التفاحة الوهم

البوصلة/ إرشادات تربوية

أمل عبد الله ـ كاتبة
حين كنا صغارًا كنا نشتري علكة على شكل علبة سجائر. كنا نمسك "السيجارة" ونتظاهر بأخذِ نفسٍ عميق وإرسال زفرةٍ من القلب تحمل الدخان المتخيَّل. كنّا نكره رائحة السجائر، ونلوّح بأيدينا لنطرد دخانها الرمادي بعيدًا عنا، لكن كنا نحب الإحساس الذي نراها تعطيه للمدخّنين من حولنا؛ مزيج من الشعور بالقوة والسيطرة والاستقلال والمتعة والنشاط. بالطبع لم نكن كصغار قادرين على تفصيل هذه المشاعر، لكن فكرة الأثر الإيجابي للتدخين على النفوس انطبعت في أذهاننا، فالأب يتراجع غضبه إذا دخّن سيجارة، والأم تحتاجها لتجدّد نشاطها وتكمل أعمالها المنزلية، وحتى الكاتب المبدع يجب أن يملأ المنفضة بأعقاب سجائر أطفأها ليشعل جذوة الإبداع.
ثم تغيّر الوضع تدريجيّا. بدأت الأصوات ترتفع ضد التدخين، وانطلقت حملات واسعة للتحذير من مضارّه، لكن بعد ان أتلفت رِئات جيل بأكمله، وربما أكثر من جيل.
تراجع وهمُ السيجارة ليحلّ مكانه ادّعاء آخر ركّز على مفاهيم السعادة والبهجة والاسترخاء والاحتفاء بمتع الحياة، بالإضافة للترويج للألعاب الرياضية خاصة كرة القدم. هذه المرة لم يكن الصغار بحاجة لإعمال مخيّلتهم، لأن المشروبات الغازيّة والأطعمة السريعة متاحة لكل الأعمار، بل هناك وجبات "سعيدة" مخصصة للأطفال.
ثبّتت المشروبات الغازية والوجبات السريعة مكانتها في الثقافة الاجتماعية، وأظهرت حصانة أقوى من حصانة التدخين ضد الحملات المضادة، وواجهتها بسيل عارم من الإعلانات الترويجية. ولعل قدرتها على الصمود والاستمرار تعود الى أن الفئة المستهلكة لها هي أكبر بكثير من الفئة المستهلكة للسجائر، فضلًا عن أن للسجائر نقائص ظاهرة لا يمكن إنكارها. فرائحة السجائر كريهة ورمادها مقرف، في الوقت الذي يمتدّ فيه شريط الجبنة السائحة على قطعة البيتزا مسافة لا تحتملها القلوب الضعيفة!
لكنّ التدخين ما لبث أن نهض من كبوته، وقرّر خوض معركة إثبات الوجود من جديد. حدّد نقاط ضعفه، وعمل بجدٍّ على تطوير نفسه للتخلّص منها. موّه رائحته الكريهة بقناع من رائحة الفواكه المغرية كالعنب والتفاح. حدّ من تطاير رماده المقرف بأن ألزمه البقاء في مكان واحد، وليمنع اصفرار الأظافر استبدل السيجارة بخرطوم رشيق طوع اليد. وليكتمل المشهد أُضيفت موسيقى تصويرية عبارة عن قرقرة "محبّبة" يصدرها الماء الذي يملأ جسم النرجيلة!
وبما أن أسهم الاسترخاء والبهجة والوقت اللطيف ورفقة الأصحاب ارتفعت على حساب العمل والجدّ والانجاز، فقد حرص التدخين بنسخته المحدّثة على حمل راية الأكثر رواجا. أما النجاح الأهم الذي يُسجّل للتدخين، بحلّته "القديمة" الجديدة، فهو قفزه فوق حاجز العمر الذي انهزمت أمامه السيجارة، إذ بتنا نجد أولادًا في سن العاشرة، وربما أقلّ من ذلك، يتشاركون مع أهلهم رأس نرجيلة بكثيرٍ من الالفة، دون أن تقوم قيامة الرأي العام المشغول بدوره بتحضير رأس النرجيلة. فمرحى للتدخين الذي نجح في خداعنا مجدّدا!
إن رغبتنا في أن نعيش حياة مفعمة بالسعادة والنشاط والنجاح والبهجة والأنس والصحبة الجميلة وراحة البال… هي أمر طبيعي ومشروع، بل إن حبّ الكمال الذي فُطرنا عليه والطاقات العظيمة التي أودعها الله فينا تتوق لجعلنا أكثر توهّجا من الشمس!
المشكلة ليست في أننا نرغب في هذه الامور، المشكلة في أننا نخطئ في اختيار الطريق الموصل إليها، ولا عذر لنا في ذلك. فهذه الحياة تطاردنا بالحقائق التي توضّح لنا السبيل الصحيح، ولكننا نختار أن نتبع الوهم. قد نخشى كأهلٍ التلفّظ بكلام نابٍ أمام اطفالنا، أو الإتيان بتصرّف مشين مخافة أن يكتسبوا عاداتٍ سيئة، لكن ما علينا أن نخشاه حقًّا هو أوهامنا التي تتسرّب إليهم، فتضلّهم عن طريق الكمال الذي يتوقون بفطرتهم إليه.
ويبقى أن نسأل أنفسنا إلى متى سنستمر في أكل التفاحة الوهم التي يزيّنها لنا الخبيث، وفي غضّ الطرف عن سوءات مجتمعاتنا التي لن تفلح أوراقُ التوت في سترها؟



التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أمل عبد الله ـ كاتبة
كاتبة للأطفال