الملح مضر أم مفيد!

البوصلة/ إرشادات صحية

مريم علامة - اختصاصية في التغذية
أسهبت الدراسات الغربية في الحديث عن مضار الإكثار من تناول الملح. ومن الطبيعي أنّ الاعتدال مطلوب {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْرا}(1). ولكن هنا عندما نقول الإكثار من تناول الملح فنحن نتحدّث عن أكثر من ملعقة صغيرة من الملح (5 - 6 غرام) في اليوم بحسب الإرشادات التوجيهيّة للنظام الغذائي. ولعلّنا إن قمنا بجمع كميّات الملح المتناولة، ليس عن طريق إضافته المباشرة فحسب، بل النسب المتواجدة في المواد الغذائية الصناعية التي نتناولها (الخبز، المعلّبات..)، لكان الرقم أضعافًا مضاعفة عن المسموح به!
إنّ الملح المنتشر في أوساطنا والمستخدم في تصنيع المواد الغذائيّة هو ملح المائدة المعروف ب"Table Salt". وهو بعد أن يُستخرج من مصدره الأوّل يتعرّض لتعديلات صناعيّة تجرّده من أغلب معادنه المفيدة، كما يتعرّض لإضافة مواد مضادّة للتكتّل، ممّا يتسبّب بمضارّه.
أمّا الملح الصافي غير المكرر وغير المعالج بإضافات كملح البحر "sea salt" فيحافظ على احتوائه على جميع المعادن المكوّن منها والتي يقارب عددها 82 معدناً (ماغنيزيوم، كالسيوم، بوتاسيوم..). ولقد ذكرت بعض الدراسات آثارًا وفوائد له تختلف بل تعاكس الآثار السلبيّة لملح الطعام المكرّر والمعالج (2).
وهنا نعرج على الروايات الواردة عن النبيّ وأئمّتنا الأطهار (عليهم السلام) حول الملح الذي يتجاوز بحديثهم كونه مكمّلًا للطعام ليُعدّ أحد المكوّنات الوقائيّة والدوائيّة المهمّة. فعن أبي جعفر(ع) قال: "إِنَّ فِي الْمِلْحِ شِفَاءً مِنْ سَبْعِينَ دَاءً، أَوْ قَالَ: سَبْعِينَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَوْجَاعِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْمِلْحِ مَا تَدَاوَوْا إِلَّا بِهِ" (3). ويظهر أنّ للبدء بالملح والختم به خصوصيّة، فقد ورد عن أبي جعفر(ع) قال: "أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (ع) أَنْ مُرْ قَوْمَكَ يَفْتَتِحُوا بِالْمِلْحِ ويَخْتَتِمُوا بِهِ وَإِلَّا فَلَا يَلُومُوا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ"(4). وقال أمير المؤمنين(ع): "ابْدَءُوا بِالْمِلْحِ فِي أَوَّلِ طَعَامِكُمْ فَلَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْمِلْحِ لَاخْتَارَهُ عَلَى التِّرْيَاقِ‏ الْمُجَرَّبِ‏ وَمَنِ ابْتَدَأَ طَعَامَهُ بِالْمِلْحِ ذَهَبَ عَنْهُ سَبْعُونَ دَاءً لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ"(5).
وبعض الروايات ذكرت خصائص الملح العلاجيّة للبشرة وتحسين العناية بالفم واللثة وغير ذلك مما أثبت علميًّا على ملح البحر. فعن أبي الحسن موسى (ع) قال: "كَانَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص) عَلِيًّا(ع) أَنْ قَالَ: يَا عَلِيُّ افْتَتِحْ‏ طَعَامَكَ‏ بِالْمِلْحِ‏ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ سَبْعِينَ دَاءً مِنْهَا الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَوَجَعُ الْحَلْقِ وَالْأَضْرَاسِ وَوَجَعُ الْبَطْنِ"(6). وقال النبي (ص): "مَنْ أَكَلَ الْمِلْحَ‏ قَبْلَ‏ كُلِ‏ شَيْ‏ءٍ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ نَوْعًا مِنَ الْبَلَاءِ أَهْوَنُهَا الْجُذَام"(7).
