فخ الغش

البوصلة/ إرشادات تربوية

أمل عبد الله ـ كاتبة

"لا تتصرف كالأطفال!"
عادة نوجه هذا القول لمن يبالغ في ردود أفعاله، فالمبالغة هي إحدى علامات الطفولة. بالنسبة للطفل، كل شيء يبدو أكبر أو أشدّ مما هو في الحقيقة. الأمر لا يتعلق بأحجام الأفراد أو الأبنية أو الطرقات أو حتى الفيلة… بل يشمل كل ما يتفاعل معه الطفل في محيطه. فحركات المهرّج التي تضجرنا، تقلب الطفل على ظهره من الضحك، وخدش بسيط لا يُرى بالعين المجردة يبكيه لساعة، ويتسبّب له صوت مرتفع بكوابيس مرعبة، وتشعره تكشيرة عابرة على وجه أمّه أنها لم تعد تحبّه!
لذا، لنا أن نتخيّل جزع ريما ذات الثماني سنوات، حين خانتها ذاكرتها أثناء مسابقة المفردات، وعجزت عن كتابة المعاني الصحيحة. في تلك اللحظة "المصيرية"، رأت ريما في عجزها عن الإجابة تهديدًا عظيما، فلم تجد مفرًّا من القيام بالشيء الوحيد المتاح أمامها: استراق النظر الى ورقة زميلتها!
إنّ عجز الأطفال عن إعطاء الأمور حجمها الطبيعي، يجعلهم أكثر عرضة من غيرهم للوقوع في فخ الغش؛ وهو الفخ الذي يوهمهم أنه ما من سبيل آخر سوى الغش لبلوغ الهدف المرجو، أو النجاة من "الخطر" المحدق بهم. فافتقارهم للنضج يجعل المنغّصات التي يواجهونها مسألة حياة أو موت بنظرهم، حتى لو كانت تلك المنغّصات عبارة عن علامة راسبة سرعان ما تمحى ذكراها. وفي مسائل الحياة أو الموت، يصبح كل شيء مباحًا!
لكنّ غياب النضج ليس السبب الوحيد للوقوع في هذا الفخ. هنالك أسباب أخرى، وهي التي تجعل طفلًا ما أكثر استعدادًا لممارسة الغش من الأطفال الآخرين.
أحد هذه الأسباب له علاقة بالهدف الذي يحاول الطفل تحقيقه من خلال ممارسة الغش. حين نُكلّف الطفل بمهمّة معينة، فمن الضروري أن نوضّح له الهدف كي يتمكن من السير نحوه. لكنّ ما نعتبره هدفًا واضحًا كالنجاح في مسابقة اللغة، قد يكون مجرد واجهة لهدف غير معلَن. يحصل هذا، على سبيل المثال، حين نجعل النجاح في مسابقة اللغة شرطًا لمشاركة الطفل في الرحلة المدرسية. هذا الربط بين عوامل لا علاقة أصيلة بينها، وهو من الأساليب الرائجة في التربية، يدفع الطفل لتبنّي الهدف غير المعلن بدرجة أكبر من ذاك المعلن، لأنه أقرب إلى قلبه، أو أكثر تأثيرًا عليه. وهكذا تصبح المشاركة في الرحلة لا النجاح في امتحان اللغة، هي الأصل بالنسبة له. ويتحوّل النجاح في الامتحان إلى مجرّد وسيلة لتحقيق هذا الهدف. فهذا النجاح، سواء حصل عن طريق الدرس أو عن طريق الغش، سيوصله إلى هدفه الأثير وهو المشاركة في الرحلة المدرسية. لذا علينا أن نلتفت إلى أنّ ما نستخدمه كحوافز (ترغيبية أو ترهيبية) لمساعدة الطفل على الإنجاز، قد يتحوّل في غفلة منا الى حافز لممارسة الغش!
من الأسباب أيضا ما يتعلق بالغاية التي تتحقّق بتحقُّق الأهداف. فما هي الغاية التي نريد لأطفالنا أن يبلغوها؟ لماذا نريد لابنتنا أن تشارك في معرض العلوم؟ ولماذا نريد لابننا أن يشارك في الماراثون؟
قد تختلط علينا الأمور لاعتبارات اجتماعية أو شخصية، فنعجز عن التمييز بين الهدف والغاية، ونشرع بدفع أبنائنا باتجاه أهداف نقدّمها لهم كغايات. ونتيجة لهذا الخلط، يظنّ الطفل أنه بتحقيقه للهدف إنما يحقّق الغاية. لكن إذا مكّناه من التمييز بينهما، فإنّه لن يقع في فخّ الطرق الملتوية التي ستزيده بعدًا عن الغاية. فمثلًا، لو أدرك أطفالنا أن الغاية من المشاركة في سباق الركض هو تكميل أجسامهم لا الفوز بالبطولة، أو أن الغاية من المشاركة في معرض العلوم هي تدريب عقولهم على التفكير الإبداعي لا نيل المرتبة الأولى، فإنهم سيدركون أن هذه الغاية لن تتحقق إلا إذا تحقّق الهدف عن طريق المثابرة والاجتهاد لا عن طريق الغش. أما إذا اختلط عليهم الأمر، ولم نكن حاضرين لتصويب تفكيرهم، فلن يبقى الغش خيارًا مستبعدًا بالنسبة لهم في حال تعرّضهم للضغط.
إذًا المبالغة في تقييم المواقف، ووجود أهداف غير معلنة، والخلط بين الهدف المحدود والغاية النهائية، جميعها أمور قد تدفع الطفل نحو خيار الغش، لكنها بكل الاحوال، لا تبرر له ممارسة الغش. فالغش هو مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى. وأيًّا كانت العوامل المساعدة لزلّة قدم الطفل فإن ذلك لا يعفيه من المسؤولية، خاصة حين يكون مدركًا أن ما يقوم به هو خطأ أو عيب أو حرام.
لا شكّ أن معرفة الطفل بأن الغش أمر غير أخلاقي، ومعرفته بالعقاب المترتّب عليه، تشكّلان رادعًا أخلاقيًّا ضد ممارسته لهذا العمل المستنكر. لكن مدى قوة هذا الرادع وقدرته على الحؤول دون ارتكاب الطفل للخطأ يعتمدان على درجة رسوخ قيم الحق في نفسه، وليس فقط على معرفته بها أو قدرته على التمييز بينها وبين قيم الباطل. فإلى أي مدى ننجح في ترسيخ قيم الحق في أطفالنا؟
غالبا ما نعمد كأهل إلى تثبيت قيم الحق في نفوس أطفالنا بطريقة عكسية تركّز على إظهار قبح الباطل أكثر من جمال الحق. ولعل اتّباعنا لهذه الطريقة ناشئ من الاعتقاد أنه يكفي إظهار بشاعة الباطل، حتى يظهر جمال الحق. لكن جمال الحق كالنور ظاهر بذاته، وعلينا أن نحرص على أن يقدّر أطفالنا هذا الجمال لذاته لا لما في الباطل من قبح، وذلك كي يتّبعوا الحق حبًّا به لا نفورًا من الباطل فحسب. فاتّباع الحق أمر يشقّ على الكبار، وهو لا شك أكثر مشقّة بالنسبة للأطفال. مثلًا، قول الصدق قد يتسبّب لهم بالعقاب، ورفض الاشتراك في الغش قد يكلّفهم خسارة صديق، وحفظ الأمانة قد يضعهم موضع اتهام. فما الذي سيعين الأطفال على تحمّل هذه المشقة؟ هل هو قبح الباطل الذي قد لا يبقى قبيحًا في نظرهم، إذا ما قورن بهذه المتاعب؟ أم هو جمال الحق واللذة التي سيشعرون بها بسبب تمسّكهم بقيمه؟ لا شكّ أنه جمال الحق! فهذا الجمال سيحوّل العقاب إلى قصة تحكي شجاعتهم لأنهم لم يخشوا قول الصدق، وسيحوّل خسارة الصديق الى دليل على استقلالهم لأنهم لم يخضعوا لابتزاز من ظنّوه صديقا، وسيحوّل أذى اتهامهم إلى اعتزاز لأنهم ثبتوا ولم يخونوا ثقة من وثق بهم.
إن ممارسة أبنائنا للغش لهو أمر مخجل، يدفعنا لصبّ جام غضبنا عليهم، متحسّرين على جهد ضائع بذلناه في تربيتهم. لكن بعد أن ننزل بهم العقاب المناسب، من المفيد ان نسأل أنفسنا إن كنا سهّلنا وقوعهم في هذا الفخ، أو على الأقل ماذا فعلنا لنحول دون وقوعهم فيه؟ ولنحرص على ألّا نغشّ في الإجابة!

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أمل عبد الله ـ كاتبة
كاتبة للأطفال