الانضباط الفعّال في مرحلة الطفولة المبكرة

البوصلة/ إرشادات تربوية

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي
في وصية النبي(ص) للإمام علي(ع): "يا علي، حقّ الولد على والده أن يحسن اسمه وأدبه ويضعه موضعًا صالحًا".
تأديب الأطفال هو أحد أهم مسؤوليات الأهل وأصعبها في الوقت نفسه، ولا تساهل وطرق مختصرة فيها. إنّ تعليم الطفل القوانين والسلوك المقبول يستغرق وقتًا طويلًا وطاقة كبيرة. وعلى الرغم من أن نمط حياة المجتمع اليوم، الذي يطلب السرعة في الحصول على كل شيء، قد يشكل عقبة أمام عملية التأديب والانضباط الفعّال، إلا أن دور الأهل والمربين المتمثل بالوعي والصبر كفيل بتحقيق النتائج الأفضل، مع التوكل على الله حتمًا في كل خطوة.

الهدف من التأديب هو تعزيز السلوك المقبول والملائم عند الطفل، حماية الطفل، مساعدته على تعلّم الانضباط الذاتي، غرس القيم، تنشئة ضمير صحي وإحساس داخلي بالمسؤولية، وتربيته ليصبح إنسانًا صالحًا منضبطًا ناضجًا عاطفيًا.
عندما نتكلم عن تربية شخص منضبط فإننا نقصد الشخص القادر على تأجيل السعادة ومراعاة احتياجات الآخرين، الحازم دون أن يكون عدوانيًا أو انفعاليًا، والقادر على تحمل عدم الراحة عند الضرورة. يحمي الانضباط الفعّال الطفل كذلك من الشعور بالذنب السلبي أو الشعور بالتخلي أو فقدان الثقة، ويغرس بالمقابل شعورًا أكبر بالثقة بين الطفل وأهله.

في الحديث عن التأديب، دائمًا ما نحتار في كيفية تأديب الطفل في سنوات إمارته، على قاعدة "أمّره سبعًا، وأدّبه سبعًا، وصاحبه سبعًا". الحقيقة أننا في السنوات السبع الأولى نبني الأرضية الصلبة التي تسهّل علينا عملية التأديب في المراحل اللاحقة، وكون الطفل أميرًا لا يعني تركه كليًا، وإنما يكون التركيز في دور الأهل على وضع القوانين الوقائية، والإشراف، إلى جانب الاحتواء والحب.

قبل أن ندخل في تفاصيل المراحل العمرية، هناك بعض القواعد العامة التي يمكن تعميمها على كافة المراحل.

أولاً: الاحترام؛
إن أساس الانضباط الفعّال هو الاحترام المتبادل بين الطفل وذويه. يجب أن يكون الطفل قادرًا على احترام سلطة والديه وحقوق الآخرين، كما إن على الأهل احترام طفلهم من خلال وعي كل مرحلة عمرية يمرّ فيها، وإظهار تفهمهم لميزاته الشخصية، فقد يمر الطفل بتغيرات مزاجية تتطلب فهمًا ومرونة من قبل الأهل. ضمن الاحترام أيضًا تندرج أساليب الضبط المستخدمة، فالصراخ والإساءة اللفظية أو الجسدية أمور مرفوضة في عملية التربية في مختلف المراحل لما لها من آثار سلبية على الطفل.

ثانيًا: الثبات؛
لن يعتبر الطفل القانون قانونًا إذا ما كان متغيرًا. إن إجبار الطفل على "افعل كما أقول لكن ليس كما أفعل"، لا يحقق الانضباط الفعّال. كما وإن الاختلافات الأبوية حول تقنيات تربية الطفل غالبًا ما تؤدي إلى أساليب انضباط غير متناسقة. يجب على الوالدين وعي هذه التحديات وإيجاد خطوات يمكن اتخاذها لحل هذه الاختلافات. الأطفال أذكياء، سيعرفون نقاط ضعف الأهل وسيعملون على استغلالها، وسيبقى الطفل يشعر أن بإمكانه تعديل القانون بشكل يخدم مصالحه إذا ما شعر بأن هنالك فرصة لذلك.
والثبات مرتبط بالاحترام أيضًا، فالتناقض في تطبيق القوانين لن يساعد الطفل على احترام والديه.

من هنا تنبع أهمية التنظيم، إذ يحتاج الأطفال إلى جداول زمنية تحيط بجميع أمورهم، من تغذية ونوم ولعب. يساعد الجدول الزمني على تنظيم الوظائف المستقلة ويوفر للطفل إحساسًا بالقدرة على التنبؤ والأمان.
لذلك فإن الحل الأنسب لتجنب السلوكيات غير المرغوب بها هو الوقاية، وبناء هياكل داعمة تتضمن قواعد واضحة ومتسقة. وأول خطوة في طريق الوقاية هي معرفة الخطوات التي يجب اتباعها مع كل مرحلة عمرية، والتي سنذكر بعضًا منها فيما يلي.

المرحلة الأولى: منذ الولادة وحتى عمر السنة
بالنسبة للأطفال الرضّع، يجب عدم المبالغة في تطبيق الانضباط. التسامح هو الأساس. يجب ألا يتضمن الانضباط في هذا العمر تقنيات مثل المهلة (تأجيل تلبية الحاجة أو الاستجابة) أو تطبيق العواقب.

المرحلة الثانية: من عمر سنة إلى سنتين
في هذه المرحلة، من الطبيعي والضروري أن يختبر الأطفال الصغار التفاعل مع العالم المادي والقدرة على ممارسة إرادتهم مقابل إرادة الآخرين. وبالتالي، فإن التسامح من قبل الوالدين أمر أساسي في هذه المرحلة أيضًا. لكن التدخل من أجل أهداف تأديبية ضروري لضمان سلامة الطفل، والحدّ من العدوان، ومنع السلوك الذي يشكل خطرًا على الطفل أو على الآخرين من حوله. إزالة الطفل من مكان الحادثة أو السلوك غير المقبول مع "لا" حازمة أو تفسير شفهي موجز آخر ("لا - ساخن")، وإعادة توجيه الطفل إلى نشاط بديل، عادة ما يكون كافيًا. يجب أن يبقى الأهل مع الطفل في مثل هذه الأوقات للإشراف والتأكد من أن السلوك لن يتكرر، وكي يؤكدوا للطفل بأن الاهتمام والحب لا يتأثران بطبيعة السلوك الذي يقوم به.
إضافةً إلى ذلك، يكون الأطفال في هذا العمر عرضة للقلق من فكرة تخلّي ذويهم عنهم، لذلك لا يجب أن نستعمل أسلوب العزل (time-out) معهم، فإن مثل هذه العواقب لا تنفع، بل على العكس تؤثر سلبًا عليهم.
كما أن الأطفال في هذه السن المبكرة ليسوا لفظيين بما يكفي للفهم الشفوي أو ناضجين بما فيه الكفاية للرد على التعليمات اللفظية. لذلك، فإن القوانين والتفسيرات اللفظية هي أساليب غير موثوق بها من أساليب الضبط للأطفال في هذا العمر. إلا أنه لا ضير من الشرح كي يعتاد الطفل على الحديث المتبادل مع والديه، لكن الاكتفاء بالجزء الشفوي لن ينفع.
مثال: يرغب الطفل في اللعب بجسم زجاجي قابل للكسر على أرضية المطبخ الصلبة. الحل: أزيلي الطفل والغرض، ثم أعيدي توجيه انتباه الطفل إلى نشاط أكثر ملاءمة، مثل اللعب بالكرة في غرفة أخرى. ألفت النظر هنا إلى أن الأهل يجب أن يبقوا إلى جانب الطفل في هذه الحالة ليطمئنوا على سير الأمور.

المرحلة الثالثة: بين الثانية والثالثة من العمر
في هذه السنة يستمر الكفاح من أجل التمكّن والاستقلال وتأكيد الذات. قد يدرك الطفل بأن تحصيل هذه الأمور ليس سهلًا وأن هنالك قيود للاستقلالية، وهذا قد يؤدي إلى شعوره بالإحباط، الأمر الذي قد ينتهي بنوبات من الغضب. يجب أن يتحلى الأهل هنا بالقدرة على التعاطف، أي أن يدركوا معنى هذه المظاهر ويضعوا أنفسهم مكان طفلهم. في الوقت نفسه، ينبغي أن يكون إشراف الأهل على الطفل مستمرًا، كما وإن عليهم وضع حدود وقوانين واضحة، على أن تكون توقعاتهم لقدرات الطفل واقعية. مع الوقت، سيتعرف الأهل على أنماط ردود فعل الطفل، مما سيساعدهم على منع المواقف التي يحصل فيها الإحباط وتندلع فيها نوبات الغضب.
عندما يهدأ الطفل، على الأهل أن يقدموا بعض التفسيرات لشرح ما حصل، والأسباب الكامنة وراء المنع أو وضع مثل هذه القانون، وذلك لتحصيل اطمئنان الطفل ومنع تكرار ما حصل. بعدها من الأفضل أن يعيد الأهل توجيه الطفل إلى نشاط آخر بعيدًا عن مكان نوبة الغضب، إذ علينا ألا ننسى بأن المنع والقوانين والتوجيهات وحدها لا تكفي، بل علينا تقديم البديل.
مثال: يعاني الطفل من نوبة غضب في مكان عام. أخرجي الطفل من المكان، أمسكيه بلطف حتى يهدأ، ثم أعطيه تعليمات شفهية قصيرة مع التأكيد على سير الأمور نحو الأفضل، ثم قدمي البديل على السلوك شفهيًا يليه تمثيل النموذج، "يمكنك أن تجر العربة بطريقة آمنة هكذا..".

المرحلة الرابعة: من الثلاث إلى الخمس سنوات
في هذه المرحلة يصبح معظم الأطفال قادرين على تقبل مفهوم الحدود، ويبدؤون بمحاولة التصرف بطرق يحصلون فيها على موافقة الآخرين ومديحهم، والاعتماد على أنفسهم لتلبية احتياجاتهم العاجلة. ومع ذلك، فهم لا يزالون غير قادرين على استيعاب الكثير من القوانين، ولا يقدرون على ترجيح العقل والمنطق غالبًا. الأمر يتطلب نماذج سلوكية جيدة من قبل الأهل. كما وإن الثبات والاتساق في تطبيق القوانين ضروريان ليس فقط من قبل الأهل، بل من كل من يشارك في رعاية الطفل.
يزداد اعتماد الأطفال في هذا العمر على القواعد الكلامية، إلا أن المحاضرات الطويلة لن تنفع، ولا يزال الطفل بحاجة إلى إشراف الأهل لتنفيذ القوانين وضمان أمنه وسلامته. يمكن استخدام العزل أو "وقت التفكير"، إذا فقد الطفل السيطرة. هنا، إلى جانب إعادة التوجيه وتقديم البدائل، نبدأ باستخدام العواقب الصغيرة المرتبطة بالسلوك والتي تليه مباشرةً. ولا ننسى بأن الثناء هو المحفز الأقوى للسلوك الجيد.
مثال: يرسم على الحائط بالطباشير الملونة. اطلبي منه الجلوس جانبًا للتفكير بالسلوك الذي قام به. العاقبة المنطقية في هذه الحالة تكون سحب الطباشير وجعل الطفل ينظف المكان الذي رسم عليه.

المرحلة الخامسة: سن المدرسة
عندما يدخل الطفل في سن المدرسة، تبدأ الصراعات على الاستقلالية. يميل الأطفال في سن المدرسة إلى التصرف بشكل مستقل، واختيار أنشطتهم وأصدقائهم بأنفسهم. يجب على الأهل الاستمرار في الإشراف على الطفل، وتقديم نماذج سلوكية جيدة، ووضع القواعد والقوانين الثابتة والمنطقية، ولكن مع السماح في الوقت نفسه للطفل بأن يأخذ قرارات مستقلة عندما يكون الموقف ملائمًا.
يجب على الآباء الاستمرار في اتخاذ القرارات المهمة لأن الأطفال في سن المدرسة لا يمكنهم دائمًا وضع العقل والمنطق موضع التنفيذ. كما ويجب استخدام المديح، ولكن ليس بشكل مفرط، لتشجيع السلوك الجيد، والمديح يجب أن يكون مرتبطًا بالسلوك وموجهًا إلى الجهد الذي تم بذله. إلى جانب ذلك، ينبغي استخدام المحفزات المناسبة، كأن تشتري للطفل كتابه المفضل، أو تخرجون سويًا في نزهة إلى الحديقة، أو يساعدك في تحضير قالب حلوى. أما بالنسبة لوسائل الانضباط المقبولة فهي تشمل تأخير الامتيازات، العواقب المنطقية والمباشرة، والعزل أو الوقت المقتطع للتفكير لفترة زمنية محددة.
مثال: الطفل يخرب الألعاب. بدلاً من استبدال هذه الألعاب بألعاب جديدة، دعي الطفل يتعلم العواقب المنطقية للأمور: تدمير الألعاب يعني لا ألعاب لنلعب فيها. الحزم في هذه القرارات لن يكون سهلًا، إلا أنه مطلوب لضمان تربية سليمة. لا تدعي عاطفة الأمومة ودموع طفلك تتغلب عليك.

أؤكد أخيرًا على أن الأمر ليس سهلًا. هو عملية طويلة من التجارب والتعديلات والأسئلة والتعب والثبات والصمود والصبر والتوكل. تذكروا دائمًا بأن الناتج، الذي هو إنسان صالح يأخذ بيد مجتمعه نحو الصلاح، يستحق كل أنواع التضحية. فعن الرسول الأكرم(ص) "إنّ الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنّة" و "من سعادة الرجل الولد الصالح".
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي