أولادنا والكتاب

البوصلة/ إرشادات تربوية

عزة فرحات - باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل
لا ينفك أهلٌ عن حثّ أبنائهم على القراءة والمطالعة. ويشتدّ هذا الأمرُ وعظًا في مجتمعنا، وتذكيرًا بأنّ "أمّة اقرأ لا تقرأ!" وبأنْ "عليكم أيها الأبناء أن تقرؤوا لتكونوا حقّاً من أمة خير الأنام!". وفيما ينكفئ معظم الأهل بعد حين إلى مجرد الشكوى من إهمال الأبناء للمطالعة وعدم استشعارهم لأهمية القراءة في حياتهم، تثبت قلّة فقط من الأهل والمربين ليقطفوا ثمرة سعيهم أبناءً يعشقون القراءة ولا يقدّمون على متعة المطالعة أية لذة أخرى. والسرّ في نجاح هؤلاء بسيطٌ وفي غاية العمق معاً؛ هؤلاء القلّة هم أنفسهم قراءٌ حقيقيون قد ذاقوا لذة المطالعة من قبل وأدركوا أهميتها في حياتهم. وطالما أننا لم ندرك أية خسارة نمنى بها عندما نترك "القراءة"، ولماذا تعدّ المطالعة حاجة "أساسية" في حياة الإنسان والطفل تحديداً، سنبقى محجوبين عن عوالم شاسعة من المعارف والقدرات والجمال والكمال. إن القارئ يعيش ألف حياة قبل أن يموت، ومن لا يقرأ يعيش مرة واحدة. والقراءة تسافر بنا إلى أماكن بعيدة عندما نضطر للبقاء في مكاننا الواحد. وحين نقرأ نعرف أننا لسنا وحدنا؛ في آلامنا وآمالنا وتضحياتنا ومساعينا. بالقراءة نختصر تجارب الماضين ونستشرف آفاق المستقبل ونجد دورنا في مسيرة الحياة. هكذا يخبرنا أمهر القراء. وبعد؛ سرٌّ لا يخفيه القارئ الذكي: إذا قابلت شخصًا بذكاء نادر اسأله أي الكتب يقرأ!

ليست المطالعة موهبة فطرية أو صفة موروثة، بل هي فعل مكتسب يحتاج إلى التعويد الجاذب والكتاب المناسب والقارئ القدوة! ولأنها مهارة مكتسبة، وبما أن الإنسان يكون الأكثر قابلية للتعلّم والتشكّل حين يكون طفلاً، فإن تربية الإنسان القارئ تبدأ منذ طفولته الأولى.
لكن عادة القراءة لا تتأصل في الطفولة. يحبّ الأطفال أن يتصفحوا الكتب وهم صغار ليتأملوا في صورها. وقد يستمتعون بالقراءة وهم في سنوات دراستهم الأولى. لكن القراءة عمل شاق، وسرعان ما تقدّم الحياة لهم خيارات بديلة للتسلية، تبدو معها المطالعة أقرب الى الوظيفة والواجب منها الى اللعب والمرح. وصحيح أن المطالعة تغني لغة الطفل، وتحسّن أداءه التعليمي، وتعزز استقلاليته، وتقوّي ثقته بنفسه، وتوسّع مخيلته، وتسلّيه، إلا أن الصغير لا يصل الى ذلك المستوى حيث تكون المطالعة عنده نشاطًا ألذّ وأمتع من أي شيء آخر! يحتاج الطفل إلى المساعدة ليحافظ على علاقته بالكتاب. والأهل هم أفضل وأهمّ من يقدّم يد العون في زرع بذور محبة المطالعة في قلوب الأبناء.
نحن نعلّم أطفالنا كيفية القراءة لكننا لا نعلّمهم حب القراءة. والإنسان عموما، والطفل خصوصا، لا يُقبل على ما يعرف بل يمارس ما يحب!
إن تربية الأولاد فرصة ذهبية ليربّي الأهل أنفسهم أيضا. وإذا كان القارئ أفضل من يربي قارئًا، فإن اكتساب هذه المهارة لا يقتصر على عمر معين. إن لم تكن قارئًا بعد يمكنك الآن أن تبدأ: إقرأ! قال تعالى {اقرأ وربك الأكرم * الذي علّم بالقلم}، وأقسم كذلك {ن والقلم وما يسطرون} معظّمًا تلك السطور التي تكتب بالقلم على صفحات الورق فتستحيل كتبًا وقصصا ومقالات لكل من يريد أن يخرج من ظلام الجهل إلى نور العلم ويتعلّم.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل