القصص وأهميتها في حیاة أبنائنا

البوصلة/ إرشادات تربوية

د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي
تبني القصص جسرًا غیر مرئي بین الطفل والعالم الذي سیدخله مستقبلًا، وتسعی من خلال العبر الأخلاقیة والأحداث السیاسیة والتجارب الإجتماعیة التي تحویها أن تجهّز الطفل للدور الذي ینتظره في العالم المتغیر یومًا بعد یوم. تقدر القصص علی خلق ارتباط مع الإنسان منذ ولادته حتی آخر لحظات حیاته وتساعده علی التعرّف علی محیطه وعلی نفسه من خلال إغنائها لتجاربه المحدودة وبالتالي تغییر سلوکه في أحيان كثيرة.
لقد أثبتت التجارب أن الطفل، في کل مرحلة من مراحل حیاته، یحتاج إلی نوع من القصص التي تلبي حاجات هذه المرحلة. والمراحل التي یمر بها الطفل أدبیًا -إذا صح التعبیر- يمكن بالعموم تقسيمها إلى التالي:
- المرحلة الواقعیة المحدودة بالمحیط (من عمر 3 إلی 5 سنوات): لأن الطفل یبدأ باکتشاف محیطه، فإن أفضل القصص في هذا العمر هي القصص التي تحوي شخصیات مأنوسة من الحیوانات والنبات والإنسان. ویفضّل أن تکون النباتات والحیوانات في هذه القصص ناطقة کي تنمي خیال الطفل أکثر.
- المرحلة الخیالیة (من عمر 5 إلی 8 سنوات): بعد أن يتعرّف علی المحیط الذي یعیش فیه في البیت والمدرسة والحي، یشتاق الطفل الآن للتعرّف علی کائنات وشخصیات جدیدة، وهو یمیل في هذا العمر إلى القصص الخیالیة والفكاهية المرحة، وكذلك يميل إلى سماع القصص بشكل متكرر.
- مرحلة حبّ الاستطلاع والبطولة (من 8 إلى 12 سنة): في هذا العمر یبدأ الطفل بالتعرّف علی الحقائق الموجودة في هذا العالم لذلك يظهر بالتعلّق بالقصص التي تتحدّث عن الخير والشر، وعن الشجاعة والأخطار التي تواجه الأبطال وکیفیة التغلب علیها.
- مرحلة الحب والمراهقة (من عمر 12 إلی 18 سنة): یخرج الطفل في هذه المرحلة من الطفولة وتبدأ عنده الأفکار الفلسفیة والتساؤلات الدینیة والإضطرابات العاطفیة والإجتماعیة. یحتاج في هذا العمر إلى قصص تحکي له عن شخصیات تعیش الأحلام والطموحات والمشاكل التي یعیشها هو نفسه، لیتماهى مع هذه الشخصیات ویحاول مواجهة مشکلاته بنجاح مثلها.
أهمیة القصص في حیاة الأطفال:
أثرت القصص علی مرّ الأیام علی نمو الطفل المعرفي والمعنوي. وساعدت الطفل علی تنمیة القوة الخیالیة عنده کما ساهمت في تربیته الإجتماعیة، كذلك ساهمت القصص الدینیة في ارتقاء التفکیر الدیني عند الأطفال من خلال تقدیمها لنماذج یمکن الإقتداء بها والتماهي معها.
يحتاج الطفل إلى تجارب یتعلم منها، وهو لن یستطیع الخوض في تجارب عدیدة في سنواته الأولی. تأتي في هذه الحالة القصص لتقدّم هذه التجربة من خلال شخصیاتها وأحداثها، وتكون مصدر إلهام ووحي للطفل، ومنبع للإبداع الذي یحتاجه الأطفال دائما.
تُعلّم القصصُ، والخیالیة منها، الطفلَ أن المشاکل لا مفر منها في هذه الحیاة، وأن النجاح والتقدم يكون في مواجهة هذه المشاکل وحلها.
ویساعد أبطال القصص علی حلّ التضاد النفسي والمعرفي عند الأطفال من خلال مقارنة الطفل لحیاته بحیاة هؤلاء الأبطال والتعرّف علی ما یشبهها وما لا یشبهها فیها، ثم محاولة التماهي بالجمیل والقوي والحسن فیها، وبالتالي إیجاد التوازن في حیاته. يكتشف الطفل من خلال القصص أن هناك الکثیر من الأطفال الذين يعيشون مشاكله نفسها ویفکرون بالطریقة نفسها التي یفکر بها، فیتمكّن عندها من تحلیل مشکلاته بطریقة أعمق.
تساعد القصص الأطفال علی معرفة الطریقة الأفضل للتعبیر عن المشاعر والعواطف والأحاسیس. وهي تعتبر من أفضل الوسائل التعليمية، لأنه تعليم تشترك فيه أغلب حواسّ الطفل. الأدب المكتوب وسيلة تعليمية محدودة الأثر، وحينما يصبح الأدب مسموعًا أو مشاهَدًا فإنه يؤدي دوره كاملًا، ولذلك كانت القصص التي يسمعها الطفل من أمه أو جدته من أقوى الوسائل في نقل المعارف والحقائق والنماذج الأدبية الراقية، وذلك أن:
ـ أسلوب الحكي والقصّ يحقق الألفة والحميمية والمودة والثقة المتبادلة بين الطفل ومن يحكي القصة، وفي إطار هذا التبادل الدافئ في العلاقة تتسلل المعلومات بخفة وسهولة ويسر، ويقبل عليها الأطفال بشوق ولهفة.
- اعتماد القصة يحقّق عمقًا في الذاكرة بحيث لا ینسی الطفل المعلومات بسرعة بل تبقی محفورة في ذهنه.
يولد الطفل برهافة حس وسعة خيال ورقّة مشاعر وشوق للمجهول وحبّ للمغامرة والحل والتركيب والسؤال. وليس هناك كالقصص في خلق التوجهات الجمالية والكشف عن القدرات الإبداعية في عالم الأطفال.
إن رحلة الطفل خلال مراحل نموه برفقة القصص، تخلق نوعًا من الصلة بين الجمال واستشعاره، ويمكن تلمّس أثر هذا على الطفل الذي تعوّد الاستماع إلى القصص أو قراءتها، حيث يكون عادة في أتم صحته النفسية وأكمل درجات نضجه وأفضل حالاته الوجدانية والذهنية، وهذا كله صدى للحسّ الذوقي الذي نما لديه أثر ارتباطه الدائم بالقصص.
إن الأطفال الذين ينشأون نشأة أدبية لغوية ذوّاقة للجمال يكتسبون المهارات التالية:
- التعبير باللغة والرسم عن أفكارهم وإحساساتهم.
- التذوق اللغوي والادبي يحقق للاطفال مجالات وآفاقا أوسع في تعاملهم الاجتماعي والإنساني.
- هذا التذوّق يعالج كثيرًا من سلبيات الاطفال المتمثلة في انطوائهم وعزلتهم
- تذوّق الأدب يمنح الطفل القدرة على القراءة الواعية وعلى تقدير قيمة الكلمة المكتوبة ويجهّزه لممارسة الكتابة في المستقبل.
و لکي نساعد أبناءنا علی الإستئناس بالقصص وبالمطالعة فیما بعد من المهم القیام ببعض الخطوات العملیة:
- نقرأ نحن الكتب أمام أطفالنا منذ الصغر، لأن هذا الأمر سيشجعهم كي يقلّدونا.
- ندرك نحن وبوعي أن المطالعة مهارة ككل المهارات الأخرى تحتاج الى تمرين وتشجيع كي تصبح ملكة عند طفلنا.
- لا نجبر طفلنا على مطالعة القصص أو على اقتناء القصص إذا كنا نحن لا نميل إلى القراءة.
- لا نتعامل مع الكتب الموجودة في البيت على أنها عبء ولا نرمي الكتب غير المهمة في سلة المهملات؛ هذا التصرف يؤثر سلبًا على نظرة أبنائنا إلى الكتب.
- نعتمد القصة الجميلة هدية لطفلنا حين يقوم بعمل جيّد.
- نخصّص بعض المال شهريًا لشراء القصص، ونتأكّد أن طفلنا قد قرأها قبل أن نشتري غيرها.
- نشجّع طفلنا على اعتماد القصص الجميلة كهدايا لأصدقائه في المناسبات؛ هذا الأمر سوف يشجّع رفاقه أيضًا على إهداء القصص.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

صورة
د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي