الضرب عند الأطفال: أسبابه المختلفة وطرق التعامل معه

البوصلة/ إرشادات تربوية

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي

عندما يتعلق الأمر بالضرب وإلحاق الأذى، عادة ما تكون الأسباب مزيجًا بين الطبيعة والتربية. تؤثر طرق التربية والبيئة المحيطة على هذا السلوك، ولكن كذلك تفعل الميول النمائية والبيولوجية.

لماذا يضرب الأطفالُ؟
قد يمتلك الأطفال حساسيةً مفرطة عندما يتعلق الأمر بتلقي المحفزات من خلال حواسهم، فيكون لديهم نظام حسي في حالة تأهّب قصوى. هذا يعني أنهم إذا كانوا وسط مجموعة من الأطفال وتم لمسهم بطريقة تجعلهم غير مرتاحين، فقد ينفعلون بسرعة، وغالبًا ما يلجؤون إلى الضرب كردّ فعل سريع. يمكنكم المساعدة من خلال احترام حاجة طفلكما وإزالته من المواقف التي قد تحفّز هذا السلوك.
في المقابل، يحتاج بعض الأطفال إلى مدخلات حسية أكثر من المعتاد للأطفال في مثل سنهم. قد يعتمد هؤلاء الأطفال على الضرب كوسيلة لإشباع حاسة اللمس ولتحصيل ذلك التحفيز الإضافي الذي يبحثون عنه. بالنسبة لهؤلاء الأطفال، قد يكون من المفيد استخدام المحفزات الحسية المقبولة مثل العناق القوي أو التدليك أو اللعب بالدمى والمعجون.
وقد يضرب الطفل ليختبر ردة فعلك. الطفل عالِمٌ صغير، والعالم من حوله حقل تجاربه. إنها الطريقة التي يسعى من خلالها الطفل لفهم أهله وأصدقائه والعالم من حوله. الضرب إحدى هذه التجارب؛ وإذا ما لاقى الطفل استحسانًا أو ضحكةً أو أي تشجيع غير مباشر من أحد، فسيعتبر ذلك دليلاً على نجاح التجربة وسيعيدها حتمًا. والضرب هو إحدى الطرق التي تساعد في التنفيس عن الغضب والمشاعر السلبية، إلا أنها طريقة مؤذية وغير مقبولة. وهو أيضًا إحدى الطرق التي يطلب فيها الطفل انتباه والديه واهتمامهما، حتى وإن كان اهتمامًا سلبيًا، إلا أنه بالنسبة للطفل اهتمامٌ فحسب. فإذا لم تتضح هذه الأفكار للطفل، ولم يتم تقديم طريقة بديلة مقبولة للتعبير عن المشاعر وتحصيل الاهتمام بشكل إيجابي، فإن الطفل سيشعر بأن تجربته قد نجحت أيضًا، وسيعتمدها كوسيلة للتعبير حتمًا.
عندما يضرب الطفل الصغير، هناك قوى غير مرئية تكون قيد العمل قبل الوصول إلى هذه النتيجة. إحدى هذه القوى هي تلك العاطفية. إذ على الرغم من أن ملامح الطفل قد لا تكون دالةً على أنه متأثر بما قام به، أو قد يضحك عندما يضرب، إلا أن عدوانه غالبًا ما يكون مدفوعًا بالعواطف، وغالبًا ما يكون منشؤه الخوف.
والطفل أيضًا مليء بالطاقة، وإذا لم يتم تنفيس هذه الطاقة فإنها قد تظهر على شكل عنف أو أذى. يحتاج الطفل لأن ننظّم له أنشطةً ضمن برنامجه اليومي تكون متنفسًا صحيًا لطاقته، وتعمل كوقاية قبل أن يحتاج إلى البحث عن طرق غير سليمة لإخراج هذه الطاقة. اللعب بالكرة، القيام بالحركات الرياضية، التنزه في الطبيعية، السباق، وغيرها من الأمور تساعد في تنفيس طاقة الطفل.
إلى جانب ذلك، فإن الأطفال، قبل أن يمتلكوا مهارات كافية في اللغة والتعبير، يميلون إلى استخدام أجسادهم للتواصل.
فإذا ما كان الطفل يعاني من تأخّر في اللغة، قد يشعر بالإحباط بسبب عدم القدرة على التواصل، ونتيجةً لذلك، من المرجّح أن يلجأ إلى الضرب. مع تطوّر اللغة وتحسّن المهارات الاجتماعية، عادة ما تبدأ هذه الأنواع من السلوكيات بالتراجع.

كيف نتعامل مع أطفالنا عندما يضربون؟
مهما كان السبب وراء الضرب، يمكن للوالدين أن يشعروا بالانزعاج عندما يرون هذا النوع من السلوك. إلا أنه في كثير من الأحيان يقع سلوك الضرب ضمن نطاق التطور الطبيعي. وعندما تتم معاملة الأطفال باحترام ويتم اعتماد الحزم اللين وطرق الضبط اللطيفة، عند ذلك يمكن إدارة هذا السلوك بطريقة إيجابية.
أولاً وقبل كل شيء، نحتاج إلى المعرفة والإيمان بأنّ الطفل لا يريد أن يؤذي، وهو حتمًا لا يريد أن يحصل على صورة أو لقب "الطفل السيئ". عندما يضرب الطفل، فإنّه حتمًا لا يحتاج إلى عقاب؛ في الواقع، يمكن للعقوبة أن تزيد من احتمال استخدامه للضرب لاحقًا. الطفل يحتاجك أنت.
لا بد من الالتفات إلى أن الثبات في المعاملة مهم جدًا. مهما كان منظر الطفل مضحكًا ولطيفًا، ومهما كان فعله جديدًا ومفاجئًا، علينا أن نلتفت إلى ردود فعلنا، وأن نطلب من أي شخص أو قريب يتواجد حول الطفل، وله أثر على الطفل، أن يلتفت أيضًا. قد يفاجئنا الطفل بذكائه وقدرته على حفظ ردود فعل من حوله مهما كان صغيرًا. ما قد يبدو لطيفًا و"مهضوم" في صغر سن الطفل، سيتحول إلى سلوك مزعج عندما يكبر. وفي الحقيقة تكونون أنتم من شجعتم هذا السلوك دون أن تشعروا، ثم تطلبون من الطفل فجأة أن يتوقف عن فعل شيء كان مصدرًا لضحككم يومًا، وهنا يضيع الطفل في التفكير فيما يجب القيام به.
عندما يهم الطفل بفعل الضرب، أمسكي بيديه وأبعديهما بهدوء. تصرفي على أنك المسؤول عن السلامة. مهمتك هي ضمان عدم تعرض أي شخص للضرب. قولي بلطف وأنت تنظرين في عينيه وعلى مستوى بصره بأنه "لا يمكننا فعل ذلك". أبعديه قليلًا عن مكان الحادث، ولا تقولي أي شيء آخر أو توبخيه أو تظهري الانفعال. ابقي معه حتى يهدأ.
استمعي له. دعمك هو ترياق قوي لمشاعره التي تسببت بهذا السلوك.
في مثل هذه الحوادث، يساعد كثيرًا عندما يكون الأهل هادئين. إذ إن الطفل يزداد توترًا وانزعاجًا إذا ما وجد أهله منفعلين. إذا ما تطور سلوك الطفل كأن يرمي نفسه على الأرض مثلًا، أو يبدأ بالصراخ، اتركيه إلى أن يفرغ ما لديه ويهدأ.

إليك بعض الجمل التي يمكن أن نقولها، بلطف، عندما يضرب الطفل، يتخللها طبعًا مُدَدٌ من الاستماع الداعم، والتأكيد على أننا نقدر صعوبة المشاعر التي يشعر بها.
"أنا هنا، أنت بأمان معي."
"ستقضي وقتًا جميلاً مع أصدقائك، وأنا سأبقى حتى أتأكد أن كل شيء يسير على ما يرام".
"أعلم أن هذا صعب، لكنك ستشعر بتحسن عندما تهدأ، وسيكون يومك جيدًا بعد ذلك ان شاء الله".
"كل ما يخيفك قد انتهى، سنتساعد لكي لا يحدث ذلك مرة أخرى".
"لسنا بحاجة إلى العودة إلى المنزل. أعتقد أنه يمكنك قضاء وقت ممتع هنا، في غضون دقائق سوف تشعر بأنك قادر على المتابعة. لا بأس بالبقاء هنا".

دعي طفلك يعبر عما قد أزعجه، وعما يشعر به، ساعديه بالأسئلة إذا لم يستطع التعبير. استمعي إليه في الجزء الأكبر من الوقت، ثم تحدثي بدفء وبصوت هادئ وقلب كبير يشعره بالاحتضان.
بعد أن يهدأ الطفل، عليك أن تتحدثي معه حول مفهوم الضرب، سبب كونه سلوكًا غير مقبول، آثاره السلبية (الأذية والألم، عدم ارتياح الآخرين للعب مع الشخص الذي يضرب)، ومن ثم اقتراح بدائل للتعبير. مهما كان الطفل صغيرًا، وحتى لو ظننا بأنه لن يفهم ما نقول، إلا أن هذا الحديث يبقى مهمًا ومطلوبًا. سيكتسب الطفل ما تتكلمين عنه مع الوقت.
إنها مرحلة طبيعية ما لم تطل وتتطور. إن الطفل يتخلص من التوتر ويخرج ما يكتنزه من مشاعر بطرق يجربها ولا يعي أثرها في البداية، فهو في الحقيقة لا يملك بديلاً سليمًا للتعبير. القاعدة في رفض سلوك معين عند الطفل هي تقديم البديل، وهنا يأتي دوركم كأولياء أمور لتعليمه هذه الطرق.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي