كيف أنمّي "الذكاء العاطفي" عند طفلي؟

البوصلة/ إرشادات تربوية

زينة سلمان ناصر - مدرّبة مجازة في مجالات الذكاء العاطفي
يعرّف الذكاء العاطفي على أنه القدرة على فهم المشاعر الفردية ومشاعر الآخرين، والتعبير عنها، فضلًا عن التمييز بينها، واستخدام هذه المعلومات لتوجيه السلوك والانفعالات(1). وبمعنى آخر، الذكاء العاطفي هو قدرة الفرد على فهم الذات وتحقيق توازن بين التفكير العقلاني والعاطفة حتى يتمكّن من القيام بخياراتٍ واعية تجعله أكثر سعادة وأكثر فاعلية.

هناك خمس مكوّنات أساسية للذكاء العاطفي(2)، وهي كالتالي:
1. الوعي الذاتي
إن قدرة الفرد على معرفة الحالة الباطنية لنفسه ومعرفة الأسباب الحقيقية وراء مشاعره وانفعالاته بالإضافة إلى تحديد مواطن الضعف والقوة تجعله أقدر على اتخاذ القرارات الصحيحة في مختلف شؤون الحياة وأكثر ثقة بصحة قراراته.
2. التحكّم الذاتي
وهو القدرة على تنظيم المشاعر، لا سيما السلبية منها، والتي قد تزعج الفرد أو تؤذيه وتؤثر على قراراته. صاحب هذه المزية يتحمل المسؤولية، ويستطيع أن يتكيّف مع الظروف الجديدة والمتغيرات ليحقق هدفه.
3. التحفيز الذاتي
إنه شعور الفرد بالحاجة القوية لإنجاز عمل ما بدوافع ذاتية داخلية، وهو يعتبر عاملًا جوهريًا في تحدّي الصعاب والعراقيل لتحقيق الغايات المنشودة.
4. التعاطف مع الآخر
يظهر من خلال فهم مشاعر الآخرين ومحاولة تأمين فرصة حقيقية لمساعدتهم على تحقيق أهدافهم. لا يقتصر التعاطف على الشعور مع الآخرين، بل يتضمّن أيضًا شقًّا عمليًا يستطيع الأفراد من خلاله المباشرة في تنفيذ مآربهم.
5. المهارات الاجتماعية
وتشمل قدرة الفرد على قراءة الإشارات الاجتماعية بشكل صحيح، والتفاعل بسلاسة مع الآخرين، وحلّ المشكلات والنزاعات، والحفاظ على العلاقات.

