كيف أساعد طفلي في السيطرة على القلق؟

البوصلة/ إرشادات تربوية

فاطمة فرحات ـ اختصاصية في علم النفس العيادي
عندما يقلق الطفل قد يعلق الآباء في دوامة ناتجة عن عدم رغبتهم بأن يعاني طفلهم، وهذا في الواقع يزيد الطين بلّة، فبدلًا من مساعدة الطفل على الخروج من قلقه يساعدون على تفاقم المشكلة. يحدث ذلك عندما يحاول الآباء حماية الأطفال من مخاوف لا بدّ منها. ففي حين أن هناك بعض التسهيلات التي تساعد الأطفال القلقين، إلا أن الآباء لا يمكنهم حماية أطفالهم من مشاعر القلق بالمطلق.
فيما يلي بعض النصائح العامة لمساعدة الأطفال على السيطرة على قلقهم إلى حدٍّ ما:

1. ليس الهدف التخلّص من القلق، ولكن مساعدة الطفل على إدارته.
لا أحد منا يريد أن يرى طفلًا غير سعيد، ولكن أفضل طريقة لمساعدة الأطفال على التغلب على القلق لا تكمن في إزالة الضغوطات أو العوامل التي تقلقهم، لأن هذه الأمور هي التي تساعدهم على حسن التعاطي مع مخاوفهم وممارسة حياتهم بشكل طبيعي. وكنتيجة لنجاحهم في ذلك، ينخفض القلق أو يتلاشى مع مرور الوقت.

2. لا تتجنب الأشياء لمجرد أنها تجعل الطفل قلقًا.
إن مساعدة الأطفال على تجنّب الأشياء التي تقلقهم ستخلق شعورًا بالتحسّن على المدى القصير عندهم، لكنها سوف تعزّز القلق على المدى الطويل. إذا كان الطفل في وضع غير مريح سوف يشعر بالضيق والحزن، وقد يبدأ بالبكاء (ليس خداعا أو تمثيلا)، فإذا أخرجه والداه مباشرة من هذا الوضع، أو تدخّلا في منع ما يخافه، سيتعلّم الطفل بدلًا من المواجهة آليةَ "الهروب أو التجنّب"، وهي آلية لها القدرة على تكرار نفسها.
في المقابل يعلّمنا الإمام علي (ع) أنه "إذا هبت أمرًا فقع فيه"، وهذا ينطبق على أبنائنا أيضا. باختصار تجنبوا "التجنّب"! فكما أن مجرّد قولك لطفلك "لا تقلق" لن يجعل أفكاره المقلقة تختفي، فإن تجنّب محفزات القلق لن يساعد طفلك على تعلّم التأقلم. إذا عاش طفلك قلقًا بشأن الكلاب مثلًا، فإن الابتعاد عن جميع الكلاب سيثبت التفكير القلق، ويرسل رسالة مفادها أن كل الكلاب خطرة. من الأفضل في المقابل إزالة حساسية طفلك من مسببات القلق من خلال اتخاذ خطوات صغيرة: حاولوا النظر إلى صور كلاب على الإنترنت، وتحدّثوا عن المشاعر التي تثيرها. بعد ذلك، راقبوا الكلاب وهي تلعب في حديقة من مسافة آمنة. أخيرًا، زوروا صديقًا يمتلك في منزله كلبًا. بخطوات صغيرة تراكمية، يمكن للأطفال تعلّم السيطرة على مخاوفهم وهمومهم.

3. عبّر عن التوقعات الإيجابية والواقعية في الوقت نفسه.
لا يمكنك أن تخبر الطفل أو تضمن له بأن مخاوفه غير واقعية، وأنه لن يفشل في الاختبار، أو أنه سيستمتع بالسباحة بالماء ولن يغرق، أو أن طفلًا آخر لن يضحك عليه أثناء العرض، أو أنه لن يصاب بالمرض. ولكن يمكنك التعبير عن ثقتك بأنه مهما حصل سيكون بخير، وأنك تسانده، وأنه قادر على السيطرة على القلق. يمكنك أن تؤكّد له أنه حين يواجه مخاوفه سينخفض مستوى القلق لديه مع مرور الوقت. وهذا يمنحه الثقة بأن توقّعاتك واقعية، وأنك لا تطلب منه القيام بشيء لا يمكنه التعامل معه.

4. احترم مشاعر الطفل ولكن لا تضخّمها.
من المهم أن نفهم أن تصديق مشاعر طفلنا لا يعني الموافقة عليها دائمًا. لذا، إذا كان الطفل خائفًا من الذهاب إلى الطبيب للحصول على الطعم، فأنت لا تريد تسخيف مخاوفه، لكنك أيضًا لا تريد تضخيمها. عزّز شعوره بأنه يستطيع مواجهة مخاوفه. الرسالة التي تريد إرسالها هي "أعلم أنك خائف، ولا بأس بذلك، وأنا هنا، وسأساعدك على تجاوز ذلك".

5. لا تطرح أسئلة موجَّهة.
شجع طفلك على التحدث عن مشاعره، ولكن دون أن تطرح أسئلة موجهة: "هل أنت قلق من الاختبار؟ هل أنت قلق من أن تصاب بالمرض؟ هل أنت قلق من أن تبقى عند جدتك؟" لتجنّب تغذية دورة القلق، ما عليك سوى أن تطرح أسئلة مفتوحة: "كيف تشعر حيال الاختبار؟ كيف تشعر وأنت في عطلة عن المدرسة بسبب الفيروس؟"

6. لا تبثّ مخاوفك لطفلك.
ما لا تريد فعله هو أن تقول بنبرة صوتك أو لغة جسدك: "ربما هذا شيء يجب أن تخاف منه". لنفترض أن الطفل كان لديه تجربة سباحة سلبية حيث غرق في المسبح. في المرة القادمة التي تذهبون فيها الى المسبح، قد تكون أنت قلقًا حول هذه النزهة، وقد ترسل رسالة عن غير قصد مفادها أنه يجب أن يكون طفلك قلقا بالفعل، وهو أمر في غير محله.

7. شجع الطفل على تحمّل قلقه.
أخبر طفلك أنك تقدّر الجهد الذي يبذله لتحمّل القلق من سبيل إنجاز ما يريد أو يحتاج إلى القيام به. هذا الأمر يشجّعه حقًا على الانخراط في الحياة وجعل القلق في مستواه الطبيعي، وهو ما نسميه "منحنى التعوّد"؛ أي أن الطفل سوف يعتاد مع مرور الوقت على مواجهة مصدر القلق وبذلك سوف يقلّ مستوى القلق وسوف ينخفض منحنى التعود. قد لا ينخفض إلى الصفر، ولكن هذه هي الطريقة التي نتغلب فيها على مخاوفنا.

8. حاول أن تبقي المدة المتوقعة قصيرة.
عندما نكون قلقين من القيام بأمر ما، فإن أصعب وقت هو بالفعل قبل أن نقوم به. لذا فإن القاعدة الأساسية الأخرى للآباء هي محاولة إزالة أو تقليل المدة الاستباقية. إذا كان الطفل متوترًا بشأن الذهاب إلى موعد الطبيب، فأنت لا تريد أن تبدأ مناقشة حول ذلك قبل ساعتين من الذهاب؛ من المرجح أن هذا يزيد من الضغط على طفلك. حاول فقط تقصير تلك المدة إلى الحد الأدنى.

9. ضع نفسك مكان الطفل وفكّر في الأشياء معه.
في بعض الأحيان يكون من المفيد التحدّث عما يمكن أن يحصل فيما لو تحققت مخاوف الطفل: كيف ستتعامل معه؟ قد تشعر الطفلة التي تعيش هاجس الانفصال عن والديها بالقلق بشأن ما سيحدث إذا لم يأتيا لاصطحابها. لذا تحدّث معها عن ذلك. إذا لم تأتِ والدتك مثلًا في نهاية الدوام المدرسي، ماذا ستفعلين؟ "حسنًا، سأخبر المعلمة أن أمي ليست هنا." وماذا تعتقدين أن المعلمة ستفعل؟ "حسنا سوف تتصل بأمي، أو ستنتظر معي."
بالنسبة لبعض الأطفال، وجود خطة مسبقة من شأنها أن تخفف من القلق لأنها سوف تخفف من المجهول بطريقة صحية.

10. انظر من منظار آخر.
دورة التفكير القلقة مرهقة لأنها تؤدي إلى الشعور بالعجز. عندما يزداد القلق، يعلق الأطفال في دورة "ماذا لو" و "لا أستطيع". يميل الأطفال القلقون إلى التفكير السلبي وتخيّل الاحتمالات السيئة، ولهذا لا بد من تخصيص وقت لإعادة صياغة هذه الأفكار وتشكيل أفكار جديدة إيجابية لديهم. نقول للطفل مثلًا: أُذكر لي أمرا يقلقك ويجول في فكرك الآن! ما الذي يخبرك به القلق؟ دعنا نحلّل المسألة ونرى ما إذا كان هذا القلق صحيحًا بنسبة 100٪! كيف يمكننا أن نأخذ هذه الفكرة القلقة ونحوّلها إلى فكرة إيجابية؟

11. حاول نمذجة طرق صحية للتعامل مع القلق.
من أفضل الطرق التي يمكنك من خلالها مساعدة الأطفال على التعامل مع القلق هو السماح لهم برؤية كيفية تعاملك أنت مع القلق. الأطفال مدركون، وسينتبهون إليك عندما تتحدث مع الشريك حول قلقك أو مخاوفك. ليس المقصود أن تتظاهر بعدم التوتر والقلق، ولكن دع الأطفال يسمعونك أو يرونك كيف تسيطر بهدوء على القلق، وكيف تتعامل مع ما يقلقك، وكيف تشعر بالرضا بعد تجاوز ما كان سببًا لمخاوفك.

12. زوّد الطفل بعدّة الاسعافات الخاصة بالقلق.
يمكن أن نزود الطفل بأمور أو أنشطة قد تخفّف من قلقه. نجمعها في صندوق ونكتب على بعض الأوراق اقتراحات مختلفة؛ مثلا:
- التنفس: اجعل طفلك يتنفس بعمق وببطء من خلال أنفه وهو يعدّ للثلاثة (شهيق) ويخرج من فمه الهواء وهو يعد للثلاثة (زفير).
- الأحاجي والألعاب: قم بإلهاء طفلك من خلال توجيه تركيزه على أمر آخر.
- اللجوء الى حضنكم: امنح طفلك حضنًا أو أمسك يديه إذا سمح لك. يمكن أن يكون اللمس أفضل مهدّئ.
- التأمل أو التفكر: حدّث طفلك أن يعثر على مكان آمن في ذهنه يشعره بالراحة والسعادة. قد يكون منزل الأجداد أو صوت أمّه وهي تقرأ القرآن أو ذكرى عطلة أحبّها بجوار البحر يمكنه تصوّرها عندما تأتي "أفكار خاطئة" إلى رأسه أو عندما يشعر بالقلق. في بعض الأحيان يمكن أن يساعد حمل أي شيء، مثل مصحف صغير، سبّحة، أو حتى حصاة.
- دفتر القلق: شجّع الطفل على ملاحظة ما يقلقه. قد يخصص دفترا لهواجسه حيث يرسم فيه ويكتب ما يقلقه أو يخيفه، ومع الأيام قد يضيف أو يبدّل أو يحذف.
- اصنع "صندوق القلق". يمكن لطفلك أن يضع الدفتر مع بطاقات للاقتراحات الأخرى في الصندوق بعيدًا عن الأنظار. سيستمتع الأطفال الصغار بتزيين الصندوق أيضًا. يمكن تحديد "وقت مخصص لمناقشة" أسباب قلقه المختلفة لحوالي 10 أو 20 دقيقة خلال اليوم (ولكن ليس قريبًا جدًا من وقت النوم، أو عندما يكون الطفل في السرير). هذا يعطي رسالة بأننا مسيطرون على القلق وليس العكس. يمكن أن يضيف الطفل رسومًا أو كتابات حول كيفية تعاطي بعض القادة أو الأولياء مع أسباب القلق المختلفة؛ وهذا بالطبع يستلزم تزويدك له بالمعلومات التي تبث الثقة والواقعية فيه من خلال تعريفه على مواقف في حياة أناس عظماء تجاوزوا قلقهم بإيمانهم واكتشفوا أسباب الطمأنينة.
- نمط العيش الصحي: ساعد طفلك في الحفاظ على نمط حياة صحي من خلال: العبادة وذكر الله مصدر الطمأنينة الحقيقي، ممارسة التمارين الرياضية بانتظام لتقليل مستويات هرمونات التوتّر، عادات النوم الجيدة وروتين النوم الهادئ، الوقت المحدود أمام التلفاز أو الكمبيوتر في المساء، اتباع نظام غذائي صحي، وممارسة اللعب حتمًا والاستمتاع به.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

    مقالات ذات صلة

الكاتب

فاطمة فرحات ـ اختصاصية في علم النفس العيادي