبَلَه‏"6. فإذا كنت طالبًا للكمال وعلمت الأثر الكبير لعالم الأجسام والطّبيعة على الرّوح والمعنى وأدركت ما للطّعام والشّراب من أثر على حياة الأجسام وكمالها، فسوف تكون شديد الاعتناء بمأكلك ومشربك، وعندها ستسعى أن يكون أكلك وشربك قربة إلى الله كما جاء في وصية النبي الأكرم (ص) لأبي ذر الغفاري: "يَا أَبَا ذَرٍّ لِيَكُنْ لَكَ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ نِيَّةٌ حَتَّى فِي النَّوْمِ وَالْأَكْلِ"7 . إضافة إلى اتّباع الوصايا الكثيرة لأئمة الدين(ع) التي تدعو للاستفادة من الأثر المعنوي لأطعمة محدّدة على العقل والقلب والأخلاق والسلوك.
6. الصيام: أشارت بعض الدراسات إلى أهميّة إدخال الصوم في برامج الحمية والتنظيم الغذائي لما له من فوائد في علاج المشاكل الصحية، وهذا يوافق أحكام الشريعة الإسلامية، فبالإضافة إلى وجوب صيام شهر رمضان المبارك، ذُكرت فتاوى باستحباب صوم عدّة أيام على مدار العام، منها: "صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأفضل كيفيتها أول خميس منه وآخر خميس منه وأول أربعاء في العشر الثاني.. ومنها: كل خميس وجمعة"8؛ "ولعلّ الحثّ على صوم ثلاثة أيام في الشّهر أو يومين في الأسبوع من أجل تنقية الجسد وتصفية المعدة وموارد الغذاء والطّاقة من السّموم التي تعرض عليه من جرّاء المأكولات التي يختلط بها الغثّ بالسمين وتكثر فيها الآفات. فمن أكل حلالًا وصام أو جاع- بمعنى أنّه أصرّ على تجويع نفسه لعدّة ساعات قبل أن يأكل مجدّدًا- فسوف يشعر ببركة ونشاط وصحّة مميّزة"9 هذا ما بيّنته الدراسات من أنّ للجوع (أو الصوم) أثرًا إيجابيًّا على الصحة، فضلًا عن أنّه يحسّن صنع القرارات الاستراتيجية.10
7. ممارسة الرياضة بانتظام: إنّها من الأهمية بحيث كانت إحدى توصيات ولي أمر المسلمين الثلاث للشباب؛ يقول (دام ظله): "إنّ أي عمل يطمح الإنسان إلى أدائه يمكنه أداؤه وهو في دور الشباب. بمعنى أن كل واحد من المجالات الثلاثة: اكتساب العلم، وتهذيب النفس، والرياضة، يجب بذل الجهود فيه في سنّ الشباب. والكل على معرفة بأنّ الرياضة في مرحلة الشيخوخة ليس لها نفس تأثير الرياضة في مرحلة الشباب"11. ويقول أيضًا: "فالنشاط والصحّة والجهوزية والرغبة بالعمل يمكن تحقيقها في ظل الرياضة العامّة للمجتمع"12. وقد أثبتت التجارب أن لا غنى عن ممارسة الرياضة في حال. فالكثير من الأمراض تُعالج بالرياضة، كما أنّ أفضل أنواع الحمية وأسرعها نتيجة هي التي ترتكز على ممارسة الرياضة بشكل يومي.
8. جدولة وقت النوم وساعاته: يحتاج الإنسان في كل يوم إلى ساعات محدّدة من الاستراحة لتجديد نشاطه. وفي الإسلام توصيات تتعلق بأوقات النوم السليمة وكيفيته ووضعيته. ولا يخفى الأثر الإيجابي للنوم باكرًا والاستيقاظ باكرًا على تثبيت أوقات الوجبات اليومية وتنظيمها، إذ سيُجهّز الجسد نفسه بشكل يومي لاستقبال الطعام في الوقت الذي اعتاد عليه، مما ينظّم عملية إفراز المواد الهاضمة.
ويبقى أن نشير إلى القاعدة التي ذكرها رسول الله محمد (ص) في سياق حديثه عن الداء والدواء: "وَأَعْلَمُ أَنَّ الْمَعِدَةَ بَيْتُ الدَّاءِ وَأَنَّ الْحِمْيَةَ هِيَ الدَّوَاء وَأُعَوِّدُ الْبَدَنَ‏ مَا اعْتَاد"13، يستنتج بعض الخبراء من هذا الحديث أنّه إذا كان للإنسان بعض العادات السيئة أو غير السليمة كعدم تناول الفاكهة، فأثناء محاولته لتغييرها "يفضّل تغييرها أو تركها بالتدريج وشيئًا فشيئًا، فإنّ التخوّف في التغيير المباشر حيث لا يعتاده البدن"14. وذلك مع الحفاظ على القاعدة التي تقول بأن أية حالة صحية يُعاني منها الإنسان عليه أن يبحث عن أسبابها أوّلًا ليُعالج منشأها فيقوم بالتغييرات اللازمة، وبذلك تتردّد أصداء المعالجة على باقي الجسد.
أما كيف يعرف كل فرد برنامجه الغذائي التفصيلي الخاص، فلذلك أساليب عدّة وعلى رأسها أن يُعطي كل فرد منّا مساحة لنفسه على مدى زمني معتدّ به ليُجرّب ويراقب مفاعيل وآثار الأغذية على جسده، هذا بعد تشخيص وضعه الصحي والاطلاع على الأغذية المناسبة له لاعتمادها في نظامه؛ قال الإمام الصادق(ع) لرجل‏: "إِنَّكَ قَدْ جُعِلْتَ طَبِيبَ‏ نَفْسِكَ‏، وَبُيِّنَ لَكَ الدَّاءُ، وَعُرِّفْتَ آيَةَ الصِّحَّةِ، وَدُلِلْتَ عَلَى الدَّوَاءِ، فَانْظُرْ كَيْفَ قِيَامُكَ عَلَى نَفْسِكَ"15.
إنّ النظام الغذائي ليس مختصًّا بفئة دون أخرى، فهو مطلوب للسمين والهزيل كما هو مطلوب للكبير والصغير. إنّه نمط عيش ينبغي أن نسعى لترسيخه في محيطنا ومع أطفالنا على طريق إعداد أجيال صحيحة الجسد والبنية، قويّة الفكر والرؤية، ما استطعنا..


1. مستدرك الوسائل، ج16، ص 219.
https://www.theactivetimes.com/healthy-living/what-overeating-does-your-body .2
3. السيد عباس نورالدين، معادلة التكامل الكبرى، ص 131.
4. مستدرك الوسائل، ج16، ص 217.
5. مستدرك الوسائل، ج16، ص 210.
6. بحار الأنوار، ج1، ص 226.
7. وسائل الشيعة، ج1، ص 48.
8. الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، ج1، ص 270- 271.
9. السيد عباس نورالدين، معادلة التكامل الكبرى، ص 134.
10.https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/27810402
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4207792/
11. خطاب الإمام الخامنئي في جمع من الشباب من مختلف الشرائح الاجتماعية، طهران، 11 محرم 1419هـ.
12. خطاب الإمام الخامنئي في تجمع زوّار وجيران الحرم الرضوي المطهر، 21 آذار 2010م.
13. بحار الأنوار، ج58، ص 307.
14. الشيخ عباس تبريزيان، إرشادات الرسول المصطفى (ص) في الصحة وطول العمر، ص 425.
15. الكافي، ج2، ص 454.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

مريم علامة - اختصاصية في التغذية