سلوك الغش عند الأطفال

البوصلة/ إرشادات تربوية

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي
- ربما ظنّ كريم بأنّ الأمور ستحصل من دون ملاحظة أحد. وضع طالب الصف الثاني، البالغ من العمر سبع سنوات، قائمة الكلمات المطلوبة للإملاء أسفل مكتبه، وكان ينظر إليها أثناء الاختبار، فقط للتأكد من أنّه كتب كل الكلمات بشكلٍ صحيح. لاحظت معلمته ذلك. تقول والدته: "أخبرته المعلمة بأنّها تشعر بخيبة أمل حقيقية منه. أعتقد أنّه فعل ذلك للحصول على رضاها، لأنّه إذا كتب الكلمات بشكل صحيح، ستكون فخورة به."
- من المعروف أنّ عماد، البالغ من العمر عشر سنوات، يتّبع سلوك الغش لأسباب مختلفة. تقول والدته: "لقد كان محبًّا للتنافس كثيرًا حين كان صغيرًا. عندما نلعب لعبةً ما، يحاول تغيير القواعد لصالحه، وينزعج إذا صحّحتها له. كما أنّه ينزعج كثيرًا حين يخسر فريقه في كرة القدم، ويصرّ على أنّ سبب خسارتهم هو أنّ الكرة نفسها لم تكن جيدة، على سبيل المثال.
يغشّ الأطفال من أجل تجنّب المشاعر السلبيّة التي تصاحب الخسارة؛ ولأنهم في البداية يرون أنفسهم محور الوجود، فهم لا يدركون أنّ الخسارة ستُشعر الطرف الآخر بنفس الانزعاج الذي يشعرون به أنفسهم حين يخسرون؛ بل يعتقدون دائمًا أنّ الأمر أسوأ بالنسبة لهم مما هو لغيرهم. إن مفاهيم الفوز والخسارة هي مفاهيم يتطلّب إدراكها نموّ الأطفال ذهنيًّا.
قد لا يكون الغشّ مصدر قلق كبير عند الأهل إذا لم يروا أذاه ملموسًا، خاصة في السنوات الأولى من عمر الطفل. ولكن حين يبدأ الأطفال يغشّون لأنّهم يشعرون بالضّغط من أجل الفوز أو النجاح، أو إذا أصبح الغشّ نمطًا مع تقدّمهم في السن، فلا بدّ ساعتئذٍ من دقّ ناقوس الخطر، واتخاذ إجراءاتٍ للتدخّل.
تشير الأبحاث إلى أنّ 22٪ من الأطفال يبدأون بالغشّ من الصفّ الأوّل؛ و49% منهم يعترفون بأنّهم قد مارسوا الغشّ في وقتٍ معيّن من حياتهم مع بلوغ الصف الثامن، لتصل هذه النسبة إلى 75% بين طلاب المدارس الثانوية.

ومفاد هذه الأرقام هو أن معظم الآباء والأمهات سيواجهون مشكلة الغشّ في مرحلة ما من حياة أطفالهم. ولكن، لماذا يغشّ الأطفال؟ وما الذي يمكن أن يفعله الأهل لمنع أطفالهم من هذا السلوك؟ وإذا ما حدث ووقع الطفل في الغشّ، كيف نعالجه؟
أوّل تحقيقٍ منهجيّ لسلوك الغشّ لدى الأطفال، أُجري سنة 1928؛ من خلال سلسلة من الدراسات، أُتيح فيها للمشاركين فرصة الغشّ في مجموعة متنوّعة من المواقف الطبيعيّة. على سبيل المثال، تُرك مجموعة من الأطفال وحدهم في غرفة، وطُلب منهم كتابة أرقام محددة داخل دوائر صغيرة مرسومة على ورقة، وهم مغمضو العينين. قيل للأطفال إنّهم سيحصلون على جائزة إن هم نجحوا في المهمة ـ من أجل توفير الدافع لهم للغش. كانت النتيجة أنّ غالبية الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و16 سنة غشّوا.
وفي تجربةٍ حول الموضوع، تمّ التحقيق في سلوك الغش لدى أطفال المدارس الابتدائية باستخدام لعبة التخمين. طُلب من الأطفال، وكان عددهم 95 طفلًا، تتراوح أعمارهم بين 8 و12 عامًا، تخمين أيّ جانب من الشاشة ستظهر عليه عُملة معدنيّة، على أن يحصل الأطفال على مكافآت بحسب دقّتهم في التخمين، وتُرك الأمر للأطفال للإبلاغ عن النتيجة. تمّ قياس سلوك الغش لدى الأطفال من خلال مراقبة مدى التزامهم بقواعد اللعبة وتقديمهم للنتيجة الصحيحة حول دقة تخمينهم وعدم التغيير في النتيجة. غالبية الأطفال قاموا بالغش في هذه اللعبة.
أول الخطوات معرفة السبب. معرفة سبب اللجوء إلى الغش تساعد الأهل على تحديد ما يحتاج إليه الطفل من مساعدة للتغلّب على هذا السلوك. فقد يكون الغش ناجمًا عن ضعفٍ أكاديميّ. وفي حالاتٍ أخرى، قد يمارس الطفل الغشّ تحت مفهوم التعاون، أو بحثًا عن المقبولية بين الزملاء وفي المحيط، وهو لا يتصوّر الأذى الناجم عن مثل هذا الفعل. وأحيانًا يكون الغش هروبًا من العمل الكثير وسعيًا للراحة. بعض الأطفال يغشّون في المدرسة لمجرّد فضول الخوض في هذه التجربة ورغبتهم بالمرور بما يرافقها من مشاعر.
يلجأ بعض الأطفال إلى الغشّ لأنّهم يعتقدون بأنّ الغاية تبرر الوسيلة. والغش، سواء كان في الواجب المنزلي أو في الامتحان، يمكن أن يجلب مكافآت جميلة، خاصّةً إذا نشأ الطفل في مناخٍ شديد الضغط وموجَّه نحو تقدير الإنجاز المادّيّ الملموس؛ فيخلص الطفل إلى أنه لن يكسب محبة والديه ما لم يحصل على الدرجة "أ" ويحقق الإنجاز المرغوب عندهم. العديد من الأطفال والمراهقين يظنّون أنّ والديهم لا يعنيهما إلّا درجاتهم النهائية، ولن ينالوا القبول أو الحب إلّا بحصولهم عليها، وفي ظلّ كل هذا التنافس قد لا يجدون طريقًا لإرضائهم وتجنّب العقاب إلّا الغش.
وقد يكون الغش نتاجًا لتربية أسرية مفكّكة؛ أبٌ وأمٌ يقولان ما لا يفعلان، ممّا ينتج عنه ازدواج في تفكير الطفل، يجعله غير قادرٍ على اتّخاذ القرارات السليمة التي تتوافق مع ما هو متعارفٌ عليه قيميًّا داخل المجتمع الذي يعيش فيه.
وحين تتّصل إحداهنّ تريد مكالمة الأم وتقول الأم لطفلها: "قل لها لست موجودة"، سينشأ الطفل شيئًا فشيئًا على استسهال الكذب، ويصبح الغش لديه وسيلة للخروج من المواقف الصعبة.
وللغش أسبابٌ كثيرةٌ أخرى، منها ضعف مستوى التعليم بشكلٍ عام. فالنُّظُم التعليمية التي تقوم على الحفظ والتلقين يكثر فيها الغش، وكذلك اعتماد المدرسة والمعلّم على نظام التقويم القائم على الامتحانات الخطّيّة فقط، هو عاملٌ يدفع الطفل الضعيف في التحصيل إلى الغش لنيل الدرجات وتجنّب الرسوب.
عندما يشعر الطفل أن الامتحان يقيّمه كشخصٍ ولا يقيّم معارفه ومهاراته في موضوع ما، وعندما يضغط الوالدان عليه من أجل التفوّق، فإنه سيعمد إلى الغش هربًا من اللوم الأُسري الذي سيقع عليه في حال فشله.
في كل الحالات تُعتبر الأسرة ركنًا أساسيًا في تعزيز سلوك الغشّ عند أطفالهم أو الحدّ منه ومنعه. فالأسرة التي تربّي طفلها على القيم الحميدة والتمسّك بها، ويكون الوالدان فيها قدوةً يُقتدى بها للخير، يراعيان الأمانة دون ممارسة دور الرقيب المحاسب على من سواهم، لن يضطر أطفالهم إلى الغش، فإنّ الأطفال يمارسون ما يعيشون وليس ما يُملى عليهم.
إذا كنت في حياتك تستخدم المعارف والوسائط أو تدفع الأموال لتحصل على ما تريد، إذا كنت تغشّ في عدّادات منزلك لتدفع فواتير أقل، أو كنت تكذب بشأن عمر طفلك لتُعفى من دفع أموال أزيد في الرحلات، إذا كان هذا أسلوب تعاملك في حياتك اليومية، فلا تتوقع إلّا طفلًا يتبع مبدأ "الغاية تبرّر الوسيلة" ويسير على النهج نفسه الذي رآه وعايشه.
الغش وسيلة للنجاح المزيّف، والغشّاش يُفتضح ولو بعد حين، وهو يعتدي على ما لا حق له فيه، وهذا بالاعتبارات القيمية مذموم مخالف للعقل والدين. وهكذا فإن تغذية الجانب القيميّ لدى الطفل، وتنمية الوازع الأخلاقيّ لديه، وتذكيره ـ بحسب عمره ـ بأنّ الله يراه ويعلم ما يفعل، وأنّه سبحانه لا يرضى بالغش وسيلةً للنجاح هو أمر واجب وضروري.
الآباء حقًّا يسعَدون ويفخَرون بأبنائهم إذا ما حصلوا على درجات عالية، ولكن مدحك للنتائج بدلًا من الجهد قد يبعث برسالة خاطئة إلى طفلك؛ وهي أنّ الهدف هو النتيجة وليس التعلّم.
الوقاية من الغش ممكنة، وعلاجه أيضًا متيسر بعد الوقوع فيه. وإن أهم ما نقدّمه لأطفالنا في هذا المجال هو إقناعهم وطمأنتهم إلى أنهم لا يحتاجون إلى الغش في حياتهم لنيل المحبة أو كسب العلم أو تحقيق الإنجازات، وإنّ اختيار الصّدق والتخلّي عن سلوك الغش يساعد على الشّعور بالراحة والرضى. وعلى العكس من ذلك فإن الغش هو تزييف للحقائق، والغشّاش إنسان قلِق دومًا من افتضاح أمره.
في سبيل الحل أيضًا، هنالك عدّة أمور يمكن القيام بها مع الطفل الذي ينزع نحو الغش.
لنجرّب مثلًا أثناء اللعب تعديل قواعد اللعبة كما قد يرغب الطفل. يمكننا إعطاء الطفل فرصة للعب اللعبة بطريقة تخدم مصالحه ـ كأن يحصل الطفل على ثلاثة أدوار لكل دور لنا، أو لا يضطر مثلًا إلى النزول مطلقًا على الحيّة في لعبة "السلم والحيّة" بينما نفعل نحن ذلك. وعندما يفوز الطفل، نسأله عن شعوره وما إذا كان الأمر ممتعًا مثل الفوز باتّباع القواعد. والهدف هنا هو مساعدة الطفل على إدراك أنّ الفوز المضمون دائمًا ودون استحقاق يؤدّي إلى الملل في نهاية المطاف وإفقاد النجاح معناه. بعد ذلك، نجرّب اللعب وفقًا للقواعد الحقيقيّة، ونؤكّد مثلًا على أنّه سيكون هناك فائزان هذه المرّة: الشخص الذي ربح اللعبة وفقًا للقواعد، والشخص الذي خسرها ولكنّه لم يبدِ انزعاجًا كبيرًا من الخسارة.
يمكننا كذلك أن نطرح أمثلةً حول بعض المواقف التي قد يغش فيها الطفل ونناقشها مع طفلنا. مثلًا: سامي، تلميذ في الصف الرابع، كان أداؤه سيّئًا في اختبارات الإملاء. هدّده والداه بسحبه من فريق كرة القدم إذا لم يتحسّن. يعرف سامي أنّ الفتاة التي تجلس بجانبه في الصف تحصل دائمًا على 100٪ في اختباراتها، وهو يفكّر في النظر إلى ورقتها خلال الاختبار التالي حتى يتسنّى له الاستمرار في لعب كرة القدم.
في هذه النقاشات، يجب أن نساعد طفلنا على رؤية جميع وجهات النظر، مثل سياسة المدرسة فيما يتعلّق بالغش، عدم رعاية العدل مع الفتاة التي اجتهدت ودرست، والضرر الذي سيُلحقه سامي بنفسه إذا ما اختار سلوك الغش، مع التأكيد على إثابة اتّخاذه خيار السّلوك الصحيح في كلّ مرة.
للمعلّمين أيضًا دورٌ مهم في معالجة المشكلة، فلنتحدث معهم حول التوقّعات المحدّدة من الطفل وحول دورهم في مساعدته للوصول إليها.
الخسارة والفشل شعوران مزعجان، لكنّ الفوز عن طريق الغش أسوأ. والأطفال الذين لا يغشون هم فائزون حقيقيّون لأنّهم، يتحقّقون بفضائل القيم إلى جانب اكتسابهم للعلم والمعرفة، وهذا هو جوهر التعلّم.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي