الخيط السحري

البوصلة/ إرشادات تربوية

أمل عبد الله ـ كاتبة
"عندما أصبح كبيرًا"... غالبًا ما تسبق هذه العبارة الأمنيات الكبرى التي يعبّر عنها الأطفال بطرق مختلفة. وأيًّا كانت هذه الأمنيات فهم يرون أن انتماءهم لعالم الكبار هو شرط أساسي لتحقّقها. فعالم الكبار بالنسبة لهم هو العالم الذي تتحقّق فيه الأحلام، لذا هم يتوقون ليكونوا جزءًا منه.
الأمر لا يقتصر على تحقيق الأمنيات، ففطرتهم التوّاقة للتحقّق بالكمال (وهو الأمر الذي لن يحصل ما داموا عالقين في عالم الطفولة) تغذّي فيهم هذه الرغبة، بالإضافة الى ما يتصوّرونه من فائض حرية ينعم به الكبار؛ تصوّر نغذيه كلما استعملنا صغر سنهم كذريعة لنحول بينهم وبين ما يرغبون به.
وبما أن عالم الكبار بعيد المنال، يلجؤون الى خلق عالم يشبهه تتحقّق فيه هذه الأمنيات بنحو خيالي. إنّه عالم اللعب. في هذا العالم المتخيَّل يمكنهم أن يكونوا أطباء، رجال إطفاء، أمّهات، رائدات فضاء... يمكنهم أن يكونوا أي شيء يرغبون به، دون أن يغفلوا عن أن عالمهم هذا هو مجرد نسخة هزيلة عن عالم الكبار الحقيقي.
في مرحلة الطفولة الأولى، يكون اللعب سبيل الطفل لاستكشاف نفسه والعالم المحيط به. وغالبًا ما يدرك الأهل في هذه المرحلة أهمية اللعب بالنسبة لأطفالهم، فيوفّرون العوامل المساعدة كالألعاب والمكان والرفاق، ويحرصون على الانخراط في عملية الاستكشاف هذه بشكل كبير. وحتى لو لم يدركوا هذه الأهمية، فإنّ لعبهم مع أطفالهم هو جزء أساسي من عملية الرعاية والمراقبة المستمرة التي يحتاجها الأطفال في هذا العمر.
لكن مع انتقال الطفل الى مرحلة عمرية جديدة، تتراجع الحاجة لملازمة الأطفال طوال الوقت، ويتحوّل اللعب شيئًا فشيئًا من نشاط مشترك بين الأهل والطفل إلى شأنٍ خاص بالطفل. ويصبح وقت اللعب بالنسبة للأهل فسحة زمنيّة تتيح لهم متابعة شؤون الحياة الأخرى.
التغيير الآخر الذي يطرأ على علاقة الأهل باللعب هو نظرتهم إليه. فمع دخول الولد إلى المدرسة، وتكاثر الواجبات عليه يصبح اللعب، الذي كان في مرحلة الطفولة الأولى الوسيلة الأمثل للتعلّم وتفتّح الذهن، عائقًا أمام التعلّم وسببًا لتشتيت الذهن! وبدل أن يُنظر إلى اللعب كفرصة لبلورة ميول الأطفال وتنمية مواهبهم ومهاراتهم الاجتماعية وتكوين فهم أولي لشؤون الحياة، يصبح -إلى حدٍّ كبير- مضيعة للوقت بنظرهم. وللأسف؛ ينسحب هذا الشعور على الأولاد فيشعرون أنهم "يلعبون في الوقت الضائع" بعد أن كان اللعب نشاطًا أساسيًا يحظى بمباركة الأهل. حينها، ليس مقدار المتعة والبهجة هو الذي يتراجع فحسب، وإنّما أيضًا شعور الأبناء باحترام الأهل لهم، لأنّ ما هو أساسي بالنسبة للأولاد هو أقرب الى العبث بالنسبة لأهلهم. ولعل هذا هو الثقب الأول في النسيج الذي يربط الأهل بأبنائهم. وعلى الرغم من أنه ثقب صغير إلّا أنه قد يتسع مع الوقت؛ لتزداد المسافة بين الطرفين مع بلوغ فترة المراهقة. ولئن كان الطفل قبل سن المراهقة لا يدرك بوضوح الصلة بين تذمّر الأهل من لعبه واحترامهم له، فإن هذه القيمة تصبح مطلبًا أساسيًّا في مرحلة المراهقة. في سن المراهقة يطالب الأبناء الأهل باحترام رغباتهم، وخياراتهم، وآرائهم وهي مطالبة قد تتّسم بالحدّة في كثير من الأحيان. وبعد سلسلة من الصدامات يبدأ الأهل بالتساؤل أين ذهبت تلك الطفلة الوديعة التي تبدو في الصورة تحتضن أبويها بكل حب؟!
فكيف يمكن أن يحول الأهل دون حصول هذا الثقب؟ أو لنقل كيف يمكن أن يحدّوا من اتساعه كي لا يتمزّق هذا النسيج النفيس الذي حاكوه بكل الحب طوال سنوات؟
إذا كان الشعور بعدم الإحترام هو الذي تسبّب بإحداث الثقب الأول، فمن الطبيعي أن يكون لإظهار الاحترام أثرٌ عكسيٌّ. لكن كيف نظهر هذا الاحترام؟
دعونا نستعيد ما ذكر آنفًا من توق الأطفال ليكونوا جزءًا من "عالم الكبار"؛ ليصبح الجواب سهلًا. وأيّ شيء يظهر احترام الأهل لأبنائهم أكثر من الترحيب بهم في هذا العالم المرجو؟!
قد يظهر هذا الترحيب من خلال إيكال مسؤوليات "للكبار" تشعرهم بأهميتهم ودورهم في العائلة، وهو أمر جيد لكنه يحتاج للكثير من الدقّة؛ كي لا يُثقل كاهل الأولاد بتكاليف تفوق قدرتهم.
أما الصورة الأجمل لهذا الترحيب فتتحقّق عبر مشاركتهم في اللعب. حين يقوم الوالد بمشاركة ابنه في لعبة كرة القدم، فإنه يفتح له نافذة يطلّ من خلالها على عالم الكبار. يشعر الطفل، ولو لفترة وجيزة، أنّه ينتمي إلى هذا العالم بدليل أنّ أباه "الكبير" قبله كشريك كامل. بالنسبة للأبناء هذا الشعور ليس لعبة على الاطلاق!
أما هيبة الأهل فستبقى محفوظة لسبب بسيط هو أن ذهابها سيحوّل الأهل بعيون الطفل من ممثلين حقيقيين لعالم الكبار، إلى مجرّد رفاق لعب لا يختلفون عن أقرانه سوى بالحجم، وهو أمر غير ملائم له. فالحفاظ على هذه الهيبة هو الذي يعطي لهذه الشراكة قيمتها بالنسبة للطفل. لذا مع بعض التوجيه من الأهل ستبقى هذه الهيبة مصانة.
كان أبي في الستين من عمره حين دعاني وأخي للعبة مبارزة. كنت في سنتي الجامعية الأخيرة وكان أخي يتحضّر لامتحانات الشهادة الثانوية، أمّا سيوفنا فكانت عبارة عن لفافات مستطيلة من الكرتون المقوّى! لم تصمد سيوفنا طويلًا، ولا التعابير الجديّة التي رسمناها على وجوهنا انسجاما مع طبيعة اللعبة. واليوم بعد مرور كل هذه السنوات، ما زال الوميض المبهج لهذه الذكريات وللكثير من مثيلاتها يعمّق شعوري بعظمته.
إن الاحترام والمقبولية اللذين يستشعرهما الأبناء من خلال هذه الشراكة سيثمران مودّة خاصة تجاه الأهل؛ مودة ستحفر عميقًا في قلوبهم لأنها امتزجت بالبهجة. ومن هذه المودة سيتولّد شعور بالشكر والامتنان هو بمثابة خيط سحري سيرتق الكثير من الثقوب التي قد تظهر في النسيج العائلي مع مرور الأيام.


التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أمل عبد الله ـ كاتبة
كاتبة للأطفال