والروايات كثيرة تختلف بألفاظها إلّا أنّها تدلّ على أهمّيّة وضرورة عدم ترك البدء بالملح والختم به لحيلولته دون حصول الكثير من الأمراض، ولعلاجه لها عند الإصابة بها. وقد ذكر رائد الطب الإسلامي في العصر الحالي الشيخ عباس تبريزيان أنّه: "قد نستفيد من روايات الافتتاح والاختتام بالملح أنّ الغائلة(8) تكون في نفس الطعام وهو مستفاد من الأخبار لأنّ المعدة بيت الداء، من أجل ما يصاحب الطعام الداخل من المكروب، ومن أجل ما في نفس الطعام من المضار لرواية أبدلنا خيرًا منه(9)، ولأجل العناء الذي يتحمله الجسد في مجال هضم الطعام وغير ذلك، فإنّ الملح قبل الطعام يقي من جميع ذلك، لأنّه يحدّ من فعالية المكروب، ويعالج المضار الموجودة في الطعام، ومن أجل ما فيه من الحدّة والحَرافة، فهو يعمل في الحقيقة كصفّارة إنذار لجميع أجهزة الجسد كي تتفعّل وتتهيّأ لاستقبال الطعام وهضمه وإجراء ما يجب أن يجري عليه في المعدة والأمعاء، والكبد وغيرها، كما ويفعّل الغدد الفارزة لما يساعد على عملية الهضم والاستحالة وغيرها(10)."
إذًا فالملح ذهب أبيض إن عرفنا أيّ ملح نختار. وهنا استوقفتني دراسة أُجريت حول 17 نوعاً من أنواع الملح في ثمان دول مختلفة. وكانت النتيجة أن وُجد في 15 منها آثار جسيميّات بلاستيكيّة (traces of microplastic)! (11) فلكثرة تلوّث مياه البحار بالبلاستيك (الذي يحتاج إلى مئات السنوات ليتحلّل في البحار)، بات يتفتّت ليصبح جسيميّات صغيرة جدًّا ـيحتاج بعضها إلى مايكروسكوب لرؤيتها.
فأيّ ملح علينا أن نستخدم؟ قد يكون الحل باللجوء إلى ملح البحيرات أو ملح الجبال (الصخري) كبديل طبيعي وصافي ونقي يحتمل قلّة تعرّضه لفساد أيدي البشر.. فأحسنوا الاختيار لنحافظ على سلامة أجسادنا وأجساد أبنائنا ولنغتنم فوائد الملح الوقائية والعلاجيّة الجمّة، ولنجتنب سمّ الملح الصناعي المنتشر.



(1) سورة الطلاق، الآية 3.
(2) https://draxe.com/10-benefits-celtic-sea-salt-himalayan-salt
(3) الكافي، ج6، ص 326.
(4) الكافي، ج6، ص326.
(5) مستدرك الوسائل، ج16، ص 311.
(6) وسائل الشيعة، ج24، ص406.
(7) مستدرك الوسائل، ج16، ص 311,
(8) الغائلة تعود إلى جذر غول وهو الشرّ النافذ في شي‏ء، ومن مصاديقه: ما يوجب فسادًا أو خطرًا.
(9) في رواية عَنْ الإمام الباقر(ع) قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ(ص) يَأْكُلُ طَعَامًا وَلَا يَشْرَبُ شَرَابًا إِلَّا قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَبْدِلْنَا بِهِ‏ خَيْرًا مِنْهُ‏" إِلَّا اللَّبَنَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ". ولعلّ الدعاء "أَبْدِلْنَا بِهِ‏ خَيْرًا مِنْهُ‏" يدلّ على نقص في نفس الطعام وعدم خلوّه من مضرّة.
(10) دراسة في طب الرسول المصطفى (ص)، ج2، ص 253 - 254.
(11) https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5382780
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

مريم علامة - اختصاصية في التغذية