لا يولد الإنسان بهذه المواصفات، لكن اكتسابه لها واستعمالها في حياته اليومية يجعله أكثر رضًا في حياته الفردية والاجتماعية، وأفضل في جوانب الصحة النفسية والبدنية والمهنية. ويلعب الأهل دورًا مهمًا في تنمية هذه الخصائص لدى أطفالهم في مختلف مراحل عمرهم بغضّ النظر عن قدرات الأطفال الذهنية.
لقد بات معلومًا أن نجاح الانسان لا يقتصر على الذكاء الذهني وحده. الذكاء العاطفي شرطٌ للنجاح في العلاقات الشخصية والاجتماعية، وكذلك في مجال العمل، كما أن الشعور بالسعادة والتوازن يحتاج الى المهارات المكتسبة في هذا النوع من الذكاء.
إن وعي الفرد بشكل عام والأهل بشكل خاص لأهمية الذكاء العاطفي يتيح الفرصة لتطوير مهارات التواصل واكتساب القدرات المطلوبة لحلّ المشكلات. وغير خفي أن الشخص الذي يفتقر إلى الاتزان العاطفي لا يستطيع التحكّم بانفعالاته، ويعيش بالتالي حالات من الضيق والقلق، فهو لا يعطي الأحداث حجمها الواقعي ولا يحسن التعاطي مع الأزمات النفسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وفي بعض الحالات قد تصل به الأمور وللأسف إلى نهايات وخيمة.
الإنسان بشكل عام، والطفل بشكل خاص، يكون أقدر على التعبير عن مشاعره، وعلى التحكم بها، فضلًا عن تحسين قدرته على اكتساب الأصدقاء والحفاظ عليهم، والشعور بالإيجابية، في بيئة تراعي مشاعر الفرد وتسعى إلى تطوير مهارات الذكاء العاطفي.
ونحن نهدف ها هنا إلى وضع خطة لتوفير بيئة إيجابية تحفّز الذكاء العاطفي لدينا ولدى أطفالنا، فكيف يمكننا كأهل مساعدة أنفسنا وأطفالنا على تطوير هذه المهارات خاصةً في ظلّ هذه الظروف الصعبة التي نعاني منها في هذه البقعة من العالم؟
هذه بعض الخطوات المفيدة في هذا المجال:
1. البيت الآمن
المنزل هو المكان الذي يجمع الوالدين ويتربى فيه الأولاد، وإن جعله مصدرًا للأمن النفسي والجسدي هو من مسؤولية الأهل بالدرجة الأولى. ويتمّ تحقيق ذلك من خلال اتصاف الأهل بالمرح والودّ والحب والحنان.
من المهم جدًا أن يبتعد الأهل وبالقدر المستطاع عن الخصام والشجار والصوت المرتفع أمام الأطفال.
كذلك يساعد على تحقيق هذا الهدف القيام بجملة من الأعمال والأنشطة الأسرية، كتناول وجبات الطعام سويًا والقيام بنزهات بشكل منتظم، لا سيما لرؤية الطبيعة واللعب في أحضانها وتبادل الأحاديث ومناقشة الحوادث، مع اعتماد مبدأ الاحترام المتبادل والحوار البناء والنقد الإيجابي.
2. فهم المشاعر الإنسانية والتشجيع على التعبير عنها
إن مشاعر الإنسان من نعم الله عليه، وإذا نظر إليها بهذا النحو سيسعى إلى فهم طبيعتها والتعامل معها بشكل إيجابي. إن تحقيق هذا الهدف يكون من خلال:
· الوعي العاطفي: تعليم الطفل أن العواطف جزء مهم وطبيعي من شخصية الإنسان، وأن هناك مشاعر مختلفة قد يشعر بها، كالفرح والحزن والخوف والإثارة والغضب وغيرها، وأن كل شعور يحسه هو نتيجةٌ لحادثة معينة أو لسبب معين، بحيث انه لا يمكن أن يشعر بالخوف مثلًا من دون وجود مسبب لذلك. كذلك لا بد من مساعدة الطفل في تسمية المشاعر بأسمائها ومساعدته في تكوين مخزون لغوي عاطفي لإيجاد المفردات المناسبة للتعبير عن مشاعره.
· تعبير الأهل عن مشاعرهم: إن تعبير الأهل عن مشاعرهم سيساعد الطفل حتمًا في القيام بذلك. إن مشاركة بعض التجارب مع الطفل ولا سيما تلك المواقف التي تكون صعبة وتتطلب التعامل بإيجابية اتجاه مشاعر مقابلة قوية وسلبية تعلّم الطفل بأنه ليس وحيدًا، وأن هناك سبلًا وأساليب للتعامل مع هذه المشاعر التي تنجم عن مثل هذه الظروف.
· تجنّب الاستخفاف بمشاعر الطفل بشكل تام واحترامه وإشعاره بأن مشاعره ذات قيمة عالية. إن احترام الطفل يعني إعطائه الاهتمام الكامل من دون الانشغال بشيء آخر أثناء الحديث معه ولا سيما حينما يتحدث عن مشاعره وتجاربه.
· عدم استخدام التكنولوجيا بشكل دائم كوسيلة لتهدئة المشاعر السلبية لدى الطفل، لأن ذلك يؤثر على قدرته على تطوير مهارات التحكم الذاتي. على الأهل الكرام في المقابل السعي الى تدريب الأطفال على التعامل مع هذه المشاعر السلبية بإظهار المزيد من الحب لهم وإجراء حوارات معمّقة معهم للوصول إلى أفضل الحلول.
3. التفكير المنطقي وحل المشاكل: على الأهل الكرام السعي الى تنمية قدرة الطفل على إدراك تأثير المشاعر على نفسه والآخرين، ومعرفة كيفية ارتباط هذه المشاعر بالسلوك. إن السعي في تحقيق هذا الهدف يعني أن الطفل يصبح أكثر وعيًا في فهم العلاقة المباشرة بين مشاعره وسلوكه وتأثير ذلك على النفس والآخرين، فمثلًا عندما يرمي الطفل لعبته التي عجز عن تركيبها كما ينبغي أو يكسرها فلا بد أن نعرّفه أن سلوكه هذا يسمى الغضب وأنه نتج عن عجزه عن تركيب اللعبة ولذلك قام برميها على الأرض أو تكسيرها، وأن سلوكه هذا يترك أثرًا على الوالدين وعليه وعلى ممتلكاته، وبالتالي علينا أن نجد حلولًا أخرى أفضل للتعاطي مع هذا الشعور.
4. ذكر الله: إن تربية الطفل على ذكر الله والاستعانة به سبحانه وتعالى لتخطّي المشكلات والأزمات ستجعل الطفل مطمئنًا وأقدر على حلها. غاية الذكاء العاطفي هو فهم المشاعر لاتخاذ القرارات السليمة والحفاظ على العلاقات مع الآخرين وتطوير النفس والمجتمع، وإن الشعور بحضور الله واستحضار أسمائه الحسنى كاللطيف والحكيم والرؤوف والودود والصبور والنافع والعليم ستجعل الإنسان يرغب في التحلي بأسماء الله ليصبح أكثر علمًا وعطفًا وحكمةً ورأفةً وصبرًا وأكثر استعدادًا لتطوير الذات ومساعدة الغير؛ وهذا لبّ الذكاء العاطفي وأصله.
والحمد لله رب العالمين


(1) سالوفي وماير، 1990
(2) بحسب دانيال جولمان 1995
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

زينة سلمان ناصر - مدرّبة مجازة في مجالات الذكاء العاطفي