بُحبوحة الاستحمام

البوصلة/ إرشادات صحية

مريم علامة - اختصاصية في التغذية
أعضاء الإنسان وجوارحه من النِّعم التي ينبغي عدم الغفلة عن أداء شكرها. والشكر الحقيقي هنا يُترجم في استعمالها بما يرضي الله، ولا يمكن ذلك بدون المحافظة عليها نظيفة نقيّة. من هنا أهمية تربية الأبناء على ضرورة الاستحمام لتحقيق النّظافة اللّازمة والشّاملة لكافّة البدن.
عادة ما يحبّ الأطفال، حديثو الولادة، الماء واللّعب به، فيتحوّل وقت استحمامهم إلى وقت ممتع ومسلٍّ عندهم، خاصة إذا ما ترافق مع لعب وتشجيع الأهل لهم. ومع تقدّم العمر وبحسب تجربة كلّ طفل وطريقة تعاطي الأهل مع هذا الطقس، يحافظ بعض الأبناء على حبّهم للاستحمام، بينما ينفر آخرون منه. من هنا فإنّ أسلوب الأهل هو الّذي يصنع المنعطف الأول لتوجّهات أولادهم وإقبالهم على الاستحمام ببهجة وعن طواعية.
في الإسلام كلام حول الاستحمام في كلمات النبيّ وآله (صلوات الله عليهم)، يساعدنا الاطلاع عليها واتّباعها مع أبنائنا منذ الصِّغر، وتعليمهم إياها بحسب مرحلتهم العمرية على: عدم تحميل أولادنا أكثر من طاقتهم من جهة، وتحصيل فوائد الاستحمام لأقصى حدّ من جهة ثانية.
فيما يلي نتعرّف على مقدار الاستحمام، وقته، شروطه، وفوائد أعمال خاصة واردة فيه:
تُطلعنا الرّوايات على العلاقة بين نحافة الجسد أو بدانته وبين مقدار الاستحمام الأسلم. عن أبي الحسن (ع) قال: "الْحَمَّامُ‏ يَوْمٌ‏ وَيَوْمٌ لَا، يُكْثِرُ اللَّحْمَ؛ وَإِدْمَانُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُذِيبُ شَحْمَ الْكُلْيَتَيْنِ." (1) وعَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: "مَرِضْتُ حَتَّى ذَهَبَ لَحْمِي، فَدَخَلْتُ عَلَى الرِّضَا (ع) فَقَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْكَ لَحْمُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: الْزَمِ الْحَمَّامَ غِبّاً(2) فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَيْكَ لَحْمُكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُدْمِنَهُ فَإِنَّ إِدْمَانَهُ يُورِثُ السِّلَّ."(3) فالقاعدة الأساسية هي في الاستحمام يومًا وتركه يومًا، إلّا أن يكون الإنسان ذا حالة صحّيّة خاصّة، ككثير اللّحم إذا أراد أن يَضْمُرَ (4) فيستحمّ كلّ يوم.
هذا مع الالتفات إلى كون الاستحمام أقسامًا؛ وهنا الحديث عن الاستحمام الكامل باستخدام المنظّفات كافّة للشّعر والجسد، وليس الحديث عن الإتيان بالأغسال السّريعة لإزالة رائحة التعرّق مثلًا، أو الأغسال الواجبة أو المستحبة، وإن كان بالإمكان الاستفادة من بعضها للجمع بينها وبين الاستحمام الكامل.
ومن أهم ما ذُكر في خصوص مواقيت الاستحمام قول الإمام الباقر (ع):‏ "لَا تَدَعِ الْغُسْلَ‏ يَوْمَ‏ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ سُنَّة."(5) وقَالَ ولده الصَّادِق (ع‏): "غُسْلُ‏ يَوْمِ‏ الْجُمُعَةِ طَهُورٌ وَكَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الذُّنُوبِ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ."(6) ولعلّه لأهميّة هذا اليوم المبارك ومحوريته وبركة الغسل فيه، أوعز الإمام الرضا (ع): "وَاسْتَحِمُّوا يَوْمَ الْأَرْبِعَاء."(7) كمُقدِّمة وتهيئة وحافزٍ واستعدادٍ للإتيان بغسل يوم الجمعة والتنظّف فيه؛ "لِيَتَزَيَّنَنَّ‏ أَحَدُكُمْ‏ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَغْتَسِل وَيَتَطَيَّب وَيَتَسَرَّح وَيَلْبَس أَنْظَفَ ثِيَابِهِ وَلْيَتَهَيَّأْ لِلْجُمُعَة.."(8)
أما في شروط الاستحمام فيقول الإمام مُوسَى الكاظم (ع)‏: "لَا تَدْخُلُوا الْحَمَّامَ عَلَى الرِّيقِ، وَلَا تَدْخُلُوهُ حَتَّى تَطْعَمُوا شَيْئًا."(9) وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: "لَا تَدْخُلِ الْحَمَّامَ إِلَّا وَفِي جَوْفِكَ شَيْ‏ءٌ يُطْفَأُ بِهِ عَنْكَ وَهَجُ الْمَعِدَةِ وَهُوَ أَقْوَى لِلْبَدَنِ، وَلَا تَدْخُلْهُ وَأَنْتَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الطَّعَامِ".(10) وعَنْه (ع): "ثَلَاثَةٌ يَهْدِمْنَ الْبَدَنَ .. وَدُخُولُ الْحَمَّامِ عَلَى الْبِطْنَةِ."(11)
يقول آية الله الشيخ عباس تبريزيان؛ أحد روّاد الطّب الإسلامي: "نعم لما كان دخول الحمام بحاجة إلى تحرّك وفعالية وبذل الجهد في مجال تنظيف البدن وإزالة الأوساخ غالبًا، احتاج إلى ما يسنده ويقوّيه ولو بشيءٍ يسير من الطّعام."(12) فيتضح أنّ المطلوب هو أمر بين أمرين، لا إفراط ولا تفريط؛ إذ يشترط قبل الاستحمام تناول لقمة بأقلّ تقدير، وصولًا إلى ما قبل التّخمة. (وقد يكون لهذا الشّرط استثناء بحسب روايات أخرى في حالات علاجيّة خاصّة).
وللحمّام علاجاتٌ وفوائد إن اتّبعنا أعمالًا معيّنة فيه. ولا عجب أن نجد في مختلف قضايا الحياة أعمالًا واردة في النّصوص الإسلاميّة تساعد أبناءنا أن يُبقوا نظرهم شاخصًا على الغاية التي لأجلها خلقوا، فلا يستغرقوا بالوسيلة على حساب الهدف وليبقوا واعين له بكل خطواتهم. ومن هذه الأعمال الواردة بخصوص الحمام عن الإمام الصَّادِق (ع): "إِذَا دَخَلْتَ الْحَمَّامَ فَقُلْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَنْزِعُ ثِيَابَكَ فِيهِ:"اللَّهُمَّ انْزِعْ عَنِّي رِبْقَةَ النِّفَاقِ وَثَبِّتْنِي عَلَى الْإِيمَانِ"... فَإِذَا لَبِسْتَ ثِيَابَكَ فَقُلْ: "اللَّهُمَّ أَلْبِسْنِي التَّقْوَى وَجَنِّبْنِي الرَّدَى." فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ أَمِنْتَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ."(13)
كما ورد مجموعة أعمال مفيدٌ المواظبة عليها:
1. التدهّن بدهن البنفسج لمدّة قبل الدخول للحمام؛ عن الإمام الرضا (ع): "وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ لَا يَظْهَرَ فِي‏ بَدَنِكَ‏ بَثْرَةٌ وَلَا غَيْرُهَا، فَابْدَأْ عِنْدَ دُخُولِ الْحَمَّامِ بِدَهْنِ بَدَنِكَ بِدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ."(14)
2. شرب خمس جرع ماء فاتر قبل دخول الحمّام؛ في الرِّسَالَةُ الذَّهَبِيَّةُ لِلرِّضَا (ع):‏ "وَإِذَا أَرَدْتَ دُخُولَ الْحَمَّامِ وَأَنْ لَا تَجِدَ فِي رَأْسِكَ مَا يُؤْذِيكَ، فَابْدَأْ قَبْلَ دُخُولِكَ بِخَمْسِ‏ جُرَعٍ‏ مِنْ‏ مَاءٍ فَاتِرٍ، فَإِنَّكَ تَسْلَمُ مِنْ وَجَعِ الرَّأْسِ وَالشَّقِيقَةِ."(15)
3. البدء بصبّ سبعةِ أكفٍّ ماءً حارًّا على الرّأس مع التّسمية؛ عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ قَالَ: "حَضَرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقَ (ع) وَقَدْ جَاءَهُ خُرَاسَانِيٌّ حَاجٌّ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا زِلْتُ شَاكِيًا مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي مِنْ وَجَعِ الرَّأْسِ، فَقَالَ لَهُ: قُمْ مِنْ سَاعَتِكَ هَذِهِ فَادْخُلِ الْحَمَّامَ، فَلَا تَبْتَدِئَنَّ بِشَيْ‏ءٍ حَتَّى تَصُبَّ‏ عَلَى‏ رَأْسِكَ‏ سَبْعَةَ أَكُفٍّ مَاءً حَارًّا وَسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَإِنَّكَ لَا تَشْتَكِي بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى."(16)
4. غسل الرأس بالخطمي؛(17) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: "غَسْلُ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ أَمَانٌ مِنَ الصُّدَاعِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ الْفَقْرِ وَطَهُورٌ لِلرَّأْسِ مِنَ الْحَزَازِ."(18) والحزاز هو هبرية في الرأس كأنّه نخالة؛ أي القشرة المعروفة. وَقَالَ: هُوَ نُشْرَةٌ."(19) "غَسْلُ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ يَذْهَبُ‏ بِالدَّرَنِ‏ وَيَنْفِي الْأَقْذَاء(20) (21)."
5. غسل الرأس بورق السّدر؛ قَالَ الصَّادِقُ (ع):‏ "اغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ بِوَرَقِ‏ السِّدْرِ فَإِنَّهُ قَدَّسَهُ كُلُّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَكُلُّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَمَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِوَرَقِ‏ السِّدْرِ صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ سَبْعِينَ يَوْمًا، وَمَنْ صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ سَبْعِينَ يَوْمًا لَمْ يَعْصِ اللَّهَ، وَمَنْ لَمْ يَعْصِ اللَّهَ (سَبْعِينَ يَوْمًا) دَخَلَ الْجَنَّةَ."(22)
6. صبّ الماء البارد على القدم بعد الانتهاء من الحمّام؛ قَالَ الصَّادِقُ (ع):‏ "وَصُبَّ الْمَاءَ الْبَارِدَ عَلَى قَدَمَيْكَ إِذَا خَرَجْتَ، فَإِنَّهُ يَسُلُّ الدَّاءَ مِنْ‏ جَسَدِكَ‏."(23) وقال (ع):‏ "اغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ بَعْدَ خُرُوجِكُمْ مِنَ الْحَمَّامِ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ بِالشَّقِيقَةِ، فَإِذَا خَرَجْتُمْ فَتَعَمَّمُوا."(24)
7. التعمّم لفترة بعد الخروج من الحمّام؛ عَنِ الْبَاقِرِ وَالصَّادِقِ (عليهما السلام): "إِذَا خَرَجْنَا مِنَ الْحَمَّامِ خَرَجْنَا مُتَعَمَّمِينَ‏ شِتَاءً كَانَ أَوْ صَيْفًا، وَكَانَا يَقُولَانِ: هُوَ أَمَانٌ مِنَ الصُّدَاعِ."(25)
هذه الإرشادات لا تحتاج جهدًا ولا تأخذ وقتًا، وما إن نواظب عليها لمدة وجيزة حتى تصبح جزءًا طبيعيًّا من حركتنا اليومية، وبانتقالها إلى أولادنا نؤمّن لهم معايير السلامة في الاستحمام مدى الحياة إن شاء الله تعالى.



. 1.الكافي، ج6، ص 496.
. 2.أي إتيانه يومًا وتركه يومًا.
. 3. الكافي، ج6، ص 497.
. 4. الضمر ـ بالضم: الهزال.
. 5. الكافي، ج3، ص 417.
. 6. من لا يحضره الفقيه، ج1، ص 112.
. 7. وسائل الشيعة، ج7، ص 366.
. 8. من لا يحضره الفقيه، ج1، ص 116.
. 9. وسائل الشيعة، ج2، ص 52.
. 10 الكافي، ج6، ص 497.
. 11. الكافي، ج6، ص 314.
. 12. الشيخ عباس تبريزيان، إرشادات الرسول المصطفى (ص) في الصحة وطول العمر، ص 207.
. 13. وسائل الشيعة، ج2، ص 44.
. 14. طب الإمام الرضا (ع)، ص 31.
. 15. مستدرك الوسائل، ج1، ص 435.
.16. بحار الأنوار، ج59، ص 143.
. 17. نباتٌ من الفصيلة الخُبَّازية، كثير النفع، يُدَقُّ ورقه يابسًا ويجعل غِسْلًا للرأْس فينقِّيه.
.18. وسائل الشيعة، ج2، ص 61.
. 19. وسائل الشيعة، ج2، ص 62.
. 20. الأقذاء: جمع قذى، والقذى: جمع قذاة؛ وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك.
.21. الكافي، ج6، ص 504.
.22. وسائل الشيعة، ج2، ص 63.
.23. وسائل الشيعة، ج2، ص 44.
. 24. مكارم الأخلاق، ص 55.
. 25. مكارم الأخلاق، ص 55.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

مريم علامة - اختصاصية في التغذية