للقصة جزء ثانٍ

البوصلة/ إرشادات تربوية

أمل عبد الله ـ كاتبة
ما زال مشهد الصبي الصغير منتظرًا عودة أبيه الذي قتل في الحرب، حاضرًا في ذاكرتي. كان ذاك المشهد الأخير في فيلم كانت أمي تشاهده، وقد جعلني أجهش بالبكاء وأتكوّم في حضنها. في سن السادسة، لم أكن لأتحمّل هذا الظلم الذي لحق بالصبي، واحتجتُ لتطمينات أمي التي وعدتني بعودة الأب؛ كي أكفّ عن البكاء. كنت احتاج في تلك السن الصغيرة من يؤكّد لي أن القصة لم تنته مع انتهاء الفيلم، وأن هناك جزءًا ثانيًا ينتصر فيه الخير على الشر، ويُسحق فيه الظلم.
في قصة عاشوراء، الأمر لا يدور حول صبي فقد أباه. وللمرء أن يتساءل كيف لقلوب أطفالنا الغضّة أن تتحمّل الاطلاع على ظلم يفتّت الصخر! فحجم الظلم الذي وقع في عاشوراء لا يُحدّ بالحصار والعطش، والقتل الوحشي لحفيد الرسول وأهل بيته وأصحابه، وترويع النساء والأطفال، إنما هو ظلم بحجم الخير الذي حمله مشروع الإمام الحسين، وبحجم طوق النجاة الذي أراد أن ينقذ به البشرية جمعاء من الغرق في بحار الضلال!
إذًا كيف تتحمّل هذه القلوب الصغيرة ظلمًا يفوق كل تصوّر؟
إن نجاح عاشوراء في رسم ملامح جليّة للظلم وهوية واضحة للظالمين، لا يحدّها زمان أو مكان ولا تسقط بالتقادم، أتاح لكلّ سهم يُطلق ضد الظالمين عبر العصور، اختراق الأزمنة والأمكنة ليصيب معسكر يزيد، ويجرح ويقتل كل من تجرّأ على الامام الحسين(ع) وأهله وأصحابه، وعلى مشروعه الالهي. وهذه الحقيقة هي التي تحول دون توقّف قلوب أطفالنا عن الخفقان غمًّا وحزنًا! فأطفالنا يثبتون أمام كل هذا الظلم لأنهم متيقّنون من أنّ للقصة جزءًا ثانيًا؛ جزءًا سيشاركون هم في كتابة فصوله!
حين يسمع أطفالنا قصة عاشوراء أو يشاهدون فيلمًا عنها، يشعرون أن لهم دورًا في رفع الظلم الذي وقع، لا أن الموضوع انتهى سنة واحد وستين للهجرة. فنرى بعضهم يجعل عصا بلاستيكية سيفا يدافع بها عن الحسين(ع)، ونرى طفلة تمدّ يدها إلى جداريّة لتمسح دمعةَ طفلة شُرِمَت أُذُنُها في كربلاء، وآخرون يتعهّدون بسقاية من أضناهم العطش! وهو دورٌ لن يفوتهم أداؤه لصغر سنهم، لأنه سينتظرهم لحين يكبرون، ليكتبوا بكلّ شجاعة تكملة القصة. وليس الشهداء الذين يرتقون في كل معركة يخوضها الحق ضد الباطل سوى من أولئك الأطفال الذين كانت أمهاتهم تحكي لهم قصة الامام الحسين(ع)، فيغفون وفي عيونهم دمعة، وفي قلوبهم أمنية وأمل بقرب تحقّقها.
ولا شك أننا كأهل نشعر بالرضا عن أنفسنا حين يحمل أطفالنا همّ نصرة الحسين(ع)، إلا أن الفضل في هذا يرجع - بالدرجة الاولى- إلى فطرتهم السليمة التي تأبى الظلم وتنفر منه. فكل ما تحتاجه هذه الفطرة لتولّد في نفوسهم الرغبة في مواجهة الظلم، هو أن يتعرّفوا على قصة عاشوراء بالطريقة الصحيحة المناسبة لأعمارهم. أما الدور الحقيقي للأهل فيتعلق بالهدف الأسمى الذي خرج لأجله الحسين(ع).
لقد خرج الإمام الحسين(ع) طلبا للإصلاح. ولئن كان الإصلاح يبدأ بمحاربة الظالمين المفسدين، إلا أن
هدفه النهائي هو عباد الله الصالحون. وهذا ما ينبغي أن نلتفت له إن أردنا لأنفسنا ولأطفالنا المشاركة الكاملة في الجزء الثاني من قصة عاشوراء.
في القصص الخرافية التي يتمثّل فيها الشرّ بوحش ذي رؤوس متعددة وأذرع تطال السحاب، تستحوذ تفاصيل الصراع بين الخير والشر على الجزء الاكبر من القصة. وبمجرد أن ينهزم الوحش، تنتهي القصة مذيّلة بعبارة: وعاش الجميع في سعادة وهناء.
يتصوّر الأطفال وربما نحن معهم أننا وُجدنا في هذه الحياة فقط لمحاربة الظلم، ومتى قضينا على الظالمين ينتهي الأمر، ونعيش في سعادة وهناء. غير أن اعتقادنا الخاطئ بأن مواجهة الظالمين هو جوهر وجودنا الانساني هو الظلم بعينه، لأنه يصرفنا عن الهدف الأساسي لهذا الوجود، وهو التكامل.
إن قيمة عاشوراء في هذا الإطار، تتجلى في قدرتها على ربط أطفالنا بقضية بهذا الحجم؛ ألا وهي قضية التكامل، في الوقت الذي قد نرفض تعريف أولادنا على قضايا أصغر بكثير خوفًا منا على طفولتهم البريئة.
هذا هو الرابط الذي يقع على عاتقنا كأهلٍ إقامتُه بين أطفالنا وبين عاشوراء؛ الرابط الذي يُعينهم على طلب الكمال باسم عاشوراء، والذي يستلزم تفعيل طاقاتهم الكامنة وقابلياتهم التي ينتظر الكون كله تفتحها. سيريهم هذا الرابط، متى تحقّق، حقيقةَ عاشوراء التي قد تغيب عنا لاستغراقنا بالدموع والدماء والعطش والظلم؛ حقيقةَ أن الاتصال بها قادر على أن يُحيي فيهم كل كمال وجمال.
حين يتحقّق هذا الرابطُ لن يقتصر همّ أبنائنا على إطفاء حرائق الغابات، وإنما سيتجاوزها إلى تخضير الصحراء. ولن يكون اجتهادهم في طلب العلم فقط ليتفوّقوا على عدوّهم تكنولوجيًا وعسكريا، وإنما ليزدادوا معرفةً بربّهم الجميل وإدراكًا لنعمه التي أودعها فيهم وفي الآفاق. وأخيرًا، حين يتحقّق هذا الرابطُ فإنهم إلى جانب بغض الظالمين والنقمة عليهم، سيحرصون على إظهار محبّتهم للمؤمنين، والرفق بهم، ومدّ يد العون لهم؛ ليعيش الجميع في سعادة لا تسعها القصص التي كتبت، ولا تلك التي ستُكتب!
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أمل عبد الله ـ كاتبة
كاتبة للأطفال