أهداف لا تقبل الفشل

البوصلة/ إرشادات تربوية

أمل عبد الله ـ كاتبة
في صغرنا نخاف من أمور كثيرة: العتمة، قصص الأشباح، أول يوم في المدرسة… ومع تقدّمنا في العمر تتراجع هذه المخاوف إلى أن تختفي تمامًا. غير أن بعض هذه المخاوف لا ينفكّ يلازمنا، ومنها خوفنا من الفشل، وبسبب هذا الخوف نختار أن نعيش في منطقتنا الآمنة التي رسمنا حدودها مستعينين بتجارب الفشل والنجاح التي عشناها. والحقيقة إن التزامنا بحدود هذه المنطقة الآمنة لا يعود بالدّقة إلى خوفنا من الفشل، بل إلى خوفنا من أن نوصف بالفاشلين؛ وهو أمر مؤلم، لكن الأشدّ إيلامًا هو أن يوصف أبناؤنا بالفشلة!
إن عجز طفلنا عن ركوب دراجة بعجلتين، أو عن حلّ مسائل الحساب، أو عن تعلّم السباحة، أو تركيب أجزاء أحجية، أو إتمام المهام الموكلة إليه بالشكل الصحيح، يزيد من إمكانية وضعه في خانة الفاشلين. ويترافق هذا التصنيف، عادةً، مع السخرية التي يتداور عليها بعض زملاء المدرسة أو أبناء الجيران والأقارب، وأحيانًا، بعض الأهل أو الأقارب الراشدين، ما يجعل بيئة الطفل بيئة ضاغطة تدفعه إلى المزيد من فقدان التركيز والانزواء والخمول. فكيف ينقذ الأهل طفلهم من هذه البيئة الضاغطة؟ هل يلعبون دور الشرطي في مواجهة أقرانهم؟ وماذا لو توهّم الكبار أن لسخريتهم بعدًا تربويًا يساعد على اشتداد عود الطفل ويزيد من دافعيّته وقوّة شخصيته؟!

قد يدّعي بعض الأهل أن رأي الآخرين غير مهم، وينصحون أبناءهم بتجاهل أي إساءة أو سخرية، وهو أمر يصعب على الكبار، فكيف بالصغار؟! وقد يطالب البعض أبناءهم بردٍّ عنيفٍ تجاه من يسخر منهم، وهو أمر لا تُحمد عقباه. وقد يشعر البعض نتيجة عجزهم عن حماية أطفالهم من مثل هذه المواقف المؤلمة، أن الحل الأمثل هو في عدم دفع أبنائهم، بداية، لخوض تجارب تفضح ضعفهم وتثبت عجزهم، فيقرّرون أن يتركوهم وشأنهم، مع التأكيد المستمر على أن حبهم لأبنائهم غير مشروط بنجاحهم. لكنّ هذه القناعة بما تستبطنه من خيبة وإقرار بضعف الإمكانيات عند الأبناء، سرعان ما تنفذ إلى وعي الطفل من خلال نظرات الأهل أو مزاحهم البريء وحتى أحضانهم وقبلاتهم، فتزيد من قناعته بأنه فاشل، أو أن قدراته محدودة إن لم تكن معدومة! ولنا أن نتوقّع أي شيء من طفل يعيش هذا المستوى المتدني من تقدير الذات، بدءًا من الاستهتار والخمول حين لا يرى أي جدوى من السعي والمثابرة، وصولًا إلى العدائية حين يرى في نجاحات الآخرين استهدافًا له.
إن ما يدفع الأهل إلى سلوك هذه الطرق المسدودة هو غياب حقيقتين جوهريتين عنهم:
الحقيقة الأولى هي أن كل طفل- دون استثناء- هو مستودع عظيم لقدرات هائلة أوجدها الله تعالى فيه.
أما الحقيقة الثانية فهي أن القدرات الكامنة في كلّ طفل قد تتقاطع مع قدرات باقي الأطفال، ولكنها لا تتطابق معها. وبالتالي، يصبح من الإجحاف أن نحكم على قدرات أطفالنا بالرجوع إلى نموذج نمطيّ جامد اتفق البعض، بمباركةٍ من نظامنا التعليمي، على أنه النموذج الأمثل.
إذا ما أدركنا هاتين الحقيقتين، فإن إيماننا بالحقيقة الأولى سيجعلنا كأهلٍ نستبدل سؤال "هل طفلي موهوب؟" بسؤال "كيف اكتشف الموهبة أو المواهب التي اختُص بها طفلي؟"، وسيدفعنا إيماننا بالحقيقة الثانية إلى التساؤل حول المشاريع التي يمكن لأبنائنا من خلالها أن يفعّلوا طاقاتهم الى أقصى حد. وهنا يجب أن نكون دقيقين جدًا في اتّباع المسار الصحيح الذي يرشدنا إلى هذه المشاريع، فهذه المشاريع أو الأهداف ينبغي أن تكون منسجمة مع ميولهم ومواهبهم وخصوصياتهم، لكي يقبلوا عليها ويتبنوها. وحين يتعمق إيمانهم بها، وبدورهم المحوري في تحقّقها، سيتشكّل بينهم وبينها رابط عاطفي وروحي يهوّن عليهم مصاعب الطريق. سيجعلهم هذا الرابط أكثر حصانة تجاه مشاعر الإحباط التي تنتج عن فشلهم المرحلي، وأكثر وعيًا عند تقييم أسباب الفشل، وأكثر اجتهادًا في البحث عن العلاجات الناجعة، وأكثر حماسًا لاستكشاف طاقتهم الكامنة التي تحمل في طياتها نجاح المشروع وبلوغ الهدف.
أهمية الهدف أو المشروع لا أهمية الأنا هو ما يجب على الأهل التأكيد عليه. فالأمر لا يتعلق بطفلي كفرد، بل بالأهداف التي مُنح كلَّ هذه الطاقات لأجل أن ينجح في تحقيقها. قد لا تكون كلّ هذه الاهداف عظيمة بحسب المفهوم العام للعظمة، إلا أنها متلائمة مع كل مرحلة عمرية، وتحقُّقها يجعل المسافة إلى بلوغ الأهداف العظيمة تقصر شيئًا فشيئًا. وما التفتّح المتدرّج لطاقات أبنائنا الكامنة سوى البوصلة التي سترشدنا إلى هذه الأهداف، لذا علينا كأهل أن نعمل على توفير بيئة آمنة لتفتّحها، فهذه القدرات تتغذّى على قيم الجمال والحق والفضيلة، وتضمر كلما طوّقَتْها سلاسلُ الأنانية، والاعتبارات الاجتماعية المضلّلة، والتنافس العقيم على أهداف مصطنعة نفرضها على أبنائنا بعد أن فُرضت علينا.
حين تترسّخ عند أبنائنا القناعة بأنهم اختُصوا بقدرات مميزة وبأهداف ذات معنى، لن تكتسب حياتهم بعدًا رساليًّا يجعلهم يستشعرون قيمتهم كأفراد مؤثرين في هذا العالم فحسب، وإنما سيقوى أيضًا ارتباطهم بالله العظيم الذي وثِق بهم منذ البداية، واستودعهم هذه القدرات، وخصّهم بهذه الكرامة وبهذا الشرف. حينها، حتى لو سخر منهم من سخر فإنهم لن يبالوا كثيرًا، لأن عيونهم ستكون مثبتةً على الهدف، وعلى ما أولاهم الله من مقدّرات. وربما سيشعرون ببعض التعاطف مع الذين يسخرون من فشلهم، لأن هؤلاء المساكين انشغلوا بالسخرية من الآخرين، ولم يكتشفوا حقيقة ما وهبهم الله من نِعم، وما اختصهم به من أهداف.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أمل عبد الله ـ كاتبة
كاتبة للأطفال