هدية كورونا إلينا.. التفكر!

البوصلة/ إرشادات تربوية

د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي
في أيامنا العادية يمكننا القيام بكل الأعمال التي قد نظّمنا حياتنا عليها. نهتمّ بالعائلة، نعمل خارج البيت، نزور الأهل والأصدقاء، نطالع الكتب، نتبضّع من السوق وأشياء عديدة أخرى.
كانت تمرّ الأيام على رتابتها مع بعض المفاجآت البسيطة، إلى أن كانت المفاجأة الكبرى التي لم نعهد مثلها من قبل: "كورونا" الذي فرض علينا نمطًا جديدًا لم نعهده. انزعجنا في البداية، وهذا أمر طبيعي لأن التغيير الجبري يؤثّر على راحتنا فننزعج أولًا إلى أن نعتاد مرة جديدة على نمط جديد، ونرتاح بالسير معه. مرّت أيام وأيام الى أن التفتُّ إلى آية {عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم}، حين بدأت بتلمّس الخير الذي نجنيه من الهدوء الذي حصلنا عليه. وبدأتُ أحوّل "كورونا" إلى مدرسة تربوية تعلّمنا نحن وأطفالنا.
سوف أركّز هنا على الخير الأول والأهم الذي تلقّيناه؛ وهو الوقت الكافي للتفكر. نعم؛ التفكر، الذي لم نكن نملك الوقت الكافي له في أيامنا السابقة.
لقد ارتفعت درجة التفكّر عندي شخصيًا من أحداث عديدة حصلت معي، وتحصل على الأرجح مع الجميع:
1ـ التفكر بالنعم:
عندما التقيتُ أمي وأردتُ أن أحضنَها وأقبّلها، تذكرتُ كورونا فتراجعت.
عندما أردتُ أن أذهب إلى المكتبة لأشتري بعض الحاجيات المعتادة، تذكرتُ كورونا فتراجعت.
حين تمنينا أن ندعو أصدقاءنا على الإفطار في شهر رمضان، تذكّرنا كورونا فتراجعنا عن الفكرة.
حين أحببتُ أن نزور أنا وزوجي وأطفالي جيراننا للتهنئة بعيد الفطر، تذكّرنا كورونا فتراجعنا.
حين اشتقتُ الى التنفّس بعمق وأنا أمشي في السوق تذكّرتُ كورونا فأعدتُ الكمّامة إلى وجهي وتنفّست بهدوء.
وتطول اللائحة...
وقفتُ أفكّر؛ كل هذه الأشياء هي أمور بسيطة جدًا كنا نقوم بها يوميًا.
هي أمور كانت دومًا في متناول أيدينا، وكانت رخيصة الثمن دون أية تكلفة.
هي أمور كنا نظن أنها حقنا الطبيعي كبشر على هذه الأرض.
جاء "كورونا" ليعيد إلى أذهاننا أن كل ما لدينا من نِعَمٍ ليست حقنا الطبيعي، بل هي هدايا يهبها الله لنا لأنه فقط وفقط رحيم بنا.
رفعتُ يدي وشكرت الله الرحيم على كل نعمه، ورجوته ألا نخسر نعمًا أخرى بسبب جفائنا.
· ما أجمل أن نعلّم أطفالنا أن يتلمّسوا نِعَم الله مهما كانت بسيطة، وأن يشكروا الله على هذه النعم دوما.

2ـ التفكر في سبب هذه المشكلة
نعيش في بلد صغير، اسمه لبنان. نعرف بعضنا البعض. لنا تقاليدنا وعاداتنا. لدينا بحر وجبل ونهر (بالرغم من أننا لوّثناها كلها).
لدينا مدن وقرى، لدينا مقاومون، لدينا جامعات ومدارس، لدينا عمال ومزارعون.
كل انسان منا يهتم بعائلته وبيته وجيرانه وتلامذته وزملائه.
وتمرّ الحياة...
نؤثر بمن نلتقيهم، ونتأثر بمن نراهم ونعمل معهم.
وجاء "كورونا".
وقفت أتأمل؛ قد تتغير حياتنا بشكل كامل بسبب إنسان!
إنسان لا نعرفه، إنسان لم نره أبدًا، إنسان لا نتكلّم لغته، إنسان يعيش في بلاد بعيدة؛ في الصين!
هل تتصوّرون الأمر؟!
إنسان أكل طعامًا لا نأكله نحن أبدًا. لا نعرف متى وأين ومع من تناول هذا الطعام (هذا إن كان هو السبب الحقيقي لكورونا!)
وتساءلت هنا: هل يمكن أن يكون للإنسان هذا التأثير الكبير؟!
إنسان واحد يؤثر على مليارات البشر!
لا بل على كوكب بضخامة الأرض!
رفعت يدي ودعوت ربي العليم أن يكون تأثيري على كل البشر تأثيراً طيبًا، جميلًا، رحيمًا، كتأثير الأولياء والأنبياء والرسل على كل سلالات البشر.
· ما أهمّ أن نلفت نظر أطفالنا الى تأثير كلامهم وتأثير تصرفاتهم على البيئة من حولهم، بل على العالم كله. نعلّمهم بذلك كيف ينتبهون لكلامهم ويقيّمون عملهم قبل القيام به لما له من تأثير كبير. وقبل كل شيء، نركّز معهم على نمط الحياة الإسلامية (كيف نأكل، كيف نلبس، كيف نعيش) التي أرادنا الله أن نحياها والتي تحمينا من الكثير من الأوبئة والمصائب.

3ـ التفكر في العلم والعمل
يجب أن نبتعد عن بيتنا وعائلتنا كي نعمل ونكسب رزقنا.
يجب أن يستيقظ أطفالنا باكرًا؛ باكرًا جدًا كي يذهبوا الى المدرسة.
يجب أن نعمل من الساعة الثامنة حتى الرابعة.
يجب أن نقضي وقتًا لا بأس به في ازدحام السير والدخان المؤذي.
يجب ويجب ويجب.
وجاء "كورونا"!
اتضحت لنا الأوهام التي كنا نعيشها. ها نحن نعمل من البيت.
ها أطفالنا يتعلّمون من البيت، وينجزون تكاليفهم ويبدعون نشاطات كثيرة.
ها نحن نتعرف من جديد على مواهبنا.
ها هي الطرقات تصبح طبيعية ويقل الدخان الخانق.
ها نحن نكتشف الكثير عن علاقاتنا مع من يحيطون بنا.
جاء كورونا وأخرجنا من أوهام كثيرة كنا نظنها مسلّمات.
رفعت يدي ودعوت الله الحكيم أن يخرجنا من الأوهام التي نعيشها كي يصبح لحياتنا معنى.
· ما ألطف أن نشرح لأبنائنا ونساعدهم على تنمية مهارات عديدة تمكّنهم فيما بعد أن يعملوا وهم في البيت إذا ما اضطروا، دون أن تؤثّر عليهم الظروف الطارئة. ونؤكّد لهم أن طلب العلم ليس مقرونًا بالمدرسة فقط، بل يمكننا طلب العلم حتى ونحن في منازلنا.

4ـ التفكر في الوقت ونعمته
كنا نأكل بسرعة. ننام بشكل غير كاف. نرتّب البيت بسرعة. نعمل بسرعة ونركض كي نصل الى العمل بسرعة كي لا نخسر شيئًا من حقوقنا المالية. كنا في سباق مع الوقت طوال الوقت.
وجاء "كورونا"!
أعطانا نعمة التلذّذ بالوقت:
نأخذ وقتنا الكافي في تناول الطعام.
نأخذ الوقت الكافي في الترتيب.
نأخذ الوقت الكافي في النوم.
نأخذ الوقت الكافي في النظر إلى وجوه أطفالنا واللعب معهم.
رفعت يدي وشكرت الله المنعم على نعمة الوقت الذي يمكن أن نستغله في أجمل لحظاته.
· هنا أيضًا يمكن أن نعلّم أطفالنا احترام الوقت لأنه نعمة، والاستفادة منه في الاتقان وليس فقط في إنهاء العمل، وأن نلفت نظرهم كيف أننا نقوم بأعمالنا بلذة أكبر دون ربطها بالمال الذي قد نخسره إن تأخرنا في الوصول إلى مكان العمل، أو إن لم ننجز المطلوب منا في الوقت المحدد. ونؤكد لهم أنّ علينا التصالح مع الوقت وليس السباق معه!

هدايا كثيرة تقدّمها لنا البلاءات.
لكن على الرغم من كل هذه الهدايا الثمينة التي قدّمها لنا "كورونا" نأخذ بأسباب السلامة، ونرفع أيدينا نحن وأطفالنا وندعو الله تعالى أن يكفّ أذى هذا الفيروس عنا وعن كل البشر.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

صورة
د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي