كيف نهيّئ أطفالنا لإحياء ليلة القدر؟

البوصلة/ إرشادات تربوية

عزة فرحات
تمثّل ليلة القدر بالنسبة للمؤمنين أعظم فرصة إلهية ينتظرونها من عام إلى عام، تقدّر فيها مصائرهم وأحداث سنتهم المقبلة، ويكونون هم شركاء في صناعة هذا التقدير بحسب إحيائهم لهذه الليلة. وقد بيّن القرآن الكريم أن ليلة القدر أفضل من عمرٍ بأكمله (خير من ألف شهر) في البركة والخير والرحمة النازلة على الإنسان. مجريات هذه الليلة وتقديراتها تتعلّق بكل الخلق، الكبير منهم والصغير والغني والفقير والعالم والجاهل، بل بكل أصناف الخلائق... لا يستثنى منهم أحد. وقد ورد عن المعصومين وعلماء الدين أعمالًا خاصة لهذه الليلة وتمّ التأكيد على إحيائها بالذكر والدعاء والمناجاة وقراءة القرآن، وقيل ان أفضل إحياء لها يكون بمذاكرة العلم.
في ليلة القدر يُعتق أناس من النار ويُكتبون في أهل الجنة، وقد ذُكرت لهذه الليلة علامات منها أَنْ تَطِيبَ رِيحُهَا وَإنْ كَانَتْ فِي بَرْدٍ دَفِئَتْ‏ وَإِنْ كَانَتْ فِي حَرٍّ بَرَدَتْ‏ وَطَابَتْ. والمؤمنون يتحسّسون هذه العلامات في ليالي تسعة عشر وواحد وعشرين وثلاث وعشرين من شهر رمضان، وتكون هذه الليالي الثلاث أجمل ليالي السنة عندهم.
وأطفال المؤمنين غير مستثنين من بركات هذه الليلة، وهم جزء من الذين تُكتب مقدرات عامهم الآتي فيها. ولأنهم صغار وقاصرون، فإنّ تحضيرهم لليلة القدر وتهيئتهم لإحيائها يعدّ من مسؤولية أولياء أمورهم. ولا ريب أنه بمقدار ما يُجلّ الآباء والأمهات هذه الليلة ويعظمّونها ستكون جليلة وعظيمة عند أطفالهم.
فيما يلي عدة عناوين مهمة ينبغي على المربين والأهل أن يعتنوا بها لتشجيع أطفالهم على حُسن إحياء هذه الليلة:
- الحديث عن الليلة قبل حلولها
إذا كان طفلكم في عمر يستوعب فيه الأحاديث حول ليلة القدر فارووا له قصة الليلة بنحو جاذب ومشوّق حتى يرغب في إحيائها ونيل بركاتها؛ حدّثوه عن معنى نزول القرآن على قلب الرسول فيها، وعن معنى نزول الروح والملائكة على قلب صاحب الزمان، وعن اجتماع المؤمنين من كل بقاع الأرض في الأماكن المقدّسة والمساجد وغيرها لتعظيم القرآن وشكر الرسول والدعاء للإمام الغائب في هذه الليلة، بقلوب صافية ونفوس طيّبة.
وليكن لأمير المؤمنين ع ذكرٌ خاصٌ لأنه شهيد هذه الليلة، وليكن لإمام الزمان والدعاء بالفرج له توجّهٌ أخصّ لأنه صاحب هذه الليلة.
حدّثوه عما كان يفعله رسول الله ص وما كانت تقوم به السيدة الزهراء ع مع أطفالها استعدادًا لليلة القدر. فقد رُوي عن أمير المؤمنين ع "أنّ رسُول اللّهِ ص كان يطوِي فِراشهُ ويشُدُّ مِئزرهُ فِي العشرِ الأواخِرِ مِن شهرِ رمضان وكان يُوقِظُ أهلهُ ليلة ثلاثٍ وعِشرِين وكان يرُشُّ وُجُوه النِّيامِ بِالماءِ فِي تِلك اللّيلةِ وكانت فاطِمةُ ع لا تدعُ أحداً مِن أهلِها ينامُ تِلك اللّيلة وتُداوِيهِم بِقِلّةِ الطّعامِ وتتأهّبُ لها مِن النّهارِ وتقُولُ محرُومٌ من حُرِم خيرها."
ولا بأس من ذكر بعض الروايات والأخبار الأخرى التي تبيّن عظمة الليلة وترغّب فيها، ومنها ما ذكر عن النبيّ ص أَنَّهُ قَالَ: قَالَ مُوسَى‏ ع إِلَهِي أُرِيدُ قُرْبَكَ قَالَ قُرْبِي لِمَنْ يَسْتَيْقِظُ [اسْتَيْقَظَ] لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَالَ إِلَهِي أُرِيدُ رَحْمَتَكَ قَالَ رَحْمَتِي لِمَنْ رَحِمَ الْمَسَاكِينَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَالَ إِلَهِي أُرِيدُ الْجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ إِلَهِي أُرِيدُ مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ وَ ثِمَارِهَا قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ سَبَّحَ تَسْبِيحَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ إِلَهِي أُرِيدُ النَّجَاةَ قَالَ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ قَالَ نَعَمْ قَالَ ذَلِكَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ إِلَهِي أُرِيدُ رِضَاكَ قَالَ رِضَائِي لِمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر.
- ليلة القدر هي ليلة القرآن
من المفيد تعليم أطفالنا سورة القدر في ليلة القدر إن لم يكونوا قد حفظوها بعد، وهو أمر سهل إذا ما تمّ بأسلوب جاذب مع شرح المعاني. ولا بأس بتخصيص هدية للطفل إذا ما كرّر قراءتها كل حين على مدى الليلة، وطرح أسئلةً حول ما يتفكّر فيه من معانيها.
ورد في الأحاديث أن "هذا الْقُرْآنَ‏ مَأْدُبَةُ اللَّهِ فَتَعَلَّمُوا مَأْدُبَتَهُ‏ مَا اسْتَطَعْتُم"؛ وكل تعظيم للقرآن واشتغال به من قبل الأهل مع الطفل في ليلة نزول القرآن المباركة يؤمّل أن يترك آثاره الطيبة والعظيمة في النفس.
- ليلة القدر هي ليلة الدعاء والمناجاة مع الله
شجّعوا طفلكم أن يدعو لكل من يعرفهم فردًا فردًا، وبيّنوا كيف أن الله يحبّ أن يراه محبًّا للآخرين داعيًا بالخير لهم. اطلبوا منه أن يسامح كل من أخطأ بحقه أو أزعجه يومًا، فهذه ليلة المسامحة والمغفرة والبدء من جديد. ليُكثِر الدعاء لإمام الزمان بالفرج والنصرة، خاصة دعاء "اللهم كن لوليّك.."، وليدعُ لانتصار الشعوب المسلمة والمظلومة في كل بقاع العالم (مع تعريفه عليها).
الدعاء للوالدين ولأفراد الأسرة مهم للغاية في هذه الليلة، وكما أنه ينبغي للطفل أن يدعو لأسرته التي يعيش معها في هذه الدنيا، كذلك والأَولى أن يدعو لأسرته السماوية، تلك الأسرة التي يسعى كل مؤمن للانتساب إليها بنَسَبِ الإيمان الواقعي، وقد قال رسول الله ص "كُلُّ حَسَبٍ‏ وَنَسَبٍ‏ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا حَسَبِي وَنَسَبِي." وأيّ وقت أفضل من ليلة القدر ليفعّل الإنسان هذا ‏الانتساب! علّموا طفلكم كيف يكون بارًّا بأمه السماوية، مولاتنا فاطمة س، وبأبيه الحقيقي، رسول الله ص ووصيّه س، وقد قال النبيّ ص "أنا وعليّ أبوا هذه الأمة". ليلة القدر هي فرصتنا العظيمة للانتماء إلى تلك الأسرة التي نسعى مدى عمرنا أن نُحشر معها وفي زمرتها "محمد وآله".
من المناسب في هذه الليلة أن نشرح لأطفالنا عبارات دعاء "اللهم أدخل على أهل القبور السرور" ومعانيها، وكم أن المؤمن حريصٌ على غيره. شجّعوا طفلكم أن يترك طلباته الشخصية الى الآخر؛ فهذا مقتضى حبّ الناس والايثار، وهما من عناوين هذه الليلة.
إذا عرفتم بعض أدعية طفلكم الشخصية في هذه الليلة، اسعوا أن تحقّقوا له ما يمكنكم منها في يوم العيد مثلًا.
- ليلة القدر هي ليلة الصدقة
أكدت الروايات على استحباب التصدّق في شهر رمضان، وخاصة في ليلة القدر، ففِي الْأَخْبَارِ أَنَّ الإمام زَيْنَ الْعَابِدِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ يَتَصَدَّقُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ الصِّيَامِ بِدِرْهَمٍ رَجَاءَ أَنْ يَظْفَرَ بِالصَّدَقَةِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. ليس لزامًا أن تكون الصدقة أمرًا ماديًّا، يمكن للطفل أن ينوي أيّ فعل حَسَنٍ صدقةً، وقد قال النبيّ ص "كُلُّ مَعْرُوفٍ‏ صَدَقَة".
من اللطيف أن نلفت نظر الطفل عندما يتصدّق إلى النية؛ فليتصدّق على نية حفظ الإمام المهدي ع أو لتعجيل فرجه أو لنصرة المظلومين في العالم وهكذا.
- الاستيقاظ تمام الليلة
رُوي أن السيدة الزهراء عليها السلام وهي قدوة النساء والرجال والمثل الأعلى في التربية كانت توقظ أطفالها في ليالي القدر وخاصة الليلة الثالثة والعشرين، وكانت شديدة الحرص على بقاء أطفالها مستيقظين في هذه الليلة، حتى أنها كانت ترشّ وجوههم بالماء إذا ما شعروا بالنعاس.
جديرٌ بنا أن نقدّم إحياء أطفالنا لهذه الليالي على كل أولوية أخرى، سواء كانت المدرسة أو غيرها، ولا ننسَ أن ليلة القدر لا تعدل عمرًا بأكمله، بل هي أفضل! إن تأثير سنوات الطفولة الأولى على مستقبل الإنسان شديدٌ وبيّن. وما أحلى أن تصبح ليالي القدر جزءًا من ثقافة الطفل ونمط عيشه.
نظّموا أوقات نوم طفلكم، فإذا كان مستيقظًا طوال النهار لن يتمكّن بالطبع من إحياء تمام الليلة، استعدوا قبل أيام لإعادة تنظيم يومه بحيث ينام قليلًا في النهار قبل دخول الليلة.
ليكن الطعام الذي يتناوله الطفل في النهار السابق لليلة خفيفًا خاليا مما يستجلب النعاس، وقد روي عن السيدة الزهراء سلام الله عليها أنها كانت تقدم لأطفالها طعامًا خفيفا في هذه الليلة.
- الغسل
من مستحبات الليلة الغُسل، وقد رُوي عن الإمام الصادق ع قوله"وَغُسْلُ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَغُسْلُ لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سُنَّةٌ لَا تَتْرُكْهَا، فَإِنَّهُ يُرْجَى فِي إِحْدَاهُنَّ لَيْلَةُ الْقَدْرِ." وهو عمل سهل ويسير؛ قبيل المغرب بقليل ليغتسل طفلك وليلبس النظيف والمعطّر من الثياب كأول التحضيرات العملية للإحياء.
- الهدية
يمكنك أن تهدي ابنتك بحسب عمرها ثوب صلاة، وكذلك ابنك عباءة بيضاء أو شالًا أخضر، أو كتيب دعاءٍ جميل مناسب لأعمارهم. وليتعطّر الطفل بالطيبِ كجزء من استعدادات الليلة الجميلة.
- الإحياء في الجماعة
ليكن طفلك رفيقك في هذه الليلة، في المسجد أو في مراكز الإحياء. لا تتركي الإحياء الجماعي ولو جزءًا من الليل، لأن لديك طفلًا قد يشتتك أو يزعج الآخرين. البرَكة في الجماعة والله يحب اجتماع المؤمنين على ذكره وعبادته، وكذلك فإن هذه الأجواء تعين طفلك على البقاء مستيقظا. يمكنك لتلافي السلبيات أن تخصصي جزءًا من الليلة فقط للإحياء الجماعي، وأن تحسني اختيار مجلسك. لا تجلسي في المكان المزدحم الذي يستقرّ فيه الكبار، اجلسي في مكان جانبي يستطيع طفلك أن يتحرك قليلًا فيه، قريب من الخدمات الصحية. احملي معك قليلا من الوجبات الخفيفة، تلك التي يحبّها طفلك وكذلك بعض القصص وورق التلوين. بعض المساجد ومراكز الإحياء تخصص أماكن للأطفال وتعدّ مجموعة من الأنشطة القرآنية والعبادية الخاصة بالليلة. اسعي أن تشاركي فيها.
- الصبر وطول البال
لا تجبري طفلك على إحياء هذه المراسم، ولا تكرهيه على الذهاب الى المسجد أو مكان الإحياء العام. فليكن ذلك بالتشويق والترغيب بحيث يشعر الطفل أنه سيغنم بانضمامه الى هذه الجموع المستبشرة بأهمّ ليلة في الحياة كلها. ليس المطلوب من الطفل أن يقوم بأعمال الكبار، يكفي أن يبقى مستيقظًا ليراك تحيينها؛ ففي ذلك أحسن التعليم. قال الإمام الصادق ع " كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ‏، لِيَرَوْا مِنْكُمُ الْوَرَعَ وَالِاجْتِهَادَ وَالصَّلَاةَ وَالْخَيْرَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ."
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل