الوجبة السحرية!

البوصلة/ إرشادات صحية

مريم علامة - اختصاصية في التغذية
اتفقت التعاليم الدينيّة مع الأبحاث العلميّة على أهميّة تناول وجبة الفطور. ومع بداية كل عام دراسي، يُواجه الأهل والطلّاب معًا تحدِّي تناول هذه الوجبة بالشكل الصحيح. ولا تخلو المدرسة في عصرنا الحالي من المسؤولية في تقديم الحلول المثاليّة لذلك، لكثرة اعتماد الطلاب وأولياء الأمور على الخيارات المتاحة في حَرمها.
من المعلوم أنّ حلّ أيّ مشكلة يتطلب علاجًا علميًّا لتصحيح الاعتقادات حولها، وآخر عمليًّا لاتخاذ السلوكيات المناسبة تجاهها. أمّا بالنسبة للعلاج العلمي فيبدأ من تعرّف الطلاب على أهميّة وآثار تناول الفطور مقابل مساوئ تركه. حيث كشفت الدراسات أنّ الأولاد الذين يتناولون الفطور هم أكثر صحة وأدائهم الدراسي أفضل من الأولاد الذين يحذفون هذه الوجبة. كما بيّنت آثار الفطور على العقل والجسد حيث سجّل متناولوها: وزنًا مثاليًا مقابل خطورة البدانة، قلّة التغيّب عن المدرسة، قلّة زيارة الأطباء، قوّة في التركيز، طول مدّة الانتباه أثناء التعلّم، تحسّن في وظائف الدماغ وخاصة الذاكرة، أداء جسدي وحركي أفضل، وتحسّن في المزاج والسلوك. ويصل التعامل النظري إلى أن يتعرّف الطالب على تصنيف المكوّنات الغذائية السليمة منها والضارّة. ولا شكّ أنّ هذه المعارف ينبغي أن تُعرض على الطلاب بوسائل متنوّعة تتناسب مع مراحلهم العمرية.
ثم تأتي مرحلة العلاج العملي حيث ينبغي تأمين الأغذية المناسبة لأجيال المستقبل. وهنا حبّذا لو يبقى قول أمير المؤمنين(ع) نصب أعيننا: "وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ‏ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْه".(1) فحينما يبادر الأهل منذ البداية في إسراء برامج سليمة داخل المنزل، سيستقبل ولدهم ذلك برحابة صدر وسيحصِّل فوائدها دون عناء. ومن تلك البرامج:
- تناول الفطور قبل الخروج إلى المدرسة، ولو كانت وجبة خفيفة على أن تستكمل في فرصة المدرسة؛ ككوب حليب وحبّات من التمر.
- أخذ زوّادة طعام من المنزل (لقلّة توفّر أطعمة سليمة في المدرسة)، مثلًا: سندويش، حبّة فاكهة، مكسّرات نيّة كاللوز.. للمزيد من الخيارات الرجاء مشاهدة فيديو "زاد الصحة"
- الجمع بين الجبن والجوز عند تناوله صباحًا، فقد ورد عن الإمام الصادق(ع): "الْجُبُنُّ وَالْجَوْزُ إِذَا اجْتَمَعَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شِفَاءٌ وَإِنِ افْتَرَقَا كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاءٌ".(2) والسعي إلى تحديد عدد مرّات أكله خلال الأسبوع حيث جاء في الحديث أنّ أكل الجبن يورث النسيان.(3)
- المداومة على تناول المأكولات التي ورد بشأنها في أحاديث خزّان العلم(عليهم السلام) أنّها تُقوّي الحافظة، مثل: العسل، الزبيب، الرمان، السفرجل..
وكذلك الأمر بالنسبة للمدرسة وتأثيرها في توجيه الطلّاب نحو نمط الغذاء السليم. وبحكم طهارة الأطفال وصفائهم، نجد أنّه ما إن تُقدَّم خيارات مفيدة لهم حتى يلجأون إليها. وهذا ما أظهرته إحدى الدراسات، إذ قامت مجموعة مطاعم بتزويد قائمة مأكولات الأطفال بخيارات صحيّة، وكانت النتيجة رائعة لناحية تضاعف النسب المئوية للأولاد الذين طلبوا وجبات صحيّة مقارنة بنسب ما قبل إحداث هذه التغييرات على قائمة الطعام.(4) فعلى التغذية المدرسية ـ نظرًا لموقعيتها التربويّة من جهة، ولواقع اللجوء إلى مبيعاتها من جهة أخرى ـ أن تتشجّع لتحدث فارقًا نوعيًّا في مبيعاتها، فتعرض مثلًا:
- سندويشات وأطباق أطعمة مطابقة للمواصفات الصحيّة بأسعار مناسبة، مثل: قريشة وعسل، لبنة وزعتر وخضار، كشك، فول، حمص، .. وفي المقابل، محاولة الابتعاد عن عرض الكرواسون والمناقيش، بالجبن خاصّة، في وجبة الفطور، فقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنّه: "سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْجُبُنِّ فَقَالَ: دَاءٌ لَا دَوَاءَ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ بِالْعَشِيِّ دَخَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَنَظَرَ إِلَى الْجُبُنِّ عَلَى الْخِوَانِ فَقَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ سَأَلْتُكَ بِالْغَدَاةِ عَنِ الْجُبُنِّ فَقُلْتَ لِي إِنَّهُ هُوَ الدَّاءُ الَّذِي لَا دَوَاءَ لَهُ وَالسَّاعَةَ أَرَاهُ عَلَى الْخِوَانِ، قَالَ: فَقَالَ لِي هُوَ ضَارٌّ بِالْغَدَاةِ نَافِعٌ بِالْعَشِيِّ"(5).
- أنواع سكاكر محدّدة ومتوقّفة على تلك الخالية من الأضرار؛ (قد تحتاج هذه الخطوة للاستعانة باختصاصيّ التغذية). ومع ذلك، يُشترط الحدّ من بيع السكاكر لمن تناول وجبته الأساسيّة فقط، لا أن تكون هي نفسها وجبة الطالب!
قد يستصعب البعض هذا العمل، لكن هدفه ونتاجه يستحقّ تضافر الجهود وبذل ما بالوسع للبدء بعملية التغيير. علينا السعي لتنشأة أبناء مؤثّرين فيمن حولهم لا متأثّرين بكل ما يتقاذفهم، فاعلين في مجتمعهم لا منفعلين في ما يُملى عليهم. فبناء السلامة الجسديّة أولويّة نحو الكمال.



. نهج البلاغة، رسالة 31، من وصيّته للإمام الحسن(ع).
. الشيخ محمد الكليني، الكافي، ج6، ص 340.
. "يَا عَلِيُّ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ تُورِثُ‏ النِّسْيَانَ‏: أَكْلُ‏.. وَالْجُبُن‏". [الشيخ محمد الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج24، ص 432]
. https://www.childobesity180.org/sites/default/files/documents/ChildObesity180_SilverDinerBusinessCase_5-18-16.pdf
. الشيخ محمد الكليني، الكافي، ج6، ص 340.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

    مقالات ذات صلة

الكاتب

مريم علامة - اختصاصية في التغذية