طفلي غير مؤدب!

البوصلة/ إرشادات تربوية

د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي
نقف عاجزين أحيانًا أمام تصرّفات أبنائنا التي تحرجنا وتحرجهم، لأنّها غير مقبولة وبعيدة عن الأدب، ونتساءل أين أخطأنا وكيف يمكن زرع الأدب في نفوسهم؟ وبالطّبع، حين نبحث عن الجواب نرى أنّ الأدب ليس أمرًا خارجًا عن شخصيّتنا أو شخصيّة طفلنا، بل يجب أن يكون نمط حياة نعيشه في كلّ الأماكن والأوقات.
لكن كيف؟ وكيف نزرع هذا الأمر في حياة أطفالنا؟
كالعديد من السّلوكيّات والقيم لا يعتمد الأمر على سببٍ واحدٍ فقط لترسيخ الأدب وتعزيزه.
لذلك سنعرض عددًا من الأصول التربويّة العامّة التي تفتح أفقًا واسعًا أمامنا في سبيل تعزيز العديد من القيم، ومن بينها الأدب والتّأديب:

أولاً: الاعتناء بتنظيم الأفعال الظّاهرية للطّفل كمدخل لتشكيل أفكاره ومشاعره واتجاهاته وقراراته كما ينبغي.
إنّ تنظيم الأفعال الظّاهرية للطفل وتعديلها وتغييرها من نظرٍ وتكلّمٍ وسكوتٍ وإصغاءٍ ومشيٍ وجلوسٍ وتناولٍ للطّعام وغيرها على النّحو المطلوب يحفّز في داخله تشكّل مشاعر وأفكار وقرارات معينة ومنشودة؛ لأن تشكّل الصّفات والخُلقيات الدّاخلية لدى الطّفل إنّما يتحقّق من خلال ما يصدر عنه من كلامٍ أو فعلٍ ظاهري.
ولتوضيح هذه الفكرة نعرض الأمثلة الآتية:
- يجب أن نعلّم الطّفل كيف يُجري كلامًا على لسانه، ليعرف تأثير الكلام على المشاعر والاتجاهات والمواقف المطلوبة. لكن يجب الالتفات الى أنّ تلقين الطفل لنفسه يظهر بشكلٍ عام عقب تلقين الآخرين له؛ مثلًا كأن يقول الأهل في وصف الطّفل- سواءً أكان الخطاب موجّهًا إليه أم للآخرين بحضوره- إنّه مؤدّب، ويتقاسم طعامه مع أصدقائه، أو إنّه يسمح لرفاقه باللّعب بألعابه، أو إنّه لا يخاف من الظّلمة أو إنّه يحبّ أخته وأخاه وأمثال هذا الكلام. وأحيانًا قد يُبرز الطّفل مقاومة وإنكارًا أمام هكذا عبارات للوهلة الأولى؛ ولكن بعد تكرارها عدة مرات سوف يُلاحظ أنّ الطّفل يستخدم عين هذه العبارات حول نفسه وسوف تظهر رويداً رويداً في أعماله. على هذا الأساس، كلما أردنا للطّفل أن يحقّق سلوكًا مطلوبًا، يجب أن نعلّمه كلامًا يجريه على لسانه بما يتناسب مع ذلك السّلوك. كذلك يجب منع الطّفل عن التلقينات السّلبية؛ كعباراتٍ مثل: "أنا ولدٌ سيّئ"، "أنا غير مؤدّب"،.. وتوفير أرضيّة للتلقينات المقابلة لذلك.
- يجب أن نفسح مجالًا للطّفل للقيام بأعمال معيّنة، كي تتشكّل لديه مشاعر واتّجاهات وقيم مطلوبة. وهنا أيضًا بحسب ما نريد تحقيقه في الطّفل، يجب أن نهيّئ الأرضيّة المناسبة لقيامه بالعمل؛ مثلاً إذا طلبنا من الطّفل إلقاء التّحيّة على الآخرين، أو استخدام العبارات المهذّبة، فإنّ سرور الأهل به ورضاهم عن تصرفاته الحسنة سيمهّد الأرضيّة لزرع هذه السلوكيّات فيه، وكذلك إذا أعطيناه غرضًا وطلبنا منه أن يعطيه لصديقه، نكون قد أوجدنا لديه الحافزيّة والاستعداد الباطني لمساعدة الآخرين. أو مثلاً، بدلًا من أن نوزّع بأنفسنا شيئاً على التّلامذة، نعطيه لأحد التّلامذة ليوزّعه، لنزيل بذلك الأرضيّة المساعدة على إيجاد الخصومة فيما بينهم، وبالتّالي نساعد في زرع بذور المحبّة في قلوبهم.
- كلّما اقترن التلقين القولي بالفعلي، كان التأثير مضاعفاً. فحين نَصِفُ الطفل بالجبان سيتصرف على هذا الأساس وحين نردّد إنه شجاع سيتصرف بشجاعة؛ لكن ينبغي ألّا تكون التّلقينات مبالغًا فيها أو بعيدةً عن الواقع.

ثانياً: إجراء تغييرٍ في الظّروف الذهنية التي يعيشها الطفل، ذلك لأنّ التّغيير التّدريجي في أفعال الطّفل وأفكاره وقيمه لا يتمّ غالبًا إلّا من خلال ذلك.
على سبيل المثال:
- يحاول الأهل أن يقدّموا نموذجاً عن الفعل المطلوب أمام ناظري الطّفل، وهكذا يحفّزون الطفل ليقوم باتّباعهم، ويحاول إيجاد التّصرف السّليم في نفسه طِبقاً لذلك العمل النّموذجي. وتُسمّى هذه الحالة التي يعمل وفقها الطّفل بالتأسّي.
- يجب على الأهل إرشاد الطّفل إلى الحالات المطلوبة التي ظهرت بشكلٍ عمليّ في شخص ما، وما أحسنَ أن تظهر هذه الحالات أوّلًا لدى الأهل أنفسهم بحيث يكونون هم أسوة حسنةً للطّفل.
وكي نصل إلى مرحلة التّأسّي بالقدوة المطلوبة يمكن اللّجوء إلى:
- عرض نماذج وقصص من حياة الأنبياء والأئمة(ع) وأخذ عبرة تتناسب مع الحالة المراد تغييرها لدى الطّفل.
- إبراز الشّخصيّات القدوة أمام الأطفال والثناء عليها.

ثالثاً: العمل على رفع مستوى مقاومة الطّفل للظّروف السّلبية المحيطة به، ليصل إلى مرحلة يعمل على تغييرها انطلاقًا من شعوره بالمسؤوليّة والتّكليف، وذلك من خلال مواجهة عواقب الأعمال:
- عزّة نفس الطفل هي ما تحرّكه نحو إنجاز العمل المطلوب وتصونه من الوقوع في الخطأ.
- من هنا يسعى الطفل للقيام بالأعمال والسلوكيات التي تنفعه. لأنها لن تخدش عزّة نفسه ولن تعرّضه للنقد. وهكذا يبرز الدّافع الداخليٍّ لترك العمل أو القيام به، ومع ظهور هذا الدّافع الدّاخلي، سوف يحلّ الإلزام الدّاخلي (الشّعور بالمسؤولية) محلّ الإلزام الخارجي (القوانين)، ويرى الطفل حينئذٍ نفسه ملزماً في ترك أو إنجاز العمل.
- يجب القيام بتوعية الطّفل وتبصيره حول عواقب أعماله وآثارها أوّلًا، ومن ثمّ ندعه يواجه هذه النّتائج والعواقب بنحوٍ مباشر.
- لا شكّ أنّ الموعظة والنّصح يثيران في المستمع مقاومةً؛ بل وأحيانًا عنادًا، لذلك لا بدّ من تقييدها بقيد "الحسنة".
- تكون موعظة أحد أفراد الأهل، ودعوته إلى سبيل الله، إيجابيّة وغير مذمومة عندما:
· يكون هو نفسه عاملًا بالنّصيحة تلك، وعمله نابعًا من اعتقاده والتزامه بالحقّ لا من باب التّظاهر والرّياء.
· تظهر رأفة المربّي وقصد الخير في موعظته
· تكون لهجة وعظِه رقيقة وهادئة ولطيفة كي تضبط العناد لدى الطّفل.
· تكون النّصيحة بالدّرجة الأولى بعيدةً عن حضور جمعٍ من النّاس.
- ولكي يؤمن الطّفل بعواقب الأعمال يمكننا: عرض آيات، أحاديث شريفة، قصص، أفلام فيديو، مسرحيّات، وإقامة جلسات حوار ودروس دينيّة تربويّة توعويّة تبيّن عواقب وآثار الأعمال بنحوٍ عام وتفصيلي.

رابعًا: الاعتناء بعمليّة التّربية وبالعلاقة بين الأهل والطّفل بترتيبِ وتنظيمِ وتزيينِ وتجميلِ كلّ ما يتمّ عرضه وتقديمه كي تُستثار الرّغبات والدّوافع لدى الطفل. وذلك من خلال:
- اهتمام الأهل في ارتباطهم وتواصلهم التّربوي بتزيين كلامهم واختيار الأجمل أثناء مخاطبتهم للطفل.
- سعيهم إلى أن يكون هذا التّواصل والارتباط خاليًا من الكلام البذيء، السّخرية، الإهانات، أو استخدام أيّة كلمةٍ قد تطرأ على ذهنهم؛ بل يجب أن يبذلوا جهدهم في إبداع تعابيرَ عالية المضامين.

وفي الختام:
على الأهل أن يظهروا استجابةً أمام أيّ نوع من تصرّف مطلوبٍ وإيجابيّ من الطفل، سواءً أكان ذلك التّصرّف صغيرًا أم كبيرًا؛ في حين يتمّ إظهار ردّة فعلٍ محدّدة مقابل السّلوكيّات غير المطلوبة والسّلبية، ويقتصر ذلك فقط على بعض الموارد:
أ- العفو (ابتداءً):
- يجب أن لا يقيّد الأهل سلوكهم بسلوك الطفل؛ بل أن يكون سلوكهم قائمًا على دعامة الفضل والرّحمة.
- لا يؤاخذ الأهل الطفل ويجازونه بمجرّد ارتكابه للخطأ؛ بل ينبغي أن يعفوا عنه ابتداءً؛ بل وأن يُظهروا مبالغةً في هذا العفو. والبدء بالعفو يعني أن يُبادر الأهل إلى العفو بنفسهم، لا أنْ ينتظروا اعتذار الطّفل.
- يجب أن يغضّ المربّي النّظر عن الكثير من أخطاء الطفل وانزلاقاته.
- لا ينبغي للمربّي أن يستعجل في المجازاة، بل عليه أن يترك الطّفل ليجد الفرصة اللازمة لإصلاح نفسه.
- يجب أن يحتمل الأهل أيضاً عدم التفات الطفل إلى خطئه؛ إذ قد يحدث أحيانًا أن يعاقب المربّي الطّفل المُخطئ على أمرٍ لا يعلم الخطأ فيه أحدٌ سوى المربّي نفسه؛ وليس لهذا التّعاطي أيّ أثرٍ تربوي، لأنّه لا يُحدِثُ لدى الطفل المخطئ حالة من الرّجوع الداخلي.
- تبعًا لأسلوب التّوبة، يجب أوّلًا استقبال الطفل المُرتكب للخطأ، ولفت نظره إلى خطئه، وتوضيح جوانب الخطأ المختلفة وتبعاته وآثاره، بحيث يؤدّي ذلك إلى ترسّخ أساس الرجوع عن الخطأ في وجوده.
ب- اللجوء في بعض الحالات إلى اظهار عدم الرضا وتجنّب إظهار عدم المحبة:
- إنّ إظهار لغة عدم الرضا يثير الخوف من الحرمان لدى الطفل المتعلّق قلبه بأهله، ويشكّل نفس هذا الخوف رادعًا قويًّا في ضبط التّصرفات السّيّئة.
- "اللّوم" أحد المظاهر البارزة لإظهار عدم المحبّة. واللّوم أكثر غِلظةً وحِدّةً من إبراز عدم المحبّة؛ يترافق اللّوم مع الاستنكار في حين يقتصر إبراز عدم المحبّة على سلب المحبّة.
- كلما أظهر الطفل لياقةً وأهليّةً، واستحقّ التفاتة، يحسُنُ أن يُمنح عطايا وهبات تُظهر محبّة الأهل له؛ خاصة للأعمار الصغيرة. وأمّا إذا صدر عنه ما هو غير لائقٍ، فيُمنع من هذه العطايا والهبات.
- إن إظهار عدم الرضا من أهم أساليب العقاب في مرحلة الطفولة، وقد شُجّع على اللجوء إليه بدلاً من العقاب الجسدي؛ كما جاء عن الإمام الكاظم(ع)، حيث أشار على أحد أصحابه باستخدام الهجران في مقام العقاب؛ ولكن ضمن مدةٍ زمنية قصيرة: "لا تضربه واهجره ولا تُطل."
- تمّ التأكيد مرارًا وتكرارًا على إظهار المحبّة وإعلانها: "من قبّل ولَده كتب الله عزّ وجلّ له حسنةً ومن فرّحه فرّحه اللهُ يوم القيامة."
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

صورة
د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي