لماذا يحتاج الأطفال الى قضاء وقت في الطبيعة؟

البوصلة/ إرشادات تربوية

فاطمة فرحات ـ اختصاصية في علم النفس العيادي
قضى معظمنا الكثير من الوقت في الطبيعة كأطفال، تسلقنا الأشجار، واستكشفنا الصخور، ولعبنا الألعاب في الهواء الطلق مع الأصدقاء. لم نكن نعرف أن هذه الأنشطة الممتعة كانت في الواقع تبني أدمغتنا وأجسادنا وشخصياتنا لحياة المستقبل. أظهرت أبحاث عديدة أن التعرض للطبيعة له العديد من الفوائد طويلة الأجل. بيد أن المزيد والمزيد من الأطفال اليوم لديهم اتصال أقل وأقل بالعالم الطبيعي. وهذا له تأثير كبير على صحتهم ونموهم. بدأ العديد من العلماء والأطباء والمتخصصون في الصحة النفسية والتربويون وعلماء الاجتماع بالتحذير؛ عندما يتوقف الأطفال عن الذهاب إلى الطبيعة والاتصال بالعالم الطبيعي للعب فإن هذا قد يؤثر ليس فقط على نموهم كأفراد، وانما على المجتمع ككل.
ورد في القرآن الكريم دعوة حثيثة للتفكر والتأمل في خلق الله:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة 164)
{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَت} (الغاشية 17-20)
فكيف يمكن النظر والتأمل إذا حبسنا أنفسنا مع أطفالنا في سجون البنايات والجدران؟!

ما هي فوائد اللعب في البيئة الطبيعية؟
اللعب في الهواء الطلق يعزّز نمو الأطفال الفكري والعاطفي والاجتماعي والجسدي. من خلال كونهم خارجًا ومحاطين بالطبيعة، فإن الأطفال يتمتعون ببيئة دائمة التغيير تحفّز جميع الحواس.
الفوائد الفكرية
العالم الطبيعي هو مختبر تعليمي عملاق مفتوح. والأطفال هم علماء فطريون ويحبون تجربة المعالم السياحية والروائح والأصوات والأشكال الخارجية. توفر الطبيعة فرصًا لا حصر لها للاكتشاف والإبداع وحل المشكلات.
يتيح التفاعل مع البيئات الطبيعية للأطفال التعلم من خلال العمل والتجارب.
في الطبيعة، يفكر الأطفال ويسألون ويضعون فرضيات - وبالتالي يطورون عقولا باحثة ومحقِّقة. سواء كانوا يحكمون على المسافة بين صخرتين قبل القفز أو التفكر في أين تذهب الحشرات في الشتاء، أو من أين يأتي الشلال، فإن الأطفال يفكرون باستمرار عندما يكونون في الطبيعة.
توفر هذه التجارب تعلمًا حقيقيًا أصيلًا مثل أي شيء آخر. عندما يخاطر الأطفال، ويحاولون ويخفقون، ويحاولون مرة أخرى، يكتسبون المرونة والثقة. إن الطبيعة هي أداة ليتعرف الأطفال بالتجربة ليس فقط على العالم الأوسع، بل على أنفسهم أيضًا. لذا فإن تسلق شجرة، هو تعلم كيفية تحمل مسؤولية نفسك، وكيف تقيس المخاطر. السقوط من شجرة هو درس جيد للغاية في تحديد المخاطر.
وهذه بعض الأنشطة الطبيعية لبناء الدماغ للأطفال: اللعب والبناء والحفر في الوحل والتراب، مشاهدة الديدان تتحرك في التربة والبحث عنها، مراقبة الغيوم، القفز في البرك المائية، الاستماع إلى الطيور تغني، شم رائحة العشب، تجميع البذور، بناء الأشياء من الأغصان والطين.
بالإضافة الى ذلك ينمي اللعب بالطبيعة الابداع. يسمح أسلوب اللعب غير المنظم للأطفال بالتفاعل بشكل مفيد مع محيطهم. يمكنهم التفكير بحرية أكبر وتصميم أنشطتهم الخاصة والتعامل مع العالم بطرق مبتكرة.
الفوائد العاطفية
أن تكون بالخارج شعور جيد. يتمتع الأطفال بالحرية في الاستكشاف والتحرك وإحداث الضجيج ويسمح لهم بالتعبير بشتى الأشكال المبهجة عن النفس والتي غالبًا ما تكون مقيدة داخل المنازل. في الطبيعة، يمكن للأطفال الركض والقفز والتسلق واللف والصراخ، مما يسمح بالاسترخاء ويقلّل من التوتر والقلق والأرق.
علاوة على ذلك، تعزز الطبيعة الإحساس بالسلام. يهدأ العديد من الأطفال النشيطين بينما يحفرون حفرة في الرمال، أو يشاهدون خنفساء وهي تمشي، أو يقضون وقتًا في اللعب بعصا في بركة طينية، أو رمي الحجارة في النهر، أو محاولة اصطياد سمكة في الشبكة. لقد أظهرت العديد من الدراسات أن التعرض للطبيعة يمكن أن يقلل من أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والقلق. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الطيب نشرة والعسل نشرة والركوب نشرة والنظر إلى الخضرة نشرة.
المنافع الاجتماعية
عندما يلعب الأطفال في الهواء الطلق، تزداد فرص التفاعل مع زملاء جدد وأطفال مختلفين. في الطبيعة، يمكن للأطفال اللعب بمفردهم أو التواصل مع بعضهم البعض، وتعلم المشاركة، وحل المشكلات. في العالم الطبيعي، يتعاون الأطفال غالبًا في تكوين الألعاب والقواعد لأنه لا توجد مجموعات محددة من التعليمات. عند الاستكشاف في الخارج، قد لا يكون الأطفال في سن المدرسة على مقربة من البالغين، مما يمنحهم الوقت الكافي لوضع قواعدهم الخاصة وحل مشاكلهم دون أي إحباط.
في كثير من الأحيان، يهدّئ اللعب في الطبيعة الأطفال النشيطين فيتعلمون التركيز وكيف يكونون لطفاء.
الفوائد الفزيولوجية
ينعش الهواء الطبيعي أجسام الأطفال. ويوفر فرصًا لا نهاية لها لممارسة النشاط البدني، والذي بدوره يبني أجسامًا قوية. التعرض لأشعة الشمس يعني أن الأطفال يمتصون فيتامين (د) الذي له العديد من الفوائد الإيجابية، بما في ذلك المساهمة في نظام المناعة القوي.
كما يتيح اللعب الخارجي للطفل أن يمارس نشاطًا بدنيًا أكثر من اللعب في الأماكن المغلقة، ويحتمل أن يحرق المزيد من السعرات الحرارية ويساهم بشكل إيجابي في اللياقة البدنية الشاملة للطفل.
بعض هذه الأنشطة الخارجية تشمل: تسلق الأشجار، لعبة اللقيطة، الوقوف على قدم واحدة، القفز في البرك المائية.
وما هو جيد للأطفال مفيد أيضًا للآباء والأمهات. لا تخافوا من الانضمام. لا شيء يتفوق على محاولة عبور مجرى من خلال الصخور؛ من صخرة إلى صخرة (حتى لو تبلّل حذاء الرياضة أو أصابتكم كدمة في ركبتكم)، أو تسلق شجرة. إن توفير توازن معقول للمخاطر والسلامة هو مهمة الأهل، وتوفير مستوى من التحدي يتيح للأطفال تعلم مهارات جديدة.
الفوائد البيئية
بالإضافة إلى الفوائد الفردية التي اكتسبناها من خلال الارتباط بالطبيعة، هناك فائدة جماعية نتقاسمها جميعًا. يلعب الأطفال في جميع أنحاء العالم في الخارج، مما يخلق وحدة من الخبرات المشتركة. أطفالنا هم حكام المستقبل في الأرض. من أجل تربية البالغين المتحمسين لحماية البيئة والحفاظ على كوكبنا، يجب عليهم أولاً تطوير حب عميق لها. الطريقة الوحيدة لتمكين الأطفال من الشعور بالراحة في الطبيعة هي فتح الباب والسماح لهم بالخروج لاستكشاف عجائب العالم الطبيعي وروعته. اسمحوا لأطفالكم بالوقوع في التراب حتى يتمكنوا من رؤية الكون كله هناك. الاشتغال بالطبيعة يعزّز الانتماء لها والرغبة في الحفاظ عليها. وهو أمر مفيد لصحة الجميع وليس الأطفال فقط.
ختاما، في حديث عن الإمام علي عليه السلام قال: ثلاث يجلين البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

فاطمة فرحات ـ اختصاصية في علم النفس العيادي