سيد الشراب

البوصلة/ إرشادات صحية

مريم علامة - اختصاصية في التغذية
من المسلّم به أن الماء مكوّن أساسيّ في جسم الإنسان، حيث يشكّل حوالي 75% من وزن الأطفال وصولًا إلى 55 % عند كبار السن. وتزويد الجسم بالماء حاجة ضروريّة، لكن ما هي الكمية المطلوبة؟ وما هي قصّة شرب الأكواب الثمانية من الماء يوميًّا؟!
حتى الآن ليس هناك أي دليل علمي على حاجة الإنسان لشرب الماء بهذا المقدار يوميا (1)، وهي حقيقة يعرفها معظم الأطباء والمهتمين بالشأن الصحي. لقد "شاع بين النّاس أنّ الإنسان البالغ يحتاج يوميًّا إلى مقدار ليترين من الماء. وقد كان وراء هذه الشّائعة دراسة قام بها أحد المتخصّصين في التّغذية حين حسب مقدار ما يحتاجه البدن للحصول على سعراته الحراريّة في عمليّة الحرق، والتي يُعدّ الماء ضروريًّا فيها. لكن هذا الباحث فاته أن يحسُب نسبة الماء الموجودة في الأطعمة التي نتناولها والتي نحصل بواسطتها على سعراتنا الحراريّة، وهي نسبة قد تصل إلى ثمانين بالمئة. وهكذا ما زلتَ تشاهد العديد من النّاس يحملون قناني مياه الشّرب أينما ساروا لكي لا تنقص أجسامهم من الماء المطلوب. ولا حاجة للحديث عن الإهدار والإسراف والآثار السلبيّة لمثل هذه العادة التي نشأت من دراسة مغلوطة".(2)
وهذا ما أظهرته بعض الدراسات من أنّ الإنسان يأخذ حاجته من المياه ليس فقط عن طريق شرب الماء والسوائل، إنّما من الطعام أيضًا، وبيّنت نسب الماء الموجودة في مختلف أصناف الأطعمة.(3) وهكذا فإن إضافة الماء إلى غذائنا لا يعني شرب كوب بعد كوب، فالكثير من الفاكهة والخضار مثل الفريز، الخيار، البطيخ، تحتوي على نسب عالية من الماء.
لكن كيف يعرف الإنسان مقدار حاجته الواقعيّة لشرب الماء؟
إنّ الله عز وجل نهى عن الإسراف في الشرب {وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا}،(4) وأكّدت روايات المعصومين (ع) على أهميّة الإقلال من شرب الماء وأنّ في ذلك صحّة البدن: "لَوْ أَنَّ النَّاسَ‏ أَقَلُّوا مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ لَاسْتَقَامَتْ أَبْدَانُهُم‏"؛(5؛6) كما أشارت رواياتهم (ع) إلى أضرار جسديّة ومعنوية لكثرة شربه: "أَقِلَّ شُرْبَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَمُدُّ كُلَ‏ دَاءٍ"،(7) "لَا تُكْثِرْ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ مَادَّةٌ لِكُلِ‏ دَاءٍ"،(8) "لَا تُمِيتُوا الْقُلُوبَ‏ بِكَثْرَةِ الطَّعَامِ والشَّرَابِ فَإِنَّ الْقُلُوبَ تَمُوتُ كَالزَّرْعِ إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ".(9)
بالإضافة إلى ذلك، أوعز لنا الإمام الصادق (ع) عن وقت شرب الماء: "لَا يَشْرَبْ‏ أَحَدُكُمُ‏ الْمَاءَ حَتَّى يَشْتَهِيَهُ فَإِذَا اشْتَهَاهُ فَلْيُقِلَّ مِنْهُ".(10) كما حدّد النبي (ص) الحدّ الأعلى منه: "مَا مَلَأَ الْآدَمِيُّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ‏ لِشَرَابِهِ‏ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ"؛(11) يوضّح أحد رواد الطب الإسلامي، الشيخ تبريزيان: "الميزان المطلوب ما هو أقل من الثلث بكثير، ألا ترى أنّه قال "فإن كان لا بدّ"... ويبقى أنّ تعيين الثلث أو الأقل منه يصعب تحديده، واحتاج إلى علامة لذلك قد تكون هي نفس علامة الأكل، أي ترك الشرب مع بعض الميل إليه، وعدم الإقدام عليه حتى إحساس العطش".(12) وهكذا يمكن القول بشكل عام، أن شعور الإنسان بالعطش يعتبر من العلامات التي تكشف له عن مدى حاجته للماء أثناء النهار.
وإذا كان "الْمَاءُ سَيِّدُ الشَّرَابِ‏ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"(13) كما قال أمير المؤمنين (ع). فأول ما ينبغي أن يلجأ إليه الإنسان عند شعوره بالعطش هو الماء لرفع عطشه. وعندما يتّبع المرء نظامًا صحيًّا متوازنًا ومتنوّعًا فلن يشعر بنقص زائد عن حاجته الواقعيّة للماء، وبالتالي لن يضطر للإكثار منه، وإن كان لبعض الحالات استثناء.
إنّ معرفتنا بهذه الحقائق والتزامنا بها، يمهّد الطريق لأولادنا على أن يخطو منذ نعومة أظفارهم وفق النمط الصحي الحقّ، فلا نستمر بتكرار الأخطاء السائدة.


.1.https://www.bmj.com/content/343/bmj.d4280
. 2.السيد عباس نورالدين، كيف أمتلك جسدًا قويًّا، ص 24- 25.
. 3.https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2908954/#R16 . 4.سورة الأعراف، الآية 31.
. 5.يقول الشيخ عباس تبريزيان ـ أحد روّاد الطب الإسلامي: "واستقامة البدن تعني كمال الصحة ودوامها وهو أعلى مراتب الصحة" [الشيخ عباس تبريزيان، دراسة في طب الرسول المصطفى (ص)، ج1، ص 204]
. 6.الشيخ محمد الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج25، ص 239.
. 7.الشيخ محمد الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج25، ص 238.
.8. الشيخ محمد الكليني، الكافي، ج6، ص 382.
.9. الشيخ حسين النوري، مستدرك الوسائل، ج16، ص 209- 210.
. 10.الشيخ محمد الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج25، ص 238.
. 11.الشيخ حسين النوري، مستدرك الوسائل، ج16، ص 210.
. 12.الشيخ عباس تبريزيان، دراسة في طب الرسول المصطفى (ص)، ج1، ص 207.
. 13.الشيخ محمد الكليني، الكافي، ج6، ص 380.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

مريم علامة - اختصاصية في التغذية