طفلي.. والأبطال الخارقون

البوصلة/ إرشادات تربوية

عزة فرحات
لماذا يحب الأطفال الأبطال الخارقون؟
ماذا يمثل البطل بالنسبة للطفل؟

الطفل بفطرته عاشق للقوة طالب للكمال محب للخير، وحين نقدّم له نموذجًا قد تحقّقت فيه هذه الكمالات فلا شك أنه سيعشقه ويتعلق به. فالبطل شخصٌ يمكنه أن يحقّق كل ما يحلم به الطفل. البطل يجعل المستحيل ممكنًا.
وخيال الطفل الصغير ميّال للمغامرة لا يعرف الحدود، ولذلك يدّعي الصغار دون حرج وهم يتحدثون عن بطولاتهم بأنهم قد قطعوا الجبال وخاضوا غمار البحار حتى أن البعض منهم يقاتل الأعداء ويُقتل ثم يقوم ليعاود انتصاره المتخيّل مرة بعد أخرى. وما أقرب ما تكون بطولات الخارقين إلى عالم الطفل. إن دنيا هؤلاء الأبطال تمثّل الجنة بالنسبة لأطفالنا، حتى ان البعض منهم يسأل "هل يمكنني أن أكون مثل سبايدرمان في الجنة؟"
إن تعلّق الأطفال بمثل هذه الشخصيات هو أمر فطري طبيعي، فكيف إذا قُدِّمت حياة البطل بالصورة الأبهى!

ما هي آثار التعلق بالأبطال الخارقين؟
وجدت دراسة على الأطفال أن نشاطهم قد يزداد في الوظائف الموكلة إليهم، في حال تم السماح لهم بارتداء الأزياء التي يريدونها، لا سيما أزياء الأبطال الخارقين. أثبتت التجربة التي شملت 180 طفلًا أثر تقمّص دور الأبطال الخارقين في زيادة تركيزهم. أوكل الباحثون مهمة مملّة إلى أطفال تتراوح أعمارهم بين 4 إلى 6 سنوات، مدتها عشر دقائق، وقسموهم إلى ثلاث مجموعات، واحدة منها فقط سمح لها باختيار أي لباس يودون ارتداءه، حتى لو كان من شخصيات الرسوم المتحركة.
اختار عدد كبير من الأطفال ملابس “باتمان”، فيما اختار زملاء آخرون من نفس المجموعة ملابس لأبطال آخرين كان لها جميعها ذات الأثر. استطاع هؤلاء الأطفال الاستمرار بالعمل لفترة أطول من أولئك الذين طلب منهم إنجاز المهمة بشكل جدي، دون أي مساحة حرية في فعل ما يريدون. ووضع الباحثون ثلاثة احتمالات تفسر سبب نجاح هذه المجموعة تحديدًا، الأول يقول إن ارتداء هذه الملابس منحهم “مسافة ذاتية” بينهم وبين المهمة المملة، والتفسير الثاني يقول إن المهمة أصبحت أكثر متعة مع ارتداء هذه الملابس، فيما كان التفسير الثالث هو اعتقاد الأطفال بأنهم اكتسبوا بعض صفات هؤلاء الأبطال بارتداء ثيابهم، مثل المثابرة والالتزام والاهتمام بالتفاصيل.1
والغرض من وراء الاستشهاد بهذه الدراسة هو التأكيد على أن وجود أبطال في حياة الطفل له أثر إيجابي بلا ريب على أداء الأطفال في ظروف خاصة.

لكن إلى جانب هذا الأثر الإيجابي؛ هل يحمل تعلّق الطفل بهؤلاء الأبطال آثارًا سلبية؟
يتحوّل تعلّق الطفل بالبطل الخارق في كثير من الأحيان إلى هوس في التشبه به وتقليد أفعاله. وقد يقدم الطفل في هذه الحالة على تنفيذ أمور خطيرة، خصوصًا إذا كان الأبطال الخارقون يتمتعون بقوى سحرية، على غرار الطيران أو إطلاق النار من العينين أو السير في الهواء.
لا يعلم الطفل كيف اكتسب البطل قواه، ولكنه يرى هذه القوى تتفعّل كلما ارتدى زيّه البطولي، فيراه يحلّق في السماء ويقفز فوق الأبنية ويرمي بالشرر ويطلق من يديه خيوطًا أقوى من الحديد. ويظنّ الطفل أنه بارتدائه لزيّ البطل سوف يكتسب هذه القوى فيطالب بالحصول على هذا الزي، ويندفع بعد ارتدائه إلى تقليد صاحبه، وفي لحظة حماس قد يقفز من علو أو يتسلق شرفة، وحين يسقط أرضًا مدركًا حقيقة الواقع يتلوى من الألم؛ ألم لا يقتصر على الوجع المادي، ولكنه شعور بالظلم والانكسار لعدم تمكنّه من التمثّل بالبطل. وسوف تكون هذه اللحظة بداية الانفصال الواقعي عن بطله، وإن ظهر بشكل تام وجليّ بعد عدة سنوات. فمع كل عجز عن طيران، أو خسارة لهدف، يترسّخ الفارق بين الطفل والبطل ليخلص إلى قناعة عند الطفل بأنه لن يصبح مثل هؤلاء الأبطال الخارقين أبدًا، وتسقط القدوة.
لا يتعلّق جميع الأطفال بأبطالهم بنحو هوسي بطبيعة الحال - وينبغي على الأهل ممارسة رقابة خاصة لتقليل تعرض الأطفال لمخاطر هذا النحو من التعلّق-، لكنّ أخطر سلبيات هؤلاء الأبطال هو أنهم نماذج غير قابلة للتحقق في العالم الواقعي، وحين يكتشف الطفل هذا الامر تصبح أحلام البطولة عنده مجرّد خيالات طفولة.
ومن لطائف اللغة العربية في هذا المجال هو معنى كلمة بطل! فالباطل لغةً يقابل الحقّ، أي ما لا ثبات له ولا واقعيّة، ولا محالة زائل. والبطل والباطل من مصدر واحد، وإطلاق البطل على الشجاع إنما هو باعتبار أنّ عنوانه وقدرته وقوّته وجميع أفعاله لا يُعتمد عليها وليس لها ثبات وبقاء وحقيقة.2
الطفل يحتاج إلى القدوة. والقدوة لا بدّ أن تكون واقعية بحيث يتمكّن الطفل بمعرفتها واتباع مسارها الذي أوصلها إلى ما هي عليه أن يكتسب صفاتها. لكن في المقابل فإن كيفية حصول هؤلاء الأبطال الخارقين على قواهم هو أمرٌ غير منطقي. إنه يجري بمحض الصدفة أو الحظ، ولا يفسح المجال أمام الطفل لاكتساب أي من هذه القوى. ربما يحلم الطفل بلدغة عنكبوت ما في سنّ معينة ليكسب قوى الرجل العنكبوت، ولكنه سرعان ما سييأس من ذلك.
مع الأبطال الخارقين، كلما مرّ الزمن ازداد الطفل بعدًا عنهم.
التأثير الآخر الذي يتركه هؤلاء الأبطال يرتبط بصفاتهم الشخصية التي يتمّ الترويج لها.
في تحليل مفصّل لعشرة أفلام للأبطال الخارقين صدرت في عامي 2015 و2016 تبيّن أن الأبطال الطيبين أدّوا 23 فعلًا عنيفًا في المتوسط في الساعة، والأشرار أدّوا 18 فعلًا عنيفًا في المتوسط في الساعة، ونشرت الدراسة في مؤتمر 2018 للأكاديمية الأميركية لطب الأطفال.
كان ملفتًا بالنسبة للباحثين كيف جرى تجسيد الأبطال الطيبين وهم يرتكبون جرائم قتل أكثر من الأشرار.3
فهل هكذا يتصرّف العظماء الواقعيون؟ ومتى كان سهلًا عليهم تدمير الأبنية والطرقات وتفجير السيارات وقتل الأبرياء ولو في خضم معركتهم مع الباطل؟
إن من الآثار الخطيرة للأبطال الخارقين أنهم يمثّلون ثقافة مشوّهة ونمط عيش غريب عما نربّي أطفالنا عليه ونريدهم أن يعيشوه بكل تفاصيله.
لا يقتصر الأمر على الشكل واللباس والعلاقات، بل المسألة تطال القيم والأفكار. وأخطر ما في الأمر أن لا وجود لله ولطاعته ولحلاوة الارتباط به عند هؤلاء الأبطال. لا روابط أسرية واضحة في حياتهم. وغير خفي في هذا المجال ما يمكن أن يؤدي إليه ترسيخ هذا النمط من العيش سواء في وعي أطفالنا أو لا وعيهم.

كيف نتصرّف حيال تعلّق أطفالنا بـ"الأبطال الخارقين"؟
الأفضل أن لا يتعرّف الطفل على هؤلاء الأبطال حتى لا يتعلّق بهم من الأساس.
والأهم أن يبادر الأهل إلى تقديم النماذج العظيمة والواقعية التي يزخر بها تاريخنا ويصنعها ديننا.
الطفل لن يتعلّق بمن لا يعرف؛ فالحب فرع المعرفة.
إن تعلّق أطفالنا بالأبطال الخارقين مردّه إلى جاذبية شخصياتهم من جهة وشدة حضورهم في البيئة التي يعيش فيها الطفل من جهة أخرى. إنهم موجودون على شاشات التلفزة وفي القصص والألعاب والملابس والقرطاسية والحقائب وعلى الألسنة. ونحن نحتاج في هذا المجال إلى أن نحصّن أولادنا من الاستغراق في هذا المحيط من جهة وأن نملأ حياتهم بذكر العظماء الحقيقيين من جهة أخرى؛ بحيث تُروى قصصهم وتحكى بطولاتهم وتنشر صورهم وتُردّد حولهم الأناشيد والأخبار في يوميات أطفالنا.

لكن ماذا لو غلبنا المحيط وتعرّف طفلنا على الأبطال الخارقين وانجذب نحوهم؟
لا بد لكل أسرة من أنظمة وقوانين تراعى، سواء في مشاهدة التلفاز أو شراء الأغراض أو غير ذلك مما يضبطه الأهل وفق مصالح الأسرة وأفرادها. ثمّ مع تقديم البدائل الأرقى سوف ينشغل الطفل عن هؤلاء "الأبطال" الوهميين بالعظماء الواقعيين، من أمثال الأنبياء والأئمة والصالحين، وذلك حين نعرضهم أمامه بصفات القوة والرحمة والكرامات العظيمة والمقامات العليا.
قبل سن السادسة سوف يصعب على الطفل تصديق أن "الأبطال الخارقين" غير حقيقيين أو انهم لا يستحقون منا هذا الاهتمام البالغ، ولذلك علينا أن نعترف أمامهم أوّلًا بالجمال والحسن الذي يتمثل في هؤلاء الأبطال، وهو مقتضى الصدق، ثمّ رويدًا رويدًا نبين لهم تلك الأبعاد الباطلة والوهمية والسيئة الخفية في جمالهم المحدود.


1. بحسب موقع منتدى الاقتصاد العالمي “World Economic Forum” حول دراسة سُمّيت "أثر باتمان"
2. المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم
3. راجع الموقع
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل