متى وكيف نربّي أطفالنا دينيًّا؟

البوصلة/ إرشادات تربوية

د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي
الطفل الذي تعرّف جيّدًا علی الله منذ الصغر لن یشعر أبدًا في الکبر بالخواء النفسي أو الفراغ العاطفي، وسیشعر دائما أنه مرتبطٌ بحبل متين یستطیع به التغلب علی الصعاب التي قد تواجهه في هذه الحیاة.
والأهل الذين تحمّلوا مسؤولية تعريف أولادهم على الله وشريعته كما تستلزم التربية السليمة يقطفون ثمرة جهدهم هذا في الدنيا والآخرة.
الطفل المتدیّن لن یسيء الأدب مع أهله، فهو یعرف ما قاله القرآن: {ولا تقل لهما أف}، ویعرف أحادیث المعصومین: {برّ الوالدین واجب وإن کانا مشرکین}. إن ثمرة حُسن تربیة الأهل لأبنائهم تصلهم بشکل یومي ودائم.
وهكذا فللتربية الدينية بركات تشمل الأهل والأولاد معًا، وهي أساس في التربية لا ينبغي الإستهانة به أبدًا.
متی نبدأ بالخطاب الديني؟
قد یتساءل البعض عن العمر المناسب للبدء بالتربیة الدینیة، والجواب نستلهمه من أحادیث أئمتنا:
"وأجمعت علیه من أدبک... وأنت مقبل العمر... ذو نیة سلیمة ونفس صافیة." أو "فبادرتک بالأدب قبل أن یقسو قلبک ویشتغل لبّک." أو "قلب الحدث کالأرض الخالیة ما ألقي فیها من شيء قبلته."
لقد اتضح الجواب، فالتربیة الدینیة تبدأ منذ الطفولة الأولی بل من بعد الولادة مباشرة.
عندما نحمل الطفل بین أیدینا ونکبّر في أذنه الیمنی ونقیم في الیسری، فإننا نلقي علیه أولی بذرات التربیة الدینیة (التوحید والنبوة والإمامة...). بالطبع إن هذا التعلیم هو غیر مباشر، لکنه مؤثّر بنحو کبیر في لا وعي الطفل.
وتبدأ التربیة المباشرة من سن الثانیة حيث يتفتّح الشعور الدیني في هذا العمر، فیمکننا بالترتیب أن نلقّن الطفل الصلاة علی محمد وآل محمد، وحبّ النبي، وحبّ أهل البیت، فيما نعرّفه على الجید والسيّء.
ولا بدّ من الإلتفات إلی الزمان والمکان المناسبین للتعلیم الدیني. فیجب أن نعلّم أبناءنا في أفضل الأزمنة والأمکنة. وأفضل الأوقات حین یکون الطفل فرحًا ومسرورا.
لا يوصى بنقل المفاهیم إلى الطفل عندما یکون متعبًا، أو عندما یرید أن ينام، أو عندما یکون منزعجا أو مضطربا. إن إلقاء المفاهیم الدینیة في هذه الحالات قد يولّد ردة فعل عکسیة عند إبنائنا.
ویمکننا معرفة عدم جهوزیة الطفل أو الوقت غیر المناسب لإلقاء المعرفة الدينية من الطفل نفسه: وجهه وتصرفاته وإقباله أو إدباره، "إن للقلوب شهوة وإقبالا وإدبارا، فأتوها من قبل شهوتها وإقبالها..".
إن تعلیم القیم یجب أن يتناسب مع الظروف المختلفة التي یمر بها الطفل. فعندما یتلقی الطفل هدیة، أو عندما یشتري الأهل شیئًا جدیدا یکون الوقت مناسبا لتعلیم الطفل شکر الله.
وعندما نکون في الطبیعة أو أمام البحر یکون الوقت مناسبًا لتعلیم الطفل قدرة الله وعظمته.
وعندما نزور الأماکن المقدّسة ومقابر العلماء الکبار من المهم أن نعرّف الأطفال بجمل بسیطة وواضحة على أهمیة هذه الأماکن.
وعندما یحضر ابنکم بطاقة علاماته ویکون فرحًا بنتائجه فتقدمون له هدیة جمیلة یکون الوقت مناسبا والطفل مستعدًّا لتقدير الأم والأب واحترامهما.
والسبب وراء اختیار هذه الأماکن أو هذه الأوقات هو أن الطفل یمرّ عندها بأجمل لحظاته ویکون خارج روتین حیاته الیومیة فیتقبّل ما نلقیه إلیه دون أي مقاومة.
كيف نثبّت القيم والتعاليم الدينية في نفوس أطفالنا؟
لا بد للأهل من اتباع خطوات متعددة:
1-التخلّق بهذه القیم عند الأهل أنفسهم، وعدم التساهل بشأن التعاليم الدینیة (کالإقبال علی الصلاة والصیام والتفاعل مع المناسبات الدینیة) والأخلاقیة والشرعية (الحلال والحرام)، مع التشجیع الدائم وإظهار الدقة في هذه المواضیع.
2-تجهيز الطفل بالوسائل التي تمكّنه من تطبيق التعاليم: کسجادة صلاة خاصة به، سبّحة، عطر، ثوب صلاة، مکان نظیف ومرتب للوضوء، ماء ساخنة في الشتاء للوضوء، وهكذا.
3-التمرین: إن التمرین في أي عمل ومهنة ومهارة هو أمر أساسي للتطور والتقدم فيها، وهکذا في الأمور الدینیة، فمن المهم أن تقف الفتاة قرب أمها للصلاة حتی ولو کانت تقلّدها فقط. الإستیقاظ للسحور في شهر رمضان حتی ولو لم يصم الطفل في الیوم التالي، إعطاء الصدقات ومساعدة المحتاجین في الشارع، کل هذا یعتبر تمرینًا للأطفال علی القیم الدینیة.
4-الحضور في الأماکن الدینیة: کدعاء کمیل في المسجد، وزيارة عاشوراء في المقامات الدينية، وزيارة الأماكن المقدّسة في المناسبات المختلفة.
5-تقویة العلاقات مع العائلات المتدینة: وهكذا يتعلّم الطفل من أترابه ويعزّز من انسجامه في مجتمع یألفه.
6-تقدیم نموذج: من المهم أن یظهر الأهل الإحترام والمحبة لعلمائنا وعظمائنا وشهدائنا، وأن يقدّموهم علی أنهم النموذج الجید، والأهم أن لا یكون هناک تناقض في شخصياتنا كمربّين: نُظهِر الإلتزام الديني ثم نظهر الإعجاب برموز الفسق والإنحلال الأخلاقي من ثقافات أخرى.
7- التشجیع: إن للتشجیع الأثر السحري في تعزيز القیم والأحاسیس والعبادات الدینیة. مع الإلتفات إلى أن لا یأخذ التشجیع منحی الرشوة، خاصة إذا ما کان تشجیعنا مادیا(هدایا، مال..)، فمن الجید أن نلجأ في أوقات کثیرة إلی الهدایا المعنویة: التقبیل، الإبتسامة، الاحتضان والکلام المشجّع.
ما هو الأسلوب الأمثل لنقل المفاهيم الدينية إلى أطفالنا؟
إذا ما لاحظنا أن ابننا لا یظهر أي مقاومة أمام أسلوبنا المباشر حتی سن السادسة، فلا ينبغي أن نتوقع استمرار تأثیر أسلوبنا المباشر بعد هذا العمر. فبعد سنّ السادسة لا بد أن نلجأ إلى أسالیب غیر مباشرة یکون تأثیرها مستمرًا وأقوی:
1- من أفضل الأسالیب لنقل المفاهیم الدینیة القصص. والقصص من الأسالیب التي اتبعها القرآن الکریم لتعلیمنا؛ فقصة النبي موسی والخضر تعلّمنا الصبر والتواضع امام المعلم، وقصة آدم وحواء تعلّمنا الحذر من الشیطان، وهكذا.
2- حیاة العلماء: تاریخنا الإسلامي وحاضرنا مليء بالنماذج التي یمکن أن یقتدي بها أبناؤنا في حیاتهم الدینیة والعملیة.
3- الأفلام والرسوم المتحرکة والأنیمیشن: تعتبر الآن من الأسالیب الأکثر جذابیة بالنسبة للأطفال ویمکننا دمج أي مفهوم نریده من خلال فیلم كرتونيأو غيره.
تساعد هذه الأساليب علی تثبیت المفاهیم الدینیة أکثر من الاسلوب المباشر.
ومن الأمور المهمة في هذا المجال:
-الإرتباط الکلامي الحسن: فمن المهم أن نتکلم مع أبنائنا بأسلوب جمیل واضح وبصوت هادئ ومهذب وبأخلاق حسنة.
-الظاهر المرتب: من حقّ أبنائنا أن یکون معلمو الدین في المدارس من أکثر المعلمین والمعلمات اهتماما بالترتیب والنظافة. هذا الأمر یؤثر إیجابیًا علی تقبّل الدین وعلی الثقة بالمؤمنین.
-الصبر: کي نعلّم أبناءنا التعالیم الدینیة نحن بحاجة للصبر وطول البال، فقد نحتاج للتکرار مرارا کي یرسخ أمر ما في ذهن الأطفال.
ماذا نقدّم للأطفال عمليًّا لمعرفة أعمق؟
من عمر الاربعة الى الخمس سنوات:
- قصص بسيطة واضحة تتكلم عن الصح والخطأ وعن الحق والباطل.
- نردّد على مسامعهم الآيات القرآنية المرتلة بصوت جميل.
من عمر ست إلى ثماني سنوات:
- قصص تدور حول الله وترتبط بالأصول الأخلاقية.
- نردّد على مسامعهم الآيات القرآنية المرتلة بصوت جميل.
من عمر تسعة إلى اثني عشر سنة:
- القصص المتعلقة بالنماذج الإنسانية التي يجب أن يقتدي بها الطفل.
- شرح الآيات المرتبطة ببعض العقائد الدينية الأساسية.
- تخصيص وقت لتعليم الأحكام المتعلقة بأهم العبادات.
- حفظ الآيات القرآنية.
من عمر ثلاثة عشر سنة فما فوق:
- القصص التي تؤكد على تنمية المجتمع الديني.
- الدراسة بشكل أعمق للعقائد الأساسية.
- فهم أهمية المراسم العبادية.
- مطالعة النصوص العرفانية والرمزية المتعلقة بالدين.
ملاحظة مهمة:
- قبل عمر العشر سنوات لا ينصح أبدا بالقصص التي تتكلم عن جلال الله وعن جبروته وعن جهنم والعقاب الإلهي، بل المطلوب هو القصص التي تتحدث عن جمال الله ورحمته ومغفرته.

- لا يجب أن يُحَدَّ التعليم الديني بساعة التربية الدينية في المدارس، بل يجب أن ندخل المفاهيم الدينية الى كافة الدروس: التاريخ والجغرافيا والعلوم والرياضيات والقراءة. وبالطبع بعد عمر التسع سنوات يجب تخصيص ساعات لتعليم الأحكام المتعلقة بالعبادات المختلفة.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

صورة
د